رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تحظ فكرة إنسانية عظيمة بالاهتمام والتأصيل والانشغال منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، مثلما حظيت قضية الحرية، باعتبارها قيمة كبيرة في الفكر الإنساني ارتبطت بحياة الإنسان ووجوده وكيانه ارتباطا وثيقا، فقد كافح الإنسان وناضل عبر التاريخ لاستعادة حريته وكرامته كإنسان من أسر العبودية والاستغلال والاسترقاق التي عانت منها شعوب كثيرة عرفها التاريخ الإنساني عبر قرون مديدة وعندما جاء الإسلام برسالته التوحيدية السماوية كانت دعوته ناصعة واضحة في مسألة الحق في الحرية الإنسانية ومنطلقاتها، وفي إعطاء الإنسان، باعتباره إنسانا، الحق في الحرية والكرامة بما أرساه الإسلام من مفاهيم أوجبت هذا الحق لكل بني البشر دون تمييز أو إقصاء، ومنحهم حق الاختيار في الاعتقاد، ولم يكره أحداً على اعتناق هذا الدين، وهذا ما تحقق في قوله تعالى: "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، ولو شاء ربك لآمن من الأرض كلهم جميعا" (يونس 128/69).
كما كانت مقولة الخليفة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في حق الحرية ناصعة مدوية في قضية الحرية في الإسلام: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟، فكانت هذه المضامين، الثمرة والترجمة المثالية والعملية للدين الذي ينشد تحرير الإنسان من كل ألوان القيود والعبودية لغير الله تعالى الخالق، والذي أقام الوجود الإنساني على أساس الكرامة الإنسانية، فقال الله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً" (الإسراء: 17/70)، وقال سبحانه: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" (التين: 95/4).
وهذا يدل على أن الحرية ليست مجرد حق، بل هي واجب متعيّن أوجبه الله تعالى لعباده في الأرض. وصف ابن تيمية، رحمه الله، الحرية، بأنها العبودية الخالصة لله تعالى، تجمع بين كمال الحب، وكمال الذل لله.
وهذه القيمة العظيمة التي أرساها الإسلام للحرية أسهمت في تحرر الفرد عن طريقها من الخوف والذل والشعور بامتهان الكرامة، وأصبح الناس سواسية لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والجهد والعلم والدين.
كما جعل الإسلام الاعتقاد والإيمان خاصاً بالإنسان واختياره بحريته، دون إجبار أو قهر في أن يعتقد ما يشاء ويؤمن عن بيّنة وإدراك واقتناع من ذاته، فمفهوم الحرية في الأساس "يدور حول معنى أساسي، وهو ممارسة الإنسان اختياراته ومراداته دون إكراه، والإسلام دين الفطرة يحمي في الإنسان حريته واختياره، وأكرم ما يشرف العقل من اختيار هو تبني عقيدة سليمة وإن قصر عقل الإنسان عن ذلك ليس لأحد أن يجبره على تبديله أو تغييره".
كما فرض الإسلام على الجماعات الدينية أن يحترم بعضها الآخر، ومنع أن تنقص كل منها من قدر أئمة الآخرين وزعمائهم، أو أن تلحق بهم الإهانة والسباب وما إليها وقد ورد ذلك في القرآن الكريم أمراً لازماً يعلمنا احترام معتقدات الآخرين، وكفل الإسلام حماية أصحاب العقائد الأخرى الذين يعيشون في الدولة الإسلامية والإحسان إليهم، قال تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم".
وألزم كذلك المسلمين بحماية عقائدهم والدفاع عنها فقد أمر المسلمين بالهجرة عند التضييق على معتقداتهم من قبل الأعداء.
قال تعالى: "إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا". (النساء: 4/97).
وقد تناول الإسلام قضية الحرية انطلاقاً من حقيقة أن هذا الدين أتى باعتباره إشراقة تحرر للفرد من كل خوف، وسما على كل شرك، فأصبح الناس سواسية، لا فضل لأحدهم على سواه إلا بقد ما أصاب من تقوى في الدين والعلم بأموره والإحاطة بأحكامه.
ولذلك أشار الإسلام إلى حرية الإنسان في أن يعتقد ما شاء ويؤمن بما أراد عن بينة وإدراك لما أقدم عليه من داخل النفس، دون جبر ودون قهر أو إكراه، فكان أساس الدعوة استقلال الفكر وحرية الفرد من منطلق المساواة، بلا تمييز بسبب اللغة أو اللون أو الجنس. وقد اهتم الإسلام، السابق للثورات الحضارية بأكثر من أحد عشر قرناً من الزمان بحقوق الإنسان التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من كيانه، والذي شيد بها الحضارة وبنى على أسس منها ـ ومن تحقيقها ـ صرح مبادئ اجتماعية وسياسية ثابتة على مر السنين والعصور.
ولقد قام الإسلام رؤيته إلى قضية الحرية على أسس راسخة منذ نشأته، مرتكناً فيها إلى تكريم الإنسان وإعلاء شأنه وتحقيق الاستقرار له في حياته، كما كفل له ممارسة نشاطاته على مختلف صورها وشتى مصادرها، فجاء بذلك متماشياً مع رغبات الحياة ـ حقيقة كيان الفرد وحسب الفطرة التي فطرها الله عليها (فطرة الله التي فطر الناس عليها)، وكفل الإسلام منطلق الفكر العقلي، محققاً للفرد حريته في ذاته وفكره وتجاربه.
ولم يترك الإسلام الإنسان لنفسه، بل حباه بما كرّمه الله به من إنارة الطريق وبيان سبيل الرشد وطريق الشرك، ليفكر ويحكم عقله ويختار بين أي الطريقين يسلك.
كما أن ما تضمنته أحكام الإسلام من أسس ومبادئ تعد من أعظم صور ممارسة الحرية ما دامت لا تحض على الشر أو تنشر الشرك، فهي مكفولة طالما حققت السلام للإسلام والأمان للمجتمع، وصالحه العام والمشترك بين أفراده، وهذه أهم أركان النظام العام بمفهومه العصري (والدارس لأصول الفقه وأحكام الشريعة تتجلى أمامه ولأول وهلة، حقيقة واضحة وهي أن الإسلام هو دين الحرية ومناطها وموئل عزها وأملها الكافل لممارستها المدعم لشتى صورها والداعي لها من خلال نظام محكم يفوق غيره من النظم التي سارت قبله أو تلك التي عاصرته في أقطار أخرى).
فقد نادى الإسلام بمبادئ الحرية الفردية وكفل المساواة ومعها الحرية الاجتماعية، وتحققت منه ذلك قبل عدة قرون مضت قبل أن يطرح الفكر المادي والمذهب الاشتراكي لجنبات فكره على الدنيا.
ولا شك أن الفكر بمعناه اللغوي هو إعمال النظر في جانب حركة الذهن لتحصيل المعلومة، وترتيب أفكارها بمنهج العقل للوصول إلى المعرفة من خلال حرية التفكير والنظر.
ومن هنا فإن الإسلام حرص على حرية الفكر وشدد على فتح الآفاق الفكرية بصورة رحبة في جوانب التعبير، والنظر والتفكير، والتداول والاستدلال، فانطلقت حضارته العظيمة في كل أرجاء الدنيا وفي كل شتى المعارف الإنسانية، في الوقت الذي تراجعت الحضارات الأخرى، وانزوت على نفسها بأفكار التخلف والجهل والاستبداد.
وحينما تتاح حرية الرأي في مستوى الإعلان والحجاج، فإن العقل ينفتح على الرأي المخالف والمعطيات المضادة، وتتم في نطاق الحوار المقابلة بين الآراء، فيسقط الضعيف ويصحّ القوي، وذلك أمر بيّن بالمشاهدة.
أما الكبت والمنع من التعبير والمحاورة فلا يثمر إلا الانغلاق على الرأي الواحد، والتشبث به والتعصّب له، فلا يكون العقل ناظراً إلى الأمور إلا من زاوية واحدة قد تخطئه الحقيقة أحياناً كثيرة، ولا غرو حينئذ أن ينمو التعصّب للآراء والتشبث الأعمى بها في كل مناخ تصادر فيه حرية التعبير، وأن تنمو المرونة العقلية، وتقبّل التصويب في كل مناخ تشيع فيه هذه الحرية.
وما أروع التربية النبوية في هذا الخصوص، فقد انتهجت نهج الانفتاح على مضادات الآراء بما أتاحته من حرية القول والاحتجاج والنقد، وقد اتخذ النبي (صلى الله عليه وسلم) شعاراً له "أشيروا" عليَّ أيها الناس، وهو شعار تربوي يهدف إلى تربية المسلمين على الفكر النقدي المقارن بإتاحة الحرية الواسعة في القول والحجة، وإلا فإن الحق بائن لديه، إذ هو المؤيد بالوحي المعصوم من الخطأ.
وكذلك الأمر بالنسبة لحرية الرأي في مستوى التعبير والمناظرة، فإن من شأن الإعلان عن الرأي والدعوة إليه أن يكشف بما يصير إليه من الحوار عن عناصر الذاتية فيه، تلك التي قد تكون لصيقة الطبع الإنساني فيغفل عنها العقل لذلك، أو تكون وليدة القصد لتحقيق المآرب، فالحرية من خلال الحوار، قد تكشف كل ذلك، وتعيد الأنظار في بحث الموضوع إلى معطياته الحقيقية من واقعه الموضوعي.
وإننا لنكتشف في كثير من الأحيان أن أحكاماً نصدرها في قضية ما هي في حقيقتها من صنع الذات وإنما نسقطها على القضية إسقاطا، وذلك حينما نطرح تلك الأحكام في ساحة الحوار، ولذلك أباح الإسلام الحرية للنقد وتعدد الآراء واختلافها من أجل الاقتناع بالرأي الصائب وهذا لن يحصل إلا بتعددية الآراء وتنوعها واختلافها.
لماذا اختارت عُمان هذا المسار؟.
تابعت باهتمام التعليقات والتحليلات والتكهنات، عن الخطوة العمانية، بالانضمام إلى التحالف الإسلامي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وكان... اقرأ المزيد
766
| 08 يناير 2017
التكامل العربي أين هو ؟
حضرت قبل أسبوعين المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي التي انعقدت في أبو ظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة ،وكان... اقرأ المزيد
4923
| 01 يناير 2017
هل نخاف على لغتنا العربية؟
قبل أيام مضت عقدت بصلاله بسلطنة عُمان ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية حملت عنوان (اللغة العربية والتحديات)،... اقرأ المزيد
567
| 25 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4680
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3324
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026