رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قد لا يعرفك الكثيرون يا شيماء قنن، وليس هذا ذنبهم، فقد اختلط الأمر على الناس بين سماع وحفظ قصتك على هولها وبشاعتها، مع بقية القصص المأساوية الأخرى التي تعددت وأصبحت بالمئات من ضحايا أطفال غزة الذين سبقوك للقاء الله بفعل وحشية الآلة العسكرية الإسرائيلية.
وصدقا يا حبيبتي شيماء لم أكن لأكتشف هذا الأمر، إلا بعد أن قمت بوضع صورتك في صفحتي بموقع الفيس ثم معلقا عليها (وداعا شيماء ... إلى جنات الخلد حبيبتي) !
انهالت علي بعدها التعازي من زملائي وأصدقائي، وقد اختلط عليهم الأمر فظنوا أن من ماتت هي بنت أحد أقاربي، وأنت والله العظيم يا شيماء أحب وأقرب منهم جميعا!
قد يرى البعض أن الله قد رأف بك حينما جعل لك قدرا ولطفا يخرجك من بطن أمك حية ، فلا تحترقي بفعل الصواريخ والقنابل العنقودية الإسرائيلية كما احترق المئات من الأطفال بوحشية ودون رأفة أو رحمة .
وقد يعتقد البعض الآخر أن في الأمر حكمة يعلمها الحكيم العليم ليكون جسد أمك هو الملجأ و الحضن الدافئ الذي أوصلك في الأخير إلى قسم الحضانة بمستشفى ناصر وسط غزة بعد أن ضحت أمك بروحها لتعيشي أنت .
ولكن العجيب حبيبتي شيماء أن كل الأقدار و الحكم التي دارت بخلدنا ونحن نحمد الله برؤية محياك ، جاءت بعد أيام قليلة معدودات بعكس ما نشتهي، فا نقضت المهلة سريعا وحملت لنا الأنباء الخبر الفاجعة ..... خبر وفاتك يا غالية .
شيماء قنن ..... يا زملائي وأصدقائي طفلة كتب الله لها الحياة بعد الممات ، ثم كتب لها الموت بعد أن احتضنتها الحياة مستبشرة ، وما بين هذه المرحلة وتلك وقفت جدتها ميرفت قنن باكية تنظر أليها حتى كادت أن تبيض عيناها من الحسرة والحزن والأشفاق عليها وهي مسجاة ومستلقية أمامها في سريرها بقسم الحضانة بمستشفى ناصر.
وقفت يا حبيبتي شيماء جدتك ميرفت قنن بين المسعفين والأطباء وساقاها لا تقويان على حملها، بصوت متحشرج وأنين مسموع تنتحب وتتساءل ولسان حالها يقول من قوله تعالى ( وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ .بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ) .
وقفت تصرخ في وجه الجميع متسائلة ... لماذا قررت إسرائيل أن تدفن ابنتي وحفيدتها التي في بطنها حية ؟ ماذا فعلت ابنتي وحفيدتي التي في بطنها حتي يقصفوا بيتها فوق رأسها ؟
لم يكن حال جدتك يا شيماء خارجا في غرفة الانتظار بالمستشفى بأحسن من حال من جلست بينهن من النساء الثكالى من ذوي الشهداء والجرحى الذين أكتظت بهن كل مستشفيات القطاع، غير أن المرء ليحتار من كرب وهول فاجعة جدتك التي ابتلاها الله، فجعل قلبها ممزقا معلقا وأحاسيسه ومشاعره مبعثرة وموزعة ذات اليمين وذات الشمال في آن واحد بين شيماء أمك التي توفاها الله ، وشيماء الحفيدة التي تصارع الموت أملا في الحياة .
جلست ميرفت جدتك هذه السيدة البالغة من العمر ثلاثة وأربعين عاما على باب قسم الحضانة وهي تغالب حزنها و فجيعتها بقلب صديع وصوت مبحوح تنضح الآلام منه، وصبر موشك أن يستطارا، صامدة بنفس تظللها الثقة وعدم اليأس من مِن رَوحِ اللَّهِ التي لا ييأس منها إلا القوم الكافرون .
جلست في الخارج وسط نحيب وعويل الثاكلات اللاتي فجعن مثلها بفقد فلذَات أكبادهن، وهي ترقب حركة الأطباء والمسعفين ، بانتظار الأمل، أو أي معلومات عن حفيدتها الرضيعة التي بقيت على قيد الحياة في بطن أمها الشهيدة .
كانت تقول في تلك اللحظات ( كل ما أطلبه من الله أن يحمي لي هذَه الطفلة وتبقى على قيد الحياة . ماتت ابنتي شيماء لكن هذَه الطفلة ستكون ابنتي الجديدة ، وسوف أربيها كما ربيت والدتها ، وسأجعلها تناديني ماما كما كانت تناديني أمها ) .
وما هي إلا دقائق معدودات حتى عرفت الجدة ميرفت قنن أن ابنتها شيماء قنن والتي وصلت المستشفى كانت أصلا قد فارقت الحياة من قبلها، وأنه وأثناء إسعاف الأطباء لها أثارت حركة بطنها انتباههم، فاكتشفوا أن جنينا لها يكافح بشدة للحياة فما كان إلا وأن قرر طبيب النساء والولادة على الفور إجراء عملية قيصرية لإخراج الطفلة التي كانت مازالت على قيد الحياة .
وخرجتي إلى الحياة حبيبتي شيماء، واستبشرت وحمدت جدتك ميرفت نجاتك من حادثة قصف منزلكم فقررت كل الأسرة إطلاق اسم شيماء عليك تيمنا بروح الشهيدة أمك التي حمتك ببطنها من ترامي وسقوط الأنقاض بعد انهيار منزلكم بدير البلح.
وجدت بعدها فيك الصحافة مادة دسمة، وسرعان ما انتشر اسمك سريعا كانتشار النار في الهشيم بين كل وكالات الأنباء العالمية، وهم يصفونك بالمعجزة الربانية بعد أن أخرجك الأطباء حية من بطن أمك الميتة بفعل القصف الدموي الإسرائيلي.
انصرف عنك بعدها الإعلام والناس وأنا منهم بعد أن حمدنا الله أنك سوف تعيشين لتكونين رمزا وشاهدا على العصر على وحشية ودناءة وسفالة وجرائم الكيان الصهيوني، وبدأت حتى أسرح كثيرا في خيالي متمنيا لو أن إحدى الدول العربية أو الإسلامية احتضنتك أنت وأسرتك من أجل إكمال العلاج كما قامت من قبل المملكة الأردنية مع والد محمد الدرة بعد وفاة ابنه الشهيد الرمز .
بقيت لأيام معدودات جاثية كالجثة الهامدة في قسم الحضانة بمستشفى ناصر في مدينة خان يونس جنوب القطاع، بعد نقلت أليه لصعوبة وضعك الصحي ، وأنت تتنفسين بجهاز خاص للأوكسجين ويتم تزويدك بالغذَاء عبر المحاليل الطبية .
ثم تتابعت الأحداث قبل وبعد دخولك المستشفى وأنت غارقة في غيبوبتك بين الأسلاك والمحاليل والأجهزة الطبية التي تحيط بك من كل جانب . فهذَه جريمة أخرى ارتكبها نفس المجرم، حينما أغار وقصف أطفال منتزه الشاطئ غرب مدينة غزة. كانوا في براءة الأطفال يتسابقون ويلعبون ويتحلقون في دوائر صغيرة فرحا بأول أيام عيد الفطر، ولم يكونوا يعتقدون أنهم أيضا صاروا رغم صغر سنهم في نظر إسرائيل ناشطين من كتائب سرايا القدس أو القسام !
في لحظات تحولت أجسادهم النحيلة إلى أشلاء وتناثرت في شوارع غرب المدينة، فانمحت بفجيعتهم كل ملامح وآثار العيد وسط عويل أمهاتهم وصرخات وذَهول المارة والمسعفين الذَين كانوا يقولون (قصفتهم الطائرات، فتت أجسادهم النحيلة، الله أكبر يا عرب أطفال غزة تحرق أجسادهم على الهواء مباشرة).
ثم جاءت أخبار فراقك الحياة أو لحاقك بكل أطفال غزة الذَين سبقوك لرحمة الله ، بسبب نقص الأوكسجين الذي حدث بسبب توقف قلب الأم ووفاتها قبل ولادتك . قالت التقارير الطبية عنك أيضا حبيبتي شيماء إن هذا النقص في الأوكسجين تسبب في اختناقك بشكل مفاجئ وموت خلايا الدماغ، ثم فارقتي الحياة .
شيماء حبيتي أني أفتقدك اليوم بشدة، فقد منحتينا بصراعك للحياة عزم قوي للصبر والمقاومة ونحن من على البعد عنكم، فكنت أنت بقوتك أصغر مجاهدة ومقاومة فلسطينية في غزة وفرحنا أيما فرح لنجاتك من حادثة قصف منزلك .
ثم ها أنت اليوم تغادرين مسرح الحياة مفضلة الشهادة وجنب الله على العيش تحت الاحتلال الغاشم وبين جيرانه ومحبيه من العملاء والمنافقين ، دون أن تتركي لنا سوى الأثر الطيب والحزن والانكسار لمأساة شعبك .
كنت أتمنى لك طول الحياة يا شيماء حتى تكوني شاهد عصر أمامنا على جرم الكيان الصهيوني، فأراد لك الله الموت والشهادة لتكوني شاهد عصر على انحطاطنا وخزلانا وضعفنا وهواننا وجبننا للزود والدفاع عنك وعن أطفال مخيم الشاطي ورفح وحي الشجاعية وكل قطاع غزة .
وهكذا دوما هي حكمة الله وتدبيره تعلو على حكمة وتدبير كل خلقه .... أن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وأنا يا حبيبتي شيماء في فراقك وفراق كل أطفال وشهداء غزة لمحزونون ... إنا لله وإنا إليه لراجعون.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2883
| 01 مارس 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2823
| 27 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
1065
| 26 فبراير 2026