رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من المؤكد أن "عيد تأسيس الجيش العراقي" يتمتع باحترام خاص لدى العراقيين، ورغم أنهم كانوا يحققون طريقة النظام السابق في الاحتفال به، وكيف أن الرئيس السابق كان يتصرف بالجيش ويوظفه في مغامراته، إلا أن العراقيين بمن فيهم المعارضون السابقون كانوا يبدون دائماً اعتبارات تميز هذا الجيش عن النظام نفسه.
منطقياً، كانت الشفافية السياسية تفترض، لو توافرت، ألا تعلن الحكومة العراقية أن العرض العسكري الذي أقيم يوم الخميس الماضي كان احتفالاً بالذكرى التاسعة والثمانين لتأسيس الجيش العراقي، وذلك لسبب بالغ الوضوح، ففي عرف الحكام الحاليين لا ينتمي الجيش الحالي إلى الجيش السابق، ولأنهم هم الذين طلبوا من واشنطن قبل الغزو، ثم من سلطة الاحتلال، أن تحل ذلك الجيش، بل ألحوا على حل الدولة بمؤسساتها كافة، وهكذا فإن مخططي تغيير النظام، من الجانبين، قرروا مسبقاً إعادة تأسيس الدولة وأمنها انطلاقاً من الصفر.
حسن، وبغض النظر عن خطأ هذا القرار أو صوابه، فإن واقع العراق بعد سبعة أعوام على الاحتلال كافٍ للحكم عليه، لكن الأكيد أنه لم تكن هناك خطط جاهزة لتنفيذه، رغم هوله وخطورته، ومع افتراض أنه القرار الصحيح، فكيف يستقيم لدى الحكام الجدد أن يلحقوا الجيش الجديد بذاك القديم الذي عاملوه بمهانة أشد من الذل الذي أنزله به النظام السابق، كانت الحجة الأقوى للتخلص من الجيش أنه بعثي، ومن الدولة أنها مبنية على ثقافة البعث، لكن حتى صدام حسين كان يعرف أن جيشه ليس بعثياً ولا مؤسسات الدولة بعثية، وإنما كان البعث يحكم الجميع مختزلاً بقرار رجل واحد، كان عشرات من الضباط هربوا إلى الخارج وتوزعوا على فصائل المعارضة ثم دخلوا معها من الكويت والأردن، وقد استخدموا للاتصال بمئات آخرين بقوا في الداخل، ثم جرى الاستغناء عنهم، إلا قلة استعان بها الحكام الجدد.
في المرحلة الأولى، بعد الاحتلال، لم يكن الأمر يتعلق ببناء جيش جديد، وإنما بإنشاء ميليشيات تمهيداً لتقاسم النفوذ في مختلف أنحاء البلد، أما نهاية الجيش السابق فلم تكتبها "بعثيته"، ولا إرادة الحكام الجدد، بل إرادة الجهات التي ارتبطوا بها ونزواتها، بل على الأخص الرؤية الاستراتيجية للعراق ودوره ومكانته وفقاً لتصورات متصادمة ومتناقضة لكن متقاطعة ومتلاقية في نهاية المطاف بين ما يريده الأمريكيون و(الإسرائيليون) وما يطمح إليه الإيرانيون، بدا كأن بقاء الجيش السابق يعني استمرار العراق عربياً، بالمفهوم الذي يرفضه كل هؤلاء، بالإضافة إلى الأكراد الذين اعتبروا دائماً أن الفكر القومي العربي كان عنواناً لاضطهادهم، وبالتالي فلا عودة إليه بعد نهاية النظام السابق، لكن لا عودة أيضا لعراق موحد أرضاً وشعباً ودولة وجيشاً.. ومن أجل هذا الهدف، هذه اللاعودة، كان مرحباً بالميليشيات لأنها ذريعة التفتيت وأداته.
أما مرحلة إعادة التأسيس فتأثرت ولاتزال، بالمفاهيم الملتوية التي قادت إعادة تأسيس الدولة، والنظام، وهي بدورها تأثرت بمفاعيل "الثقافة" الهجينة التي انبثقت عن ممارسات اللحظة التالية لسقوط النظام السابق، ومرة أخرى، مع افتراض أن قرار إلغاء الدولة والجيش والأمن كان صائباً، ومع اعتبار أن النهب الذي تعرضت له المنشآت الحكومية كافة وصولاً إلى المتحف والمواقع الأثرية عبر عن روح انتقامية لدى الشعب الناقم على النظام السابق، لم يكن مفهوماً لماذا شاركت القوى الوافدة مع قوات الاحتلال في عمليات النهب بعدما أصبح البلد – ولو نظرياً – تحت سيطرتها وباتت مؤتمنة على ممتلكات دولة بائدة لكن يتوجب إعادة بنائها، ومنذ باشر الحكم الجديد عهوده، لم يكن مفهوماً ايضا لماذا استشرت ظواهر الفساد على هذا النحو الفاحش والمستفحل، سواء تعلق الأمر بتسليح الجيش وقوى الأمن أو بأي أمر آخر، وقياساً على ما كان المعارضون السابقون يقولونه عن فساد رجالات النظام السابق، فإن فساد هؤلاء يبدو هزيلاً ومضحكاً إزاء فساد الجدد، ثم أن بلدان اللجوء أو المنفى الاختياري لم يسبق أن شهدت هذا العدد من حديثي الثراء بعد المرور في أروقة الحكم، فيما لايزال العراقيون يشكون من غياب الخدمات أو تدهورها.
ثمة مفارقات شكلية واكبت العرض العسكري، من إقامته في المنطقة المغلقة، إلى غياب وزراء الأمن الأربعة الذين لم يعثر عليهم بعد، إلى مشاركة خليط من قطع عسكرية أمريكية إلى جانب "سوفييتية" إلى استهزاء قائد سلاح الطيران من تقارير تتكهن بـ"انقلاب" من داخل المؤسسة العسكرية التي قال إنها لن تحظى بالسلاح الأهم الذي سيؤول إلى الوحدات الخاصة لمكافحة الإرهاب، لكن الأهم كان تأكيد نوري المالكي للانطباعات العامة السائدة بشأن الجيش الجديد، الذي يفترض ألا يستكمل جهوزيته بنهاية هذه السنة مع الانسحاب الأمريكي.
يراد لهذا الجيش أن يكون – حسب الطلب – محدود القوة "مهنياً"، "غير مضخم"، و"غير مسيّس"، لا يشكل خطراً على محيطه ولا يشكل محيطه خطراً عليه، لا يتوقع أن يُحارِب ولا يتوقع أن يُحَارَب، لا يعادي أحداً في الخارج بل يكفيه أعداء الداخل، لكن هؤلاء ستتكفل بالتصدي لهم قوات الأمن التي ستحصل على التسليح المناسب، وسيكون الاعتماد الأساسي عليها (وكأنها وريثة الحرس الجمهوري).
هذه هي الوصفة التي تفترضها "فدرلة" العراق، ومع بلورة معالمها لابد أن أهمية الجيش ستتضاءل لأن مكانة الحكومة المركزية نفسها لن تكون واضحة الفاعلية، وكان بعض التطورات في ما يسمى "المناطق المتنازع عليها، في الشمال رسم حدوداً ولو قسرية لقدرة الحكومة المركزية، وكذلك لقدرة الجيش، ما شكل عينة لما سيكون عليه الوضع تحت "الفدرلة".
عبدالوهاب بدرخان
يستطيع الفلسطينيون أن يدهشوا أنفسهم، وأن يقدموا أحياناً على ما لا يتوقع منهم، لكن الآخرين ولا سيما العرب... اقرأ المزيد
1054
| 07 يناير 2013
المالكي ومخاطر التلاعب بالسلطة
آخر حجة يريد العراقيون سماعها من رئيس الوزراء نوري المالكي أن استهدافه وزير المال رافع العيساوي، وقبله نائب... اقرأ المزيد
647
| 31 ديسمبر 2012
سقوط "الممانعة" في مخيم اليرموك
كانت صدمة مروّعة لفلسطينيي مخيم اليرموك أن تُقصف "عاصمة الشتات" – كما كرّسوا مخيمهم – بطائرات "نظام الممانعة"،... اقرأ المزيد
559
| 24 ديسمبر 2012
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8721
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2814
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
1647
| 30 أكتوبر 2026