رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعتبر دول مجلس التعاون الخليجي واحة تتمتع بقدر من السلام والاستقرار في وسط الاضطرابات والفوضى التي تعصف بأرجاء منطقة الشرق الأوسط جراء ثورات الربيع العربي والانتفاضات الشعبية. فباستثناء مملكة البحرين وسلطنة عمان فإن مظاهر الاحتجاجات والتوترات المرتبطة بموجة ثورات الربيع العربي تبدو نادرة الحدوث بعد أن انطلقت شرارة هذه الثورات في تونس منذ حوالي العامين تقريبا. ومع هذا لا يمكننا أن نغفل عن الأحداث التي بدأت مؤخرا بخطى متسارعة لتخلخل حالة الهدوء والسلام في كل من الكويت والسعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.
فقد هزت الكويت في الأسبوع الماضي سلسلة من الاحتجاجات التي تحولت إلى أعمال عنف. حيث اتجه المتظاهرون إلى السجن المركزي للبلاد للمطالبة بالإفراج عن عضو البرلمان السابق مسلم البراك، الذي اعتقل إثر خطاب ألقاه أمام المتظاهرين، وانتقد فيه أمير البلاد سمو الشيخ صباح، ولكن أطلق سراح البراك في آخر الأمر مقابل كفالة مالية بلغت عشرة آلاف دينار كويتي أي ما عادل (35.574 دولار). إلا أن هذه الإجراءات لم تردع الناشطين والمجموعات الشبابية من تنظيم مظاهرات احتجاجية في يوم الأحد الماضي تحت شعار " كرامة البلاد 2"، رغم منع الحكومة لأي تجمعات جماهيرية تضم أكثر من عشرين شخصا، في ضوء الصدامات التي وقعت بين الشرطة والمحتجين على التعديلات التي فرضها سمو الأمير بعد موافقة مجلس الوزراء على قانون الانتخابات لعام 2006. وقد شارك في المظاهرة التي فرقتها قوات الأمن الكويتية باستخدام القنابل المسيلة للدموع والقنابل الصوتية عدد كبير من المتظاهرين.
وفي هذه الأثناء، تصاعدت المظاهرات الاحتجاجية للشيعة في محافظة القطيف في شرق المملكة العربية السعودية، وهي مظاهرات أسفرت منذ اندلاعها في مطلع عام 2011، عن مقتل 14 مدنيا واثنين من ضباط الشرطة. كما تمت محاكمة تسعة عشر شخصاً في الأسبوع الماضي بعد التظاهر بالقرب من سجن طرفاية للمطالبة بإطلاق سراح أفراد أسرهم المحتجزين فيه. وتتزايد الاحتجاجات في المملكة مع استمرار الأقلية الشيعية في ممارسة الضغط على الحكومة للحصول على المزيد من الحقوق.
كما أدت الاحتكاكات بين الحكومة وجماعة الإخوان المسلمين في الإمارات إلى التراشق بالكلمات. وقد نشبت هذه الأزمة إثر الكشف عن تزايد نفوذ الجماعات الإسلامية في الحياة السياسية للبلاد. حيث كان ضاحي خلفان رئيس شرطة دبي أكثر صراحة بشأن نشاط جماعة الإخوان المسلمين التي اتهمها عبر حسابه في تويتر، بالتآمر لتغيير أنظمة الحكم في بلدان مجلس التعاون الخليجي. وفي السياق نفسه أكد مؤخرا وزير خارجية دولة الإمارات الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان تخوف بلاده مما ينظر إليه على أنه تدخل الجماعة، بدعوته دول مجلس التعاون للعمل معا لمنع الإخوان المسلمين من تقويض أنظمة الحكم في المنطقة.
ومع أن قطر بعيدة عن الاضطرابات التي تعصف بالمنطقة لما تتمتع به من هدوء واستقرار داخلي، إلا أن المخاطر الخارجية الناجمة عن دعم البلاد للشعوب في بلدان الربيع العربي، ودورها في مساعدة ضحايا المواجهات الدامية في سوريا من المدنيين، قد لا يروق للبعض. فقد صرح مؤخرا اللواء حسن فيروز آبادي رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية قائلاً بأن الإدارة الأمريكية بصدد إثارة فتنة جديدة في سوريا، ونصح قطر "بعدم تعريض أمنها للخطر بالوقوع في فخ الأمريكيين". وتحمل تصريحات أبادي تهديدات مقنعة لقطر مفادها، أن استمرارها في دعم السوريين قد يعرض أمنها واستقرارها للخطر.
ولهذا فإن كل هذه الأحداث والاحتجاجات الطائفية المستمرة في البحرين، والمسيرات بسبب البطالة في عمان، لا تبشر بخير لمستقبل المنطقة. فالمنطقة تشهد الآن تهديدات غير مسبوقة ليس لأمنها واستقرارها فحسب، بل أيضا تغيير النظام السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي.
فنزعة الناس في المنطقة نحو المطالبة بالمزيد من الحقوق والحريات قد أخذت تتنامى. ولهذا هنالك احتمال كبير في أن تصل يوما حكومات دول مجلس التعاون إلى نقطة التحول إلى ملكيات دستورية شبيهة بما هو قائم اليوم في بريطانيا وإسبانيا واليابان وتايلاند، حيث تعمل الملكيات ضمن إطار دستوري بشكل يضمن استمرارها السياسي في الحكم.
وقد اتخذت كل من الكويت والبحرين خطوات في هذا الاتجاه، بإقامة برلمانات منتخبة، ولكن لا يزال الأمراء يحتفظون بحق اختيار رئيس الوزراء ومجلس الوزراء الذي يتمتع بصلاحيات تشريعية كبيرة. وقد يتغير هذا الوضع مدفوعا برغبة الناس في المزيد من الإصلاحات الديمقراطية تحت التأثير الجزئي لانتفاضات الربيع العربي. وأن وجود رئيس وزراء وبرلمان منتخب لم يكن فكرة بعيدة المنال بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي مستقبلا.
ومع ذلك، فإن تحقيق المزيد من الحريات الديمقراطية بالتحول إلى ملكيات دستورية لن يحل جميع المشكلات التي تعاني منها كل دولة من دول المجلس في آن واحد. بل قد يسفر عن ذلك تفاقم للأوضاع، خاصة أن دول مجلس التعاون ليست لها تقاليد راسخة في ممارسة السياسة عبر أحزاب سياسية كما هو قائم في الغرب اليوم. حيث يدعم الناس أحزاباً سياسية بعينها انطلاقا من فكرها السياسي. ولهذا تعد دول المجلس بحاجة إلى وضع أسس تحول دون قيام أحزاب على أسس دينية أو طائفية أو قبلية، بل على أسس وقواعد فكرية سياسية إنسانية وبرامج تقوم على الديمقراطية والقيم الأخلاقية بشكل لا يؤدي إلى المزيد من التصدعات في المكونات الاجتماعية لدولها.
حيث إننا رأينا في ثورات الربيع العربي الجميع يقف صفا واحداً، الإسلاميون والليبراليون واليساريون ورجال ونساء وأطفال القبائل المختلفة ضد الاستبداد ومن أجل الحرية والعدالة والكرامة.
وكان صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قد أكد في مقابلة مع صحيفة الفايننشال تايمز في عام 2012، بأن الديمقراطية ينبغي أن تتحقق "خطوة خطوة... وتحتاج إلى تعليم جيد ومحللين جيدين". ولهذا فإن التحدي الذي يواجه دول المجلس الآن يتمثل في كيفية تعليم شعوبهم بشكل ينتقل بهم إلى مرحلة التفكير بعيدا عن التحالفات الطائفية والقبلية المعتادة، ليدعموا أحزاباً ذات رؤى سياسية وقوى لها برامج قابلة للتطبيق وتسهم في تطور ونماء هذه البلدان.
والتغيير في المنطقة أمر لا يمكن تجنبه أو استبعاده. وقد توقع هذا صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عند زيارته للولايات المتحدة في عام 1997، حيث اقتبس من مقولات الرئيس الأمريكي جون اف كنيدي قوله: "إن الذين يجعلون من الثورة السلمية أمرا مستحيلا، فإنهم يجعلون من العنف الثوري أمرا لا مفر منه".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8730
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2832
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2730
| 30 أكتوبر 2026