رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت قضية فلسطين، وهي أكبر كارثة وعار في تاريخنا المعاصر، باحتلال وزرع دولة غربية في الجسم العربي وتهجير أهلها وحرمانهم من أبسط حقوق الإنسان ومآسي مخيماتهم. قامت الثورات العربية والانقلابات الثورية تحت مسمى فلسطين وتحريرها، وكل هذه الشعارات، وتبين فيما بعد أن هذه الدول أضاعت فلسطين وأهلها وعاملت اللاجئين بأسوأ مما يعاملهم خصومهم، فيشعر الفلسطيني بدول الغرب بالمساواة ويشعر في بلاد إخوانه العرب، وهو يحمل ما يسمى بالوثيقة، بالحرمان من أبسط الحقوق وحرمان من التعليم والحقوق البسيطة لهم ولأبنائهم وأسرهم وكأن المطلوب هو دفعهم للهجرة للغرب لإنهاء قضية اللاجئين وإغلاق ملف العودة، وظلت قضية فلسطين قضية في الجامعة العربية دون الوصول للحل ودخلت الدول العربية الثورية حروبا أضاعت بقية فلسطين بما فيها القدس أعز مكان وأقدس قبلة للمسلمين وأصبحت في خطر، وكان الشارع العربي يتعاطف ويضغط لذلك، أما اليوم فلأسف فقد نسي الجميع ذلك ولم يعد المجتمع والشارع العربي يهتم بذلك، لأن الشارع العربي اليوم مشغول بالصراع الليبرالي الإسلامي والسني الشيعي وصراع يزيد والحسين ومعاوية وعلي، وصراعات قبل ألف سنة، وربما يأتي يوم تتصارع على نوح وقومه وأهل السفينة وقوم عاد وداحس والغبراء وعنتر وعبلة وجساس وكليب وحرب البسوس وتتقاتل، ذلك فقد ضاعت عقول العرب يا أمة ضحكت منها الأمم. ودفع الفلسطينيون ثمنا غاليا من قمع ودمار من العرب في أيلول الأسود وتل الزعتر ومجزرة قانا وغيرها، ومازال هذا الشعب يتم طي صفحته بخبث شديد. واليوم نرى التهجير في وادي السبع وحرمانهم من المياه وحصار وتهجير وتدمير البيوت مع صمت عربي ودولي وبناء المستوطنات. وإسرائيل اليوم تعمل بقوة متسارعة والشعب الفلسطيني يتيم لا أب له، لأن القادة الفلسطينيين مشغولون بالصراعات بين السلطة والأحزاب المختلفة والتوجهات، وتخبط بين الجهاد وحماس من جهة والسلطة. وكذلك التيارات اليسارية والانقسامات والقيادات للأسف. وقد بذلت المملكة العربية السعودية جهاداً كبيرا في مسعى مبارك للمصالحة الفلسطينية وهي مشـكورة جـداً ودليل على حرصها على شعب فلسطين منذ عهد الملك عبد العزيز. وقد تحدثت الوثائق الأمريكية عن قوة طرح المسؤولين بالمملكة حول ممارسات إسرائيل والدفاع عن قضية فلسطين ودعم غير محدود للشعب الفلسطيني.
وكانت دول دخلت على هذا الخط بدون الوصول إلى نتائج نتيجة عدم إدراك القيادات الفلسطينية للأبعاد، وسعت إيران لضرب كل تقارب فلسطيني وكذلك دول كسوريا وليبيا وغيرهما والدول الغربية من جهتها ضغطت بكل قوة ... دولة كيري الغامضة التي لا تحمل ورقة قوية، وإسرائيل تتكلم من مركز قوي مستندة إلى ثلاث نقاط، أولاً قوة لوبيها وعناصرها في القرار الأمريكي والغربي، والنقطة الثانية التمزق العربي وانشغال العرب بمشاكل طائفية وعرقية وصراع سلطة وعداوتهم لبعض أكثر من إسرائيل وكذلك خلاف الفلسطينيين وعدم امتلاك قرارهم بأيديهم وهم جزء من الصراع العربي، والنقطة الثالثة قوة التماسك الإسرائيلي بالهوية وضياع الهوية العربية والانتماء والنظر الإسرائيلي للمستقبل وعودة العرب للماضي وليس للماضي المشرق الأفضل للأسف.
واليوم ونحن نرى إعراض الدول وعزوف شباب العصر الحديث عن قضية فلسطين حتى نرى أن مصر الدولة القوية دخلت في صراع مع غزة ولم تعد راعي مصالحة كما كانت أيام مبارك وعمر سليمان. والهدف من ذلك هو قبول حماس وغيرها من قوى المقاومة بالصلح مع إسرائيل وتقديم التنازلات والقبول بالشرط الإسرائيلي أو التنازل عن حق الدولة وتغليب طرف على طرف والدفع بهم إلى التطرف وانتهاء دور مصر في هذا الملف وإنهاء دورها القوي والعربي وانحيازها لعناصر فلسطينية لا تريد المصالحة.
وليس أمام الفلسطينيين سوى المصالحة لصالح الشعب الفلسطيني، فعلى السلطة أن تتحمل المسؤولية كقيادة وتمتاز بالمرونة وفتح صفحة مشرقة من العفو والتسامح وأن قوتها بالوحدة الوطنية. وعلى حماس أن تدرك أن إيران هي عدو للشعب الفلسطيني وأن هدفها تمزيق الشعب الفلسطيني وتتذكر ما صنعه هؤلاء في تل الزعتر وغيره وما تعمله بسوريا والعراق، وأن تصلح وترمم علاقاتها العربية، فلا خيار لها غير ذلك. وعلى دول مجلس التعاون ألا تيأس من المصالحة، فهي لا تحل بجلسة ولقاء واحد، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية التي هي الراعية للمصالحة الفلسطينية أن تدعو إلى لقاء آخر وبمشاركة عربية وإسلامية برعايتها وتضغط للمصالحة وآلية لذلك وتتم مناقشة كافة الجوانب بما فيها أوضاع اللاجئين والقدس وأن التاريخ سيسجل لها هذه الصفحة المشرقة، فهي الأمل بعد الله، للأمة المسلمة وسيكتب الله ذلك في ميزان أعمالها، ولا يستطيع أن ينكر أحد مواقفها الصادقة لهذه القضية ودعمها ودعم أشقائها في دول مجلس التعاون الذين يجب أن ينسقوا معها وألا يسمحوا لأحد غريب وطرف له أجندة شيطانية، ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب والدمار لشعب فلسطين، أن يتدخل بقضايانا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
9633
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2631
| 16 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
2400
| 22 أكتوبر 2026