رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن إيران تمثل خطرا لا يستهان به. ولا شك أيضا أن الكيان الصهيوني بكل أذرعه الإرهابية لا يقل خطرًا عن إيران. وهو خطر انعكس في تصريحات أبواق صهيونية مثل المدعو إدي كوهين الذي تطاول على دول خليجية (قطر والسعودية) حتى قبل أن تضع الحرب أوزارها. هذا وضع يجعل الخليج بين نارين ويفرض عليه اتخاذ حسابات دقيقة إزاء حرب لا يبدو أن لنا أصدقاء حقيقيين فيها.
في الحروب الكبرى قد لا تكون المشكلة دائماً في وجود الأعداء ولكن في اختيار الحلفاء. والمشكلة الأكبر أن تجد نفسك بين خصمين كلاهما خطر عليك. هذا بالضبط هو المأزق الذي تواجهه دول الخليج اليوم في الحرب بين أمريكا- إسرائيل، وإيران. فهذه الحرب، رغم أنها تبدو للوهلة الأولى مواجهة ثنائية، إلا أنها في الحقيقة صراع متعدد الطبقات، تتداخل فيه حسابات قوى كبرى مثل روسيا والصين، وتجد فيه دول الخليج نفسها في موقع الجغرافيا الخطرة والسياسة الدقيقة. والمفارقة أن هذه الحرب، رغم أنها لا تُخاض، رسميا، باسم الخليج، تدور عملياً على أرضه ومياهه وممراته الحيوية.
فموقع الخليج يجعله جغرافيًا منطقة لا تستطيع الوقوف على الحياد. نظريًا، تحاول دول الخليج تبني موقف الحذر وضبط النفس، عبر الدعوة لخفض التصعيد وعدم تحويل المنطقة لساحة حرب. لكن الواقع الجيوسياسي يجعل الحياد الكامل شبه مستحيل. لقد حاولت دول الخليج طويلا أن تحافظ على علاقات طيبة مع كلا الطرفين وفق قواعد حسن الجوار وشروط العلاقات الدولية المعتبرة. ورغم ذلك تجد دول الخليج أنها الأكثر عرضة لارتدادات الحرب رغم أنها ليست طرفاً فيها، وسط معادلة بالغة التعقيد ليس فيها صديق واضح صريح ولا عدو واضح صريح.
فالولايات المتحدة مثلا، رغم كونها الحليف الأمني التقليدي لدول الخليج، تبقى قوة عظمى تتحرك وفق مصالحها الإستراتيجية، وليس وفق حسابات الأمن الإقليمي فقط. وقد أثبتت التجارب السابقة أن واشنطن قد تدفع نحو تصعيد عسكري دون أن تهتم بكلفته ونتائجه الفعلية على دول المنطقة. في المقابل، تمثل إيران تهديداً مباشراً للأمن الخليجي بسبب تاريخ طويل من التوترات الإقليمية، إضافة إلى امتلاكها أدوات ضغط قوية مثل الصواريخ الباليستية ووكلائها الإقليميين، لكنها تدعي أنها لا تستهدف الخليج. هنا تكمن المفارفة والمعضلة الكبرى أمام دول الخليج. فالانحياز الكامل لأي طرف يحمل مخاطر إستراتيجية، بينما الحياد الكامل قد لا يكون خياراً واقعياً، خاصة في ظل وجود أطراف أخرى إقليمية ودولية تتابع وتترقب، بل وربما تشارك بشكل غير مباشر في الحرب.
الصورة تصبح أكثر تعقيداً إذا نظرنا إلى الدور غير المباشر للقوى الكبرى الأخرى، خصوصاً روسيا والصين، ومن خلفهما كوريا الشمالية. وقد أشارت واشنطن بوست، وول ستريت جورنال، ومصادر أخرى، إلى أن روسيا تساعد إيران استخباريا على تحديد مواقع القوات الأمريكية وخاصة البحرية في المنطقة، وأن هناك خبراء صينيين على الأراضي الإيرانية يساعدون في تجريب وإطلاق صواريخ متطورة، وذلك انطلاقا من تقدير إستراتيجي بأن إيران هي خط الدفاع الفعلي عن موسكو وبكين.
هنا نجد أن كلا من موسكو وبكين تعارضان الضربات الأمريكية والإسرائيلية سياسياً، وتدعوان إلى وقف التصعيد علنا، لكنهما في الوقت نفسه تتجنبان الدخول المباشر في الحرب. هذه المواقف لا تعتبر حياداً بقدر ما هي إستراتيجية محسوبة تتمثل في ترك الحرب تستنزف الخصوم الغربيين دون التورط المباشر فيها، مع الحفاظ على علاقات مفتوحة مع مختلف الأطراف. هكذا لا يواجه الخليج فقط معادلة إيران-أمريكا- إسرائيل، بل يواجه لعبة توازنات عالمية أكبر، حيث تتحول المنطقة إلى مسرح لتنافس القوى الكبرى. هذا يهدد بصراع عالمي أو بالأدق إلى حرب عالمية ثالثة، تم التنبؤ بها طويلا. وعندما تتحول منطقة الخليج إلى ساحة حرب، لن تكون المشكلة الأكبر فقط في الأعمال العسكرية. فالحروب الحديثة لم تعد تُخاض بالجيوش فقط، بل عبر الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية. وهذه الثلاثة هي عصب حياة الخليج. وهذا يعني أن على الخليج أن يجري حسابات دقيقة قد لا تحتمل الخطأ بأي قدر كان، لأن أي توسع للحرب قد يحول المنطقة إلى بؤرة دوامة اقتصادية عالمية.
يجب هنا ألا ننسى أن الحرب الحالية ليست مجرد مواجهة بين إيران والولايات المتحدة أو إسرائيل، بل هي جزء من التحولات الكبرى في النظام الدولي الأوسع التي أشرت لها سابقا، وملخصها (نظام دولي آخذ في الأفول ونظام آخر لم يكتمل بعد). فالصين وروسيا وإسرائيل قوى ترغب في أن تأخذ موقعا متقدما أكثر في قيادة العالم في مواجهة القوة المهيمنة المتراجعة أخلاقيا واقتصاديا. وفي قلب هذا الصراع تجد دول الخليج نفسها بين مطرقة المتنافسين وسندان الجغرافيا. فهي جغرافياً في خط النار، وسياسياً بين قوى كبرى لا يمكن الوثوق الكامل بأي منها.
وفي ضوء هذا المشهد المعقد، يجدر بدول الخليج بناء إستراتيجية تشمل محاور أهمها، تجنب الانخراط العسكري المباشر. والحفاظ على التحالف الأمني مع واشنطن دون التحول إلى طرف في الحرب. والإبقاء على قنوات التواصل مع القوى الكبرى الأخرى، خاصة في ضوء تأكيد طهران المتكرر على أنها لا تتعمد استهداف مقدرات الخليج. ولو أن الأمور بالتمني لقلنا ليتنا نترك الأبواب مفتوحة، ونعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الـ 28 من فبراير. عندما كان الخطر الإيراني مكبوحا والخطر الصهيوني مغلولا، قدر الكفاية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
5922
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. ib_1983@hotmail.com
3795
| 09 مارس 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
2514
| 04 مارس 2026