رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سارة العمادي

مساحة إعلانية

مقالات

36

سارة العمادي

دِرهمك الأول.. درسك الأكبر

09 سبتمبر 2026 , 02:00ص

مع بداية كل عام دراسي، أسمع نفس الأسئلة من الأهالي: كيف أعوّد ابني أو ابنتي على المسؤولية المالية؟ ومعظم هذه الأسئلة تبدأ من نقطة واحدة، وهي المصروف. مبلغ بسيط يُعطى للطالب كل أسبوع أو كل شهر، لكن قلة منا ينظرون إليه كفرصة تعليمية حقيقية. نحن نهتم كثيرًا بدرجات أبنائنا في المدرسة، لكننا نادرًا ما نعلّمهم شيئًا سيحتاجونه طوال حياتهم، وهو كيف يتعاملون مع أموالهم.

الوعي المالي ليس شيئًا نتعلمه فجأة بعد التخرج أو مع أول راتب، بل عادة تُبنى تدريجيًا، ومثل أي عادة، كلما بدأنا فيها مبكرًا كانت أسهل وأثبت. والطالب في وضع مثالي ليبدأ فيها، لأن أي خطأ مالي يقع فيه في هذه المرحلة يكون أثره محدودًا، فلا قروض ولا التزامات، بل مصروف صغير يمكن أن يتعلم منه دون أن يخسر شيئًا كبيرًا.

أول خطوة بسيطة أن يتعلم الطالب أن يضع جزءًا من مصروفه جانبًا قبل أن ينفق الباقي، بدل أن ينفق كل شيء أولًا وينظر بعدها إلى ما تبقى. هذا المبدأ، أن يدّخر الإنسان لنفسه أولًا، أساس مهم في أي علاقة سليمة مع المال. والمهم هنا ليس المبلغ، سواء كان ريالين أو عشرين، بل العادة نفسها. ومن هذه العادة الصغيرة تتولد مهارات أكبر: يتعلم الطالب أن يميّز بين ما يحتاجه وما يريده فقط، ويتعلم الصبر على شيء يدّخر من أجله بدل شراء كل ما يعجبه فورًا.

ومن هنا يبدأ فهم فكرة الاستثمار. فحين يعتاد الطالب أن للفائض من ماله مكانًا، يصبح من السهل أن نشرح له، ولو بأبسط صورة، أن المال يمكن أن «يعمل» بدل أن يبقى ساكنًا. ولا أقصد هنا أن يفتح الطالب محفظة استثمارية وهو في المرحلة الثانوية، بل أن يفهم الفكرة الأساسية: أن هناك فرقًا بين مبلغ موضوع في الدرج وآخر يُدار بوعي ليكبر مع الوقت. وهذا الفهم البسيط هو ما يصنع فرقًا كبيرًا بعد سنوات، حين يقف هذا الشاب أو تلك الفتاة أمام أول قرار مالي مهم في حياتهما، وهما أكثر جاهزية من جيل لم تُتَح له فرصة تعلّم هذا الأمر مبكرًا.

وهذا ليس مسؤولية المدرسة وحدها، ولا الأسرة وحدها، بل حوار يبدأ من داخل البيت، بسؤال بسيط: «أين ذهب مصروفك هذا الأسبوع؟» من غير لوم، بل بفضول حقيقي. وكلما طبّعنا هذا النوع من الأسئلة في بيوتنا، بدل أن نجعل منها موضوعًا محرجًا، ربّينا جيلًا أقدر على تدبير أمواله بنفسه.

ومن خلال عملي مع الأهالي والطلبة، ألاحظ أن أكثر ما يقلق الأهل هو أنهم لا يعرفون من أين يبدأون. والحقيقة أن البداية سهلة، ولا تحتاج دورات ولا كتبًا معقدة، بل تحتاج فقط قرارًا صغيرًا يتكرر كل أسبوع، وصبرًا على نتيجة تظهر بعد وقت، لا من أول يوم.

فالادخار من المصروف ليس الهدف النهائي، بل باب يوصلنا إلى ما هو أكبر. فمن يتقن إدارة عشرة ريالات، سيكون أقدر على إدارة عشرة آلاف حين تأتي، وأقدر أيضًا على اتخاذ قرارات أكبر بثقة، بدل أن يتخبط فيها أول مرة يواجهها. وأكبر استثمار نقدمه لأبنائنا ليس حصالة ولا حسابًا بنكيًا، بل هذا الفهم البسيط الذي يبدأ من اليوم، لا من الغد.

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية