رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قبل يومين وتحديدا يوم الثلاثاء 8/1 وفي الوقت الذي كان يؤكد فيه نائب رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"السيد موسى أبو مرزوق أن "وفدًا من الحركة بقيادة رئيس مكتبها السيد خالد مشعل سيصل إلى القاهرة للتباحث بشأن المصالحة.. كان الأخ عزام الأحمد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح يصرح بنفي وجود أية ترتيبات تتعلق بعقد لقاء بين مشعل وأبو مازن في إطار زيارتهما للقاهرة التي سيصلانها بناء على دعوة من الرئيس المصري..
تصريح عزام الأحمد لم يأت كإضافة أو كتعقيب لا بد منه على إجابة سؤال وجه إليه.. وكان باستطاعته أن يتجنب النفي أو الإثبات احتراما لاحتمالية أن يلتقي الرجلان.. وما المانع أن يقع في ذهن الناس – إن حدث اللقاء – أنه كان معدا قبلا، وأن القائدين يتحركان وفق رؤية واضحة وترتيبات مسبقة؟! أليس يلفت النظر هذا التصريح أولا بكون مطلقه هو السيد عزام الأحمد – عضو اللجنة المركزية لفتح - في حين أن مطلق تصريح حماس هو عضو لجنتها ثم نائب رئيس مكتبها؟ وثانيا: أليس لفرق الرتبتين التنظيميتين دلالة على استعلاء واستكبار في غير موضعه فيما يفترض منه أن يطرح نفسه كشريك مساو في الحوار والمصالحة؟ اللهم إلا إذا كان " الأحمد " لا يرى السيد مشعل كفئا لعباس، أو أنه أراد توجيه رسالة لجهة ما بأن أي مصالحة ستكون يد فتح والسلطة فيها العليا!!
ربما يعتبر البعض أن ما قاله "الأحمد" مجرد تصريح شرود وأنه لا يستحق كل هذا التحميل أو التحامل! وأن البحث في فروق سياقه ومنطوقه ومفهومه وقائله والمقول له تعلل وتعنت في غير محله! وأقول: إن تصريح "الأحمد" ومهما أحسنّا الظن فيه لا يتناسب مع ضرورات بناء الثقة على أساس الاحترام والتكافؤ بين الحركتين بعد أكثر من ست سنوات من الفصام والخصام والانقسام والاستعلاء المتبادل، ولا يتناسب مع الإنجازات والانتصارات التاريخية التي حققتها وتحققها على أرض الواقع لنفسها وشعبها وأنصارها، ولا مع أجواء الوئام الناشئ بين الحركتين بعد مهرجانات الانطلاقتين في الضفة وغزة، ولا مع واجب رد التحية على حماس بمثلها إن لم يكن بأحسن منها بعد أن قامت بالإفراج طوعا وتقربا عن فتحويين مدانين بأعمال إجرامية، وبعد أن سمحت لفتحويين آخرين هاربين منذ الحسم بالعودة لغزة، وبعد أن سمحت لفتح بالاحتفال بانطلاقتها وأمّنت لها المكان والزمان..
الحقيقة أن ما جاء على لسان " الأحمد " لا يمكن قطعه عن استهداف السلطة لحماس بعد مهرجانات الحركتين التي بشرت بالمصالحة، فقد عادت الاعتقالات وعاد التضييق الأمني على حماس من جديد ؛ فمنذ بداية هذا الأسبوع – فقط – اعتقلت أجهزة أمن السلطة عشرات القيادات والرموز كالشيخين حماد العملة وخضر غنيمات، والأسرى المحررين أمثال طارق فضل وطارق دعيس وعبد الرحمن هندية، وال18 طالبا جامعيا وثانويا الذين قادوا احتفالات انطلاقة حماس..
ذلك يعيد طرح السؤال الدائم: هل السلطة معنية بالمصالحة؟ وإذا كانت معنية – وأنا أشك في ذلك وعن تحليل منطقي وموضوعي لا عن سوء ظن - فلماذا إذن تعاكسها وتتلكأ بها وتناور حولها؟ وأقول:
لا أعتقد أن فتح ترفض المصالحة بالمطلق ولكنها تريد مصالحة تعيدها إلى غزة، وتجير لها منجزاتها، وتكسبها مساحة أخرى للشرعية الدولية، وهي تتمنى أن يأتي يوم تكون فيه كما أي نظام يستهدف ما يسميه الإرهاب – الحركات السياسية الإسلامية – وهي لا تريد مصالحة تعيد حماس ومؤسساتها وفعالياتها إلى الضفة.. وفي هذا السياق تأتي كل محاولاتها لجعل الانتخابات التجسيد الوحيد للمصالحة ثم نقطة أول السطر.. علما بأن التصالح لا يقوم على المغالبة التي تقوم عليها الانتخابات، وعلما أيضا بأنها – أي فتح – لا تزال ترفض تفعيل المجلس التشريعي الذي جاءت به انتخابات 2006 التي هي تعترف بأنها كانت نزيهة وشفافة وحقيقية..
فتح لا تريد مصالحة تعيد حماس للضفة وهي لا تضمن قدرتها على تنفيذ أي اتفاق على ذلك ؛ ثم إن المصالحة بمنطق التبادلية والتكافؤ بالنسبة لفتح وللسيد عباس مرفوضة لأنها إن حملت مطمعا بمد النفوذ لغزة فهي مشوبة بثلاثة أخواف ؛ هي: خوف أن تفضي المصالحة لإنفاذ يد حماس في الضفة بما يؤول لاحقا لسيطرتها عليها كما سيطرت على غزة وبما يعطي الاحتلال مسوغ الاجتياحات وأن يحول ذلك العناوين السياسية إلى عناوين مقاومة وثورة وسلاح ومواجهات هي لم تتحضر لها ولم تعد تستطيع المنافسة فيها، وخوف أن تنطلق الانتفاضة الثالثة حتى لو اكتفت حماس بالعمل في الضفة ضمن حراك سلمي تظاهري متفق عليه.. أما الخوف الثالث فهو متعلق بنفوذ " دحلان " وأنصاره في غزة وهو ما ينغص المكسب الوحيد لعباس والسلطة إن عادت إليها..
فإذا كان الخوف أشد تأثيرا وأكثر أسرا لصاحبه من الطمع إذا وضعا في الميزان ؛ فكيف بخوفين مقابل طمع واحد، وكيف إذا كان هذا الطمع مشوبا بخوف ثالث؟!
ومع ذلك فإن على السيد عباس ألا يظل مستسلما لخوفه الشخصي وحساباته الذاتية والحزبية والآنية، فثمة أخواف وتحديات أخرى لا يستطيع أن يتجاهلها إلى الأبد ؛ فاستمرار الانقسام ومفاعيله خوف وتحد، وتعطل عملية التسوية وفقدان المشروع الأساس للسلطة خوف وتحد، وما سيترتب على خطوته باتجاه الأمم المتحدة من تحديات العدو وتأزيماته خوف وتحد، واستمرار التهويد وتصاعد اعتداءات المستوطنين خوف وتحد، وما تقوم به أجهزة أمن السلطة من توحيد الحال مع الاحتلال وانحيازها لسلام فياض على حساب فتح خوف وتحد، وأجواء الثورات العربية التي يمكن أن تنساح وتنداح في الأراضي الفلسطينية رغما عنه خوف وتحد، ووجود وتمردات محمد دحلان وأنصاره واحتمالية أن يتواصل مع حماس وأن يقدم لها تنازلات قد تقبلها تحت ضغط الرغبة في التصالح - وهو ما بدأت تقوله إشاعات صحافية - هو الآخر خوف وتحد.
آخر القول: يبدو أن الحوار الفلسطيني سيظل يراوح مكانه لأن السلطة لم تحسم موقفها باتجاه المصالحة بعد، ولأن حماس ومهما أوتيت من الرغبة في المصالحة لن تستطيع أن تقيمها وحدها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4254
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3177
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1119
| 28 سبتمبر 2026