رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. فاطمة سعد النعيمي

* أستاذ التفسير وعلوم القرآن- كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

282

د. فاطمة سعد النعيمي

صنائع المعروف.. وقاية خفية من مصارع السوء

10 أبريل 2026 , 01:27ص

في زحمة الحياة وتقلباتها المفاجئة، يظلّ سؤال الأمان حاضرًا في وجدان الإنسان: ما الذي يقيه من العثرات والمصائر القاسية؟ ومن خلال التأمل في الهدي القرآني، يتبين أن أعظم أسباب الحفظ الإلهي لا تكمن فقط في الاحتياط المادي، بل في رصيدٍ خفيّ من الخير يصنعه الإنسان في حياته، وهو ما تعبّر عنه الحكمة الجارية: صنائع المعروف تقي مصارع السوء.

القرآن الكريم يؤسس لهذا المعنى من خلال ربطه العميق بين العمل الصالح والجزاء الإلهي، فليست الأفعال معزولة عن نتائجها، بل هي ممتدة الأثر في حياة صاحبها. يقول تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60]، وهي قاعدة قرآنية كبرى تشير إلى أن كل معروف يقدّمه الإنسان إنما يعود عليه، في صورة لطفٍ إلهي أو دفع بلاء أو تيسيرٍ في موطن عسر.

ومن يتأمل قصص القرآن يدرك أن النجاة كثيرًا ما تكون ثمرة أعمال سابقة. فالإحسان الذي عاش به يوسف عليه السلام لم يكن مجرد خلق، بل كان سببًا في تحولات مصيرية في حياته، من ضيق السجن إلى سعة التمكين. وفي المقابل، يبيّن القرآن أن غياب المعروف والبخل قد يكونان سببًا في زوال النعم، كما في قصة أصحاب الجنة، حيث أدى منع الخير إلى الحرمان.

كما يربط القرآن بين التقوى والعمل الصالح وبين الحفظ والرعاية، في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2]، وهذا المخرج لا يكون دائمًا ظاهر الأسباب، بل قد يأتي في صورة نجاة غير متوقعة، أو صرفٍ لشرّ لم يشعر به الإنسان أصلًا. ومن أعظم صور التقوى العملية: الإحسان إلى الناس، والسعي في قضاء حوائجهم، وبذل الخير دون انتظار مقابل.

إن صنائع المعروف ليست مجرد سلوك أخلاقي، بل هي استثمار وجودي يمدّ الإنسان بأسباب الحفظ في أوقات لا تنفع فيها الحسابات المادية وحدها. فكم من إنسانٍ دُفِع عنه البلاء بسبب كلمة طيبة، أو يدٍ امتدت بالعون، أو موقفٍ صادقٍ خفّف به عن غيره.

وفي زمنٍ تتزايد فيه المخاوف والاحتمالات، يقدّم القرآن رؤية مطمئنة: أن الخير لا يضيع، وأن ما يزرعه الإنسان في الخفاء قد يكون درعًا له في مواجهة المجهول. لذلك، فإن أصدق ما يملكه الإنسان لنفسه هو رصيد المعروف؛ لأنه، بإذن الله، يتحول عند الحاجة إلى نجاة.

مساحة إعلانية