رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شعور الهزيمة غير مريح، وطعمه غير مستساغ، وما من أحد أصابته هزيمة أو خسارة ما في جولة من جولات حياته، أو منافسة من منافساته مع الآخرين، إلا وشعر بمرارتها بدرجة و أخرى، وربما زادته تلك المرارة ألماً وحزناً بحكم الفطرة البشرية، وربما أيضاً تبعتها كآبة وشعور بالإحباط لحين من الدهر قد يطول أو يقصر بحسب قوة صبر وتحمل الشخص، وفهمه لطبيعة الأمور وحقائق الحياة.
لكن بشكل عام لا أحد منا -بحكم فطرته البشرية- يحب الهزيمة في أي منافسة حياتية، أكانت في المؤسسات التعليمية مثلاً أم مؤسسات وبيئات العمل، أم غيرها من مجالات التنافس في المجتمع.. كما أنه لا أحد يهزم نفسه بنفسه أو يسعى للهزيمة، أو هكذا نفترض أن يكون أحدنا، لأن السعي للهزيمة خلاف للفطرة، لأن الأصل أن تنافس بقوة وشرف، وتبذل أقصى ما لديك لتنتصر وتنجز، وتحقق أهدافك وتنجح، وهذا أمر له ثقافته وفلسفته.
الهزيمة أو الخسارة لا تقع هكذا صدفة، إذ لا صدفة في هذه الحياة، وإنما كل شيء بقدر. الهزيمة هي نتيجة عمل ما، سواء بما كسبت يد المهزوم، أو بفعل فاعلٍ، رسم وخطط لتلك الهزيمة بشكل وآخر. وحديثي اليوم أساساً حول الهزيمة التي يكون سببها الشخص نفسه، أو بما كسبت يداه، وليس بسبب آخرين.
إذاً، الهزيمة لا تقع إلا حين تخالف القوانين الحياتية. هزيمتك في منافسة رياضية على سبيل المثال، إنما بسبب ارتكابك أخطاء معينة أثناء المنافسة، أو لأنك قبل المنافسة لم تعمل وفق قواعد الإعداد الجيد الصارم الحازم أثناء التدريب، فتكون النتيجة هزيمة مؤكدة في الميدان. هكذا وبكل بساطة، دون كثير شروحات وتفصيلات.
الإخفاق في إنجاز مهمة ما يطلبها مسؤولك في العمل، يمكن اعتباره هزيمة إدارية، وغالباً تكون عواقبها غير حميدة بالنسبة لك. هذا الإخفاق على الأرجح تكون أنت السبب في وقوعه، وربما بنسبة ضئيلة يشارك آخرون فيه. لكن بشكل عام، لا يلام أحد هاهنا غيرك. فلقد كان من المفترض منذ استلام المهمة، أن تكون على اطلاع ووعي تام بالأمور وكيف ستجري، مع وضوح رؤية لاحتمالات وسيناريوهات النجاح أو الهزيمة، ومن ثم التركيز على كيفية العمل على تجنب وقوع الهزيمة.
خير الخطائين التوابون
أن تخطئ وأنت تعمل عملاً بذلت جهدك في اتخاذ الأسباب للنجاح، لن يعاتبك أحد ولن يقع كثير لوم عليك. لكن إن حصل تقصير واضح أو متعمد، ثم أخفقت نهاية الأمر، فليس مستغرباً وقوع الكثير من الملامات عليك والانتقادات، فهكذا المنطق يقول.
لكن الحقيقة التي لا نختلف عليها، أنه لا يوجد من يعمل دون أن يخطئ، إلا إن كان هذا من جنس الملائكة الكرام. فنحن البشر، الأصل أن نعمل وفق خطة أو رؤية واضحة ونجتهد في العمل، ونتيجة هذا الاجتهاد قد نخطئ أو نصيب في النهاية، وقلما يسلم امـرؤ من الوقوع في الخطأ. ولأننا بشر تتحكم بنا المشاعر والأحاسيس، وتتقلب أو تتبدل الأهواء والأمزجة ما بين ليلة وضحاها، أو ظرف ما وأخته، ولأننا نعيش في مجتمع بشري يعمل فيه كل فرد بصورة وأخرى، فلنتوقع الوقوع في الأخطاء أثناء أداء الأعمال والمهمات، ولن يكون هذا عيباً، لأن العيب في هذا الموضوع، ألا تعمل وفق رؤية واضحة وخطة محكمة. والعيب أيضاً أن تقع في الخطأ نفسه مرة أخرى وثالثة وألف.. والعيب ألا تستفيد من أخطاء الماضي. والعيب ألا تستخير أو تستشير أهل الخبرة والاختصاص.. وبالتالي، بعد كل ذلك، يقع الإخفاق وتقع الهزيمة تلو الأخرى.
إذاً، الأخطاء واردة من الإنسان، ولا أحد معصوم منها. الأنبياء الكرام وقعوا في أخطاء من تلك التي لم يكن للوحي دور فيها، لماذا ؟ لأنهم بشر كغيرهم. كانت لهم اجتهاداتهم، ولكن كما علمنا رسولنا الكريم –صلى الله عليه وسلم– أن: "كل بني آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون". ومع ذلك، لا يعني هذا أن يقحم الإنسان نفسه في الأخطاء، مبرراً لنفسه أننا كلنا نخطئ، وسنتوب من ذلك.
لا، الأمر ليس بهذا المفهوم، وإنما الأصل أن تعمل جهدك ألا تقع في الأخطاء، لكن إن وقع خطأ بعد بذل كل جهد وكل سبب، ووقع إخفاق أو حلت بك هزيمة، فإنك حينها تتوقف لتدارك الأمر، وبحث الأسباب، والعمل على ألا تعود إلى المسلك ذاته تارة أخرى، وهكذا.
الناس أصناف أمام الهزيمة
الناس أمام الهزيمة أو الإخفاق أنواع وأصناف. نوع أولٌ يكون على درجة عالية من الوعي والفهم، بحيث يقدر على استيعاب أمر الهزيمة أو الخسارة، ويعتبر أن ما حدث هو أمر طبيعي، وأن الصراع أو المنافسة في مواقف الحياة المتنوعة، غالباً تكون نتائجها نصر أو خسارة، وأنه مثلما تخسر جولة، فإنك ستكسب أخرى وثالثة ورابعة وهكذا.. إذ المهم في مسألة الهزيمة أو الخسارة، أن يتقبلها المرء بروح رياضية راقية، يتعظ من خسارته، ويستفيد الدروس والعبر لجولات تالية ربما تأتي في قادم الأيام.
لكن هناك من تكون درجة الوعي عنده دون المستوى أمام المسألة، فيدفعه هذا التدني في الوعي والإلمام بفلسفة الخسارة أو الهزيمة، إلى الخصام وربما الفجور في الخصومة، وخصوصاً إن شعر ورأى الهزيمة أو الخسارة في الطريق قادمة إليه لا محالة. هو لا يريد الاعتراف بالهزيمة وأنه السبب، بل تراه يبحث بكل الطرق عن طريقة يلصق هزيمته بآخرين. فتجده لا روح كبيرة يتمتع بها، تدعوه إلى الصبر وتقبل الأمر ومراجعة أسباب الخسارة أو الهزيمة، ولا أخلاق فرسان رفيعة نبيلة، تدعوه إلى الترفع عن الصغائر بسبب تلك الخسارة.
نوع ثالث من البشر أمام الهزائم، ربما هو الأسوأ، حيث لا يتقبل الهزيمة مطلقاً، حتى وإن كانت حقاً وصدقاً نتيجة ما كسبت يداه. فهو لا يكتفي بعدم القبول فحسب، بل ربما أخذته العزة بالإثم، وربما كذلك ساندته بطانة أسوأ منه، تريه الحقائق عكس ما هي، فتخفيها عنه وتدعوه إلى السير على غير ذات هدى وبصيرة، فيصير كالناقة العشواء، يتخبط يمنة ويسرة.
التعامل مع الهزيمة ثقافة
ما يهمنا في هذا السياق هم الذين يمرون باختبارات الحياة المختلفة، والذين يتعرضون فيها لمتاعب جمة وآلام مبرحة، حتى ترى أحدهم وقد انتكس واستسلم للنتيجة أو الواقع دونما قليل من التفكر وإعادة النظر، للبدء من جديد..
لا أحد منا يرغب أن يكون مهزوماً في موقف أو صراع ما أو منافسة معينة. لكن لا تُقاس الأمور بالرغبات والأهواء، فالحياة لا تسير هكذا اعتباطاً بحسب أهواء وأمزجة بعضنا، بل هي قوانين ومعادلات وسنن دقيقة. وحين تخسر اليوم جولة، فتأكد أنك ستكسب أخرى غداً أو بعد غد. خسارتك أو هزيمتك، إنما هي نتيجة، ولا تعني سوى أن خطأً ما ارتكبته في مرحلة معينة، وبحاجة لتعديل وتصحيح، كي تعاود إكمال مسيرتك.
هكذا هي الحياة بكل وضوح. نجاحات وإخفاقات، انتصارات وابتلاءات. والحكيم من فكّر وقدّر ثم اعتبر، وقد وضع نصب عينيه حقيقة حياتية ثابتة، مفادها أن دوام الحال من المحال. وفهم تلك الحقيقة، جزء لا يتجزأ من ثقافة التعامل مع الهزيمة، والتي لابد أن نعيها في حياتنا، إذ بها نُريح ونستريح.
ختام ما يمكن قوله في هذا الصدد، أن ما نتعرض له من مواقف وانتكاسات وخسائر وهزائم، يجب ألا توقفنا وتؤخرنا عن مسيرة الحياة، لأن الخاسر الأكبر في تلك الحالة هو من يتقبل الهزيمة ويخضع ويركع لها، ومن يركع لغير الله فقد ذل وخاب وخسر.
مَنْ يسقط حقّ الجار كيف يعيش في سلام؟!
حقّ الجار ركيزة اجتماعيّة أساسيّة من أجل التّعايش وتحقيق الأمن والسّلام والاستقرار لجميع الشّعوب، ومن غفل عن هذا... اقرأ المزيد
270
| 01 مايو 2026
ضريبة المشروباتِ المحلاة
في زمنٍ تتسارعُ فيه الإيقاعات، وتتنافسُ فيه المغرياتُ على اجتذابِ الإنسان، لم تعد التشريعاتُ الرشيدةُ مجرّدَ أدواتٍ تنظيمية،... اقرأ المزيد
159
| 01 مايو 2026
كن ذهباً حيث يدركون قيمتك
هل توقفت يوماً لتسأل نفسك: هل قيمتي الحقيقية تنبع مما أنا عليه، أم من المكان الذي اخترتُ أن... اقرأ المزيد
54
| 01 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3732
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1143
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
762
| 27 أبريل 2026