رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سبق المفردون.. سباق لا يراه الناس وتعرفه السماء

ليست كل السباقات تُرى، ولا كل الانتصارات يصفق لها الناس. هناك سباق هادئ لا ضجيج فيه، ميدانه القلب، وخطواته كلمات يسيرة على اللسان عظيمة في الميزان. وحين قال النبي ﷺ: «سبق المفردون»، سأل الصحابة: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا، والذاكرات». تأملوا معنى «سبقوا»؛ كلمة تختصر منزلة رفيعة، وتعيد تعريف السبق في حياتنا. ففي الوقت الذي ينشغل فيه الإنسان بما حقق وجمع وبلغ، يلفت الحديث أنظارنا إلى سبق آخر، قد يبلغه إنسان لا يعرفه الناس، لكنه عرف طريقه إلى الله. وقد قال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]. وعدٌ يفتح أبواب الأمل؛ فذكر الله عبادة لا ترتبط بعمر أو مكان أو قدرة مادية، وإنما بقلب حاضر ولسان ذاكر. والذكر ليس مجرد كلمات تتكرر، بل أثر يظهر في حياة الإنسان. فمن يستحضر الله في يومه، يذكره عند النعمة فيحمد، وعند الخطأ فيستغفر، وعند الشدة فيستعين، وعند الحيرة فيستخير. وإذا غضب تذكّر، وإذا قدر عفا، وإذا أحسن لم يغتر بإحسانه. ولعل حاجتنا إلى الذكر اليوم أشد مما نظن. حياتنا ممتلئة بالأصوات والأخبار والرسائل والمواعيد، حتى أصبح الصمت نادرًا، وأصبح القلب يحمل من الضجيج أكثر مما يحتمل. وبين كل هذا يأتي قوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]، ليعيد الإنسان إلى مصدر السكينة الحقيقي. ولا يحتاج الذكر إلى أن نغادر مسؤولياتنا أو ننعزل عن الحياة. نستطيع أن نستغفر ونحن في الطريق، ونسبّح بين أعمالنا، ونحمد الله على نعمة صغيرة ربما اعتدنا وجودها حتى نسينا قيمتها. دقائق متناثرة في يومنا، لكنها حين تُملأ بذكر الله قد تصنع في القلب ما لا تصنعه ساعات من الانشغال. ويبقى السؤال الذي يستحق أن نحمله معنا: إذا كان «المفردون» قد سبقوا، فكم في يومنا من ذكر يجعلنا نسير في طريقهم؟ فالسبق الحقيقي ليس دائمًا أن تكون أمام الناس، بل أن تكون أقرب إلى الله.

252

| 11 سبتمبر 2026

كن عوناً.. يكن الله في عونك

قد لا نعرف ما يخفيه الآخرون خلف ابتساماتهم، ولا حجم الهموم التي يحملونها بصمت. وربما لا يحتاج الإنسان في لحظة ضعفه إلى الكثير؛ كلمة تواسيه، أو يد تمتد إليه، أو موقف يشعره بأنه ليس وحيداً. وفي هذه التفاصيل البسيطة تتجلى أسمى معاني الرحمة والتكافل التي يدعونا إليها ديننا الحنيف. قال رسول الله ﷺ: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، رواه مسلم. كلمات قليلة تحمل معنى عظيماً؛ فهي تضع أمام الإنسان قاعدة للحياة: كلما كنت عوناً لغيرك، كنت أقرب إلى عون الله. فمن يسعى في حاجة محتاج، ويفرّج كربة مكروب، ويقف إلى جانب من ضاقت به السبل، فإنه لا يصنع معروفاً للآخرين فحسب، بل يزرع لنفسه أبواباً من الخير. وفي ضوء القرآن الكريم نجد أن التعاون والتكافل من القيم التي يقوم عليها المجتمع، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]. فالإنسان لا يعيش لنفسه وحدها، وإنما يعيش بين الناس، يؤثر فيهم ويتأثر بهم، ويشاركهم أفراحهم وهمومهم. والعون لا يكون بالمال وحده؛ فقد يكون كلمة طيبة، أو نصيحة صادقة، أو علماً نافعاً، أو وقتاً نبذله، أو إنصاتاً لإنسان أثقلته همومه. وقد أرشدنا القرآن إلى أثر الكلمة الحسنة بقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]. ويرتقي القرآن بمعنى العطاء إلى مرتبة أسمى، وهي الإيثار، فيقول سبحانه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]. فالإيثار يعلمنا أن الخير الحقيقي لا يقاس بكثرة ما نملك، بل بصدق ما نقدمه، وبقدرتنا على الشعور بحاجة الآخرين. وكم من كلمة أعادت الأمل إلى قلب، وكم من موقف صادق خفف ألماً، وكم من مساعدة بدت صغيرة في أعيننا لكنها صنعت فرقاً كبيراً في حياة إنسان. إننا لا نعرف متى تتبدل الأحوال، ولا متى نصبح نحن في حاجة إلى من يقف معنا. لذلك، لا ينبغي أن نستصغر معروفاً أو نؤجل خيراً نستطيع فعله اليوم. فكن عوناً لمن حولك، واسعَ في حاجات الناس ما استطعت؛ فما أجمل أن يعيش الإنسان وهو يعلم أن خيراً قدّمه لعباد الله أصبح سبباً في عون الله له. وصدق رسول الله ﷺ: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».

156

| 04 سبتمبر 2026

طريق يبدأ بالعلم.. وينتهي إلى الجنة

في زمنٍ تتسارع فيه المعرفة، وتتعدد فيه مصادر المعلومات، يبقى السؤال الأهم: أيُّ علمٍ يقود الإنسان إلى الخير، ويصنع منه إنسانًا أنفع لنفسه ومجتمعه؟ لقد جعل الإسلام للعلم منزلة رفيعة، وربط بين طلبه وبين أسمى غاية يتطلع إليها المؤمن؛ وهي رضا الله والفوز بالجنة. يقول رسول الله ﷺ: «مَن سَلَكَ طريقًا يَلْتَمِسُ فيه عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ له به طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ»، وهو حديث صحيح رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. هذه الكلمات النبوية الموجزة تفتح أمامنا معنى عظيمًا: فطريق العلم ليس مجرد انتقال إلى مدرسة أو جامعة، ولا هو جمع للشهادات والمعلومات فحسب، بل رحلة لبناء العقل والروح والإنسان. وكل خطوة صادقة نحو معرفة الحق، وفهم كتاب الله، وتعلّم ما ينفع الناس، يمكن أن تتحول بالنية الصالحة إلى عبادة وقربة. ويؤكد القرآن الكريم قيمة العلم ومكانته، فقد كان من الدعاء الذي أمر الله به نبيه ﷺ: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]. إنها آية بالغة الدلالة؛ فالإنسان مهما بلغ من المعرفة يظل محتاجًا إلى المزيد، والعلم الحقيقي يورث صاحبه تواضعًا، لا غرورًا، ويجعله أكثر إدراكًا لعظمة الخالق ومسؤوليته تجاه خلقه. ولم يكتف القرآن بالحث على العلم، بل بيّن منزلة أهله فقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]. فالرفعة هنا ترتبط بالإيمان والعلم؛ لأن المعرفة حين تقترن بالقيم تتحول إلى نور يهدي السلوك، وإلى قوة تُسهم في إعمار الأرض وخدمة الإنسان. ولا ينبغي أن يبقى العلم حبيس الكتب والقاعات، بل تظهر قيمته في أثره. فالطبيب بعلمه يحفظ حياة، والمعلم يبني جيلًا، والمهندس يعمر الأرض، والباحث يكشف آفاقًا جديدة، والعالم بالشريعة يبصّر الناس بدينهم. وحين تصحب هذه العلوم نية خالصة وأمانة أخلاقية، يصبح طلب العلم رسالة تتجاوز النجاح الشخصي إلى نفع المجتمع. إن حديث «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا» دعوة متجددة إلى كل طالب وطالبة، وإلى كل إنسان يظن أن زمن التعلم قد انتهى. فالعلم في الإسلام رحلة عمر، وكل معرفة نافعة قد تكون خطوة نحو الإصلاح، وكل خطوة مخلصة في طريق العلم قد تقرّب صاحبها من الله. فما أجمل طريقًا يبدأ بسؤال، ويضيئه العلم، ويثمر عملًا نافعًا، وتكون الجنة غايته.

177

| 28 أغسطس 2026

ابدأ بنفسك... حين يصنع القرآن التغيير من الداخل

في عالمٍ يكثر فيه الحديث عن أخطاء الآخرين، ويعلو فيه صوت النقد واللوم، قد ننسى السؤال الأقرب والأكثر تأثيرًا: ماذا عن أنفسنا؟ فالقرآن الكريم يضع الإنسان أمام مسؤوليته، ويعلّمه أن طريق الإصلاح الكبير يبدأ بخطوة تبدو صغيرة، لكنها عميقة الأثر: أن يبدأ المرء بإصلاح نفسه. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. إنها قاعدة قرآنية تتجاوز حدود الفرد إلى المجتمع كله؛ فالتغيير لا يتحقق بالأمنيات، ولا بمجرد مطالبة الآخرين بأن يكونوا أفضل، وإنما يبدأ حين يراجع الإنسان أفكاره وسلوكه وضميره، ويملك الشجاعة للاعتراف بما يحتاج إلى إصلاح. والقرآن لا يقدم النفس البشرية بوصفها معصومة من الخطأ، بل يكشف مواطن ضعفها حتى يستطيع الإنسان تهذيبها. يقول تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53]. ولهذا تصبح مراقبة النفس ومحاسبتها ضرورة؛ فكم من إنسان يرى تقصير الآخرين بوضوح، بينما يصعب عليه أن يرى التقصير نفسه حين يصدر منه! غير أن محاسبة النفس ليست دعوة إلى جلد الذات أو اليأس، بل هي طريق إلى تهذيبها والارتقاء بها. يقول سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]. وتزكية النفس تعني تربيتها على الصدق والرحمة والتواضع والصبر، وتخليصها قدر المستطاع من الكبر والحسد والأنانية والظلم. والأجمل أن أثر هذا الإصلاح لا يبقى حبيس القلب؛ فالإنسان الذي يصلح نفسه يصبح أعدل في بيته، وأصدق في عمله، وأرحم في خلافه، وأكثر احترامًا لحقوق الناس. وهكذا تنتقل التزكية من الفرد إلى الأسرة، ومن الأسرة إلى المجتمع. ويأتي السؤال القرآني حاسمًا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 44]. إنه تنبيه لكل من يطالب بالإصلاح: لا تجعل عينيك مفتوحتين على عيوب العالم، ومغمضتين عن عيوبك. إننا لا نستطيع تغيير كل ما حولنا، لكننا نستطيع أن نبدأ بأنفسنا. وربما يكون هذا هو الإصلاح الأصعب، لكنه الأكثر صدقًا واستدامة؛ فحين يتغير الإنسان من الداخل، تبدأ ملامح عالم أفضل في الظهور من حوله.

276

| 20 أغسطس 2026

الموت.. حقيقة تُلهم الحياة وتوقظ الضمير

يظل الموت الحقيقة الوحيدة التي يتفق عليها جميع البشر، مهما اختلفت أعمارهم أو أماكنهم أو ظروفهم. فهو نهاية رحلة الإنسان في الدنيا، وبداية مرحلة جديدة من الحياة التي أخبر الله تعالى عنها في كتابه الكريم. ومن هذا المنطلق، تناول القرآن الكريم قضية الموت بأسلوب يبعث على التأمل، ويغرس في النفس الإيمان، ويحث الإنسان على اغتنام عمره فيما ينفعه. لا ينظر القرآن إلى الموت على أنه نهاية الوجود، بل يعدّه انتقالًا من دار العمل إلى دار الجزاء، حيث يلقى كل إنسان نتيجة ما قدمه في حياته. يقول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]، وهي آية تؤكد أن الموت سنة إلهية تشمل جميع الخلق، فلا ينجو منه أحد مهما بلغت قوته أو مكانته. ويبين القرآن أن الموت لا يرتبط بمكان أو زمان يختاره الإنسان، وإنما يقع في الوقت الذي قدّره الله سبحانه وتعالى، قال عز وجل: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78]. وتدعو هذه الآية إلى اليقين بأن الأعمار بيد الله، وأن الإنسان لا يملك سوى أن يحسن استثمار أيامه فيما يرضي ربه. كما يوضح القرآن أن الحكمة من خلق الموت والحياة هي الابتلاء والاختبار، وليس مجرد العيش أو طول العمر، فقال سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [ الملك: 2]. فالنجاح الحقيقي لا يقاس بما يجمعه الإنسان من مال أو منصب، وإنما بما يقدمه من أعمال صالحة وأخلاق حسنة وإحسان إلى الناس. ومن خلال هذا المنهج القرآني، يصبح ذكر الموت دافعًا لمراجعة النفس، والإقبال على التوبة، ورد الحقوق إلى أصحابها، وصلة الأرحام، والحرص على كل عمل يترك أثرًا طيبًا بعد الرحيل. فالإنسان لا يعلم متى ينتهي أجله، ولذلك يدعوه القرآن إلى أن يكون مستعدًا دائمًا للقاء الله، بقلب مؤمن وعمل صالح. إن التأمل في آيات القرآن يمنح الإنسان طمأنينة، لأنه يدرك أن الموت ليس نهاية المطاف، بل بداية حياة أخرى يتحقق فيها العدل الإلهي، ويجازى كل إنسان بما قدمت يداه. ولهذا كان المؤمن يعيش بين الأمل في رحمة الله، والخوف من التقصير، فيسعى إلى أن يجعل كل يوم من حياته خطوة تقربه من ربه. وفي الختام، يبقى الموت الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، واليقين الذي يدعو كل إنسان إلى مراجعة نفسه قبل أن يحين موعد الرحيل. نسأل الله أن يجعل الموت راحةً للمؤمنين، وأن يختم لنا بالحسنى، وأن يرزقنا قلوبًا يقظة تستعد للقائه بالأعمال الصالحة، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا جاه، وإنما ينفع القلب السليم والإيمان الصادق.

294

| 13 أغسطس 2026

البيت الذي يخشاه الشيطان

كم ننفق على بيوتنا لتكون أكثر راحة وجمالًا! نختار أفضل الأثاث، وأحدث الأجهزة، وأجمل التصاميم، لكننا قد نغفل عن أهم ما يمنح البيت أمنه الحقيقي. فالبيت لا تُقاس قيمته بما يضم من متاع، وإنما بما يعمره من ذكر الله ووحيه. ومن هنا جاءت الوصية النبوية العظيمة: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة». ولعل أول ما يلفت الانتباه في الحديث تشبيه البيت الخالي من القرآن بالمقبرة. فالمقابر أماكن انقطع فيها العمل، وسكن فيها الصمت، أما البيت الذي يخلو من تلاوة القرآن وذكر الرحمن، فإنه يفقد روحه وإن امتلأ بالحركة والضجيج. إن الحياة التي يتحدث عنها القرآن ليست مجرد نبض القلب، وإنما حياة الإيمان، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: 122]. إنها حياةٌ يصنعها الوحي، ويغذيها القرآن، ويثمرها العمل الصالح. وسورة البقرة ليست مجرد سورة طويلة يقرؤها المسلم طلبًا للبركة، بل هي إعلان متجدد لسيادة منهج الله في الحياة. ففيها بناء العقيدة، وقصة الاستخلاف، وأخبار الأمم، وأحكام الأسرة، والعبادات، والمعاملات، والإنفاق، والجهاد، والصبر، والدعاء. إنها سورة تصنع الإنسان الذي يعبد الله على بصيرة، ولذلك كان حضورها في البيت إعلانًا بأن هذا المنزل تحكمه قيم الوحي، لا أهواء النفوس. وليس من قبيل المصادفة أن ينفر الشيطان من البيت الذي تتردد فيه آيات سورة البقرة؛ فالشيطان لا يخشى الجدران، ولا الأبواب المحكمة، وإنما يخشى القلوب التي امتلأت بالقرآن، والبيوت التي أصبحت آيات الله فيها منهجًا للحياة، لا أصواتًا عابرة. إن القرآن حين يُتلى بتدبر، ويُعمل به، ويُربَّى الأبناء على هديه، يضيق على الشيطان مسالكه، لأن أعظم سلاح يملكه هو الغفلة، فإذا حضر الذكر انكسر سلطانه. وقد ربط القرآن بين الذكر والسكينة ربطًا وثيقًا، فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. والطمأنينة التي تبدأ في القلب لا تلبث أن تمتد إلى الأسرة كلها؛ فتخف الخصومات، وتزكو الأخلاق، ويغدو البيت بيئةً تحتضن الإيمان قبل أن تحتضن الأجساد. إن الرسالة التي يحملها هذا الحديث أعمق من مجرد الحث على قراءة سورة البقرة؛ إنها دعوة إلى إعادة بناء البيت المسلم على أساس القرآن. فكلما ارتفع صوت القرآن في المنزل، انخفضت أصوات القلق والخوف، وكلما حضرت آيات الله في تفاصيل الحياة، ضاق مجال الشيطان واتسع مجال الرحمة. وحين يعود القرآن إلى بيوتنا، تعود إليها الحياة التي أرادها الله، ويصبح البيت حصنًا للإيمان، ومأوى للسكينة، ومنارةً تُخرِّج جيلاً يعرف أن أعظم زينة للبيت ليست ما يُرى بالعين، وإنما ما يُتلى فيه من كلام رب العالمين.

402

| 07 أغسطس 2026

آيتان خيرٌ من ناقتين!

في عالمٍ تتسابق فيه النفوس إلى جمع المال، ويتفاخر الناس بما يملكون من عقاراتٍ ومقتنياتٍ وثروات، يأتي الإسلام ليعيد ترتيب الموازين، ويعلّم الإنسان أن هناك ثروةً أعظم من كل ما يُقتنى. يقول النبي ﷺ: «فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيقرأ آيتين من كتاب الله خيرٌ له من ناقتين…». وليس المقصود بالمقارنة مجرد بيان مقدار الأجر، بل لفت الأنظار إلى أن ما يمنحه القرآن للإنسان من هداية لا يوازيه أعظم متاع في الدنيا. ولم يكن اختيار الناقتين في الحديث اعتباطًا، فقد كانتا من أنفس أموال العرب وأغلاها قيمة، فكأن النبي ﷺ يخاطب الناس بما يعرفون من أعظم صور الثراء، ليقرر حقيقة خالدة: أن ما يُكتسب من كتاب الله أبقى وأغلى من كل مكسب مادي، لأن المال قد يفنى أو يُسلب، أما هداية القرآن فتبقى أثرًا في القلب، ونورًا في الطريق، وذخرًا يوم يلقى العبد ربه. وهذا هو الميزان الذي يقرره القرآن الكريم، إذ يجعل الحياة الحقيقية حياة القلب بالإيمان، لا كثرة الممتلكات، قال تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: 122]. فالإنسان قد يملك أسباب الرفاه كلها، لكنه يظل مضطربًا إذا خلا قلبه من نور الوحي، بينما يجد المؤمن في آيات الله طمأنينةً لا تُشترى، ويقينًا لا تمنحه خزائن الأرض. ومن اللافت أن الحديث ذكر آيتين فقط، ليؤكد أن الطريق إلى القرآن يبدأ باليسير الذي يداوم عليه صاحبه. فكم من آية أيقظت قلبًا غافلًا، أو غيّرت قرارًا، أو ردعت صاحبها عن معصية، أو فتحت له بابًا من الخير لم يكن يخطر بباله. ولذلك لم يأمر الله بمجرد القراءة، بل دعا إلى التدبر، فقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. فالتدبر هو الذي يحول الآيات من ألفاظٍ تُتلى إلى هدايةٍ تُعاش، ومن معلوماتٍ تُحفظ إلى قيمٍ تُوجّه السلوك. ولعل من أعظم ما نحتاج إليه اليوم، وسط زحام الأعمال وسرعة الحياة، أن نستعيد علاقتنا اليومية بالقرآن، لا على أنه واجب يؤديه المسلم فحسب، بل على أنه مصدر الهداية الذي يعيد ترتيب أولوياته، ويمنحه القدرة على مواجهة الفتن، واتخاذ القرار الصحيح، والثبات على الحق. فالدقائق التي يقضيها الإنسان مع كتاب الله ليست وقتًا يقتطعه من حياته، بل هي التي تمنح حياته معناها الحقيقي. إن الحديث النبوي لا يدعونا إلى المفاضلة بين القرآن ومتاع الدنيا فحسب، بل يدعونا إلى مراجعة ميزان القيم الذي نحيا به. فما قيمة ثروةٍ تنتهي بانتهاء العمر، أمام آيتين تورثان علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، وقلبًا مطمئنًا، وأجرًا لا ينقطع؟ لذلك كان القرآن أعظم هدية من الله لعباده، وكانت كل آية يقرؤها المؤمن ويتدبرها خطوةً جديدة في طريق الهداية، وثروةً لا تنفد مهما تغيرت أحوال الدنيا. عضو هيئة التدريس في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر

303

| 30 يوليو 2026

ويبقى باب السماء مفتوحاً

في زحام الحياة، يظن بعض الناس أن كثرة الذنوب قد أغلقت أمامهم أبواب العودة، وأن ما اقترفوه من أخطاء قد حال بينهم وبين رحمة الله، لكن القرآن الكريم والسنة النبوية يقدمان صورة مختلفة تمامًا؛ صورة ربٍّ رحيمٍ لا يملّ من قبول عباده إذا رجعوا إليه، ولا يغلق باب التوبة ما دام الإنسان حيًّا. ومن أبلغ ما يبعث الأمل في النفوس قول النبي ﷺ: "إنَّ اللهَ تعالى يبسطُ يدَه بالليلِ ليتوبَ مسيءُ النهارِ، ويبسطُ يدَه بالنهارِ ليتوبَ مسيءَ الليلِ". وهذا الحديث يرسم مشهدًا عظيمًا لسعة رحمة الله، وأن فرص العودة إليه تتجدد مع تعاقب الليل والنهار. ويتناغم هذا المعنى مع الخطاب القرآني الذي يفيض بالرجاء، ففي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]، نداء يفتح أبواب الأمل لكل مذنب، مهما بلغت إساءته، ما دام قد صدق في توبته. ويؤكد القرآن أن الله يحب التائبين، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]، فلم يجعل التوبة مجرد وسيلة لمحو الذنب، بل طريقًا لنيل محبة الله. واللافت في الحديث الشريف أن بسط اليد يتكرر في الليل والنهار، وكأن الزمن كله أصبح فرصة للإنابة، فلا يقال لمن أخطأ صباحًا: انتظر موسمًا خاصًا للتوبة، ولا لمن زلَّ ليلًا: فات الأوان. بل إن كل لحظة جديدة تحمل معها دعوة ربانية للرجوع، وهذا ينسجم مع المنهج القرآني الذي يجعل المبادرة إلى التوبة من صفات المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133]. إن أخطر ما يواجه الإنسان ليس الذنب ذاته، وإنما اليأس الذي يمنعه من العودة إلى الله. فالشيطان يفرح بالمعصية مرة، ويفرح بالقنوط مرات؛ لأن اليائس ينقطع عن طريق الإصلاح. أما القرآن فيبني النفس على الرجاء المسؤول، رجاء يدفع إلى ترك الذنب، وإصلاح ما فسد، والإكثار من الأعمال الصالحة، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: 25]. فلنجعل من تعاقب الليل والنهار تذكيرًا دائمًا بأن رحمة الله لا تنقطع، وأن أبواب السماء لا تزال مفتوحة لكل قلب صادق، وأن أعظم الخسارة ليست في الوقوع في الذنب، وإنما في الإصرار عليه وترك باب التوبة الذي فتحه الله لعباده رحمةً وفضلًا. فما دام القلب ينبض، فإن طريق العودة إلى الله لا يزال مفتوحًا، والله سبحانه أكرم من أن يرد عبدًا أقبل عليه نادمًا مستغفرًا. عضو هيئة التدريس في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر

279

| 24 يوليو 2026

لو كان ابن القيم بيننا اليوم.. هل سيغير قائمته؟

عضو هيئة التدريس في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر لو عاد الإمام ابن القيم إلى عصرنا، ورأى الهواتف التي لا تهدأ، والإشعارات التي لا تنقطع، والعلاقات التي تبدأ بضغطة زر وتنتهي بضغطة أخرى، وأسلوب الحياة الذي لا يعرف التوقف، فهل كان سيضيف إلى قائمته مفسدًا سادسًا للقلب؟ قد نتوقع ذلك، لكن المفاجأة أنه على الأرجح لن يغيّر فيها حرفًا واحدًا. قبل سبعة قرون، كتب أن للقلب خمس مفسدات: كثرة الخلطة، والإسراف في الطعام، وكثرة النوم، والتعلق بغير الله، والتمني. وما يبدو لأول وهلة كلماتٍ تنتمي إلى زمنٍ مضى، يكشف عند التأمل أنه تشخيص دقيق لأمراض الإنسان في القرن الحادي والعشرين. والسبب أن ابن القيم لم يكن يقرأ مظاهر الحياة، وإنما كان يقرأ الإنسان من خلال القرآن الكريم؛ فالقرآن لا يبدأ بإصلاح العالم من حول الإنسان، وإنما يبدأ بإصلاح العالم الذي بداخله. لذلك كان حديثه عن القلب أكثر من حديثه عن الجسد؛ لأن القلب هو موضع الإيمان، ومنبع الإرادة، ومركز القرار. قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]، وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]. ولعل أول هذه المفسدات، كثرة الخلطة، لم تعد تعني كثرة المجالس كما كانت من قبل، بل أصبحت حياةً كاملة يعيشها الإنسان داخل هاتفه. فكل إشعار يسرق جزءًا من انتباهه، وكل منصة تنافس على وقته، حتى أصبح كثير من الناس يعرف أخبار العالم كله، لكنه لا يعرف ما الذي يجري في قلبه. وهنا يعلّمنا القرآن أن قيمة العلاقات ليست في كثرتها، وإنما في أثرها، فقال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114]. أما الإسراف، فقد تجاوز موائد الطعام إلى أسلوب حياة كامل. إسراف في الاستهلاك، وفي الترفيه، وفي متابعة ما لا ينفع، حتى غدت النفس لا تشبع مهما امتلكت. ولذلك جاء التوجيه القرآني عامًا لا يقتصر على الطعام: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: 31]، لأن الاعتدال ليس نظامًا غذائيًا، بل منهج حياة. وإذا كان النوم راحةً للجسد، فإن الإفراط فيه قد يصبح هروبًا من المسؤولية ومن مواجهة الذات. ومن هنا أثنى القرآن على الذين يعرفون قيمة الوقت، فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17]. فالحياة في المنظور القرآني ليست بعدد السنوات، بل بما يُملأ به العمر من عملٍ صالح. ويبقى التعلق بغير الله أخطر هذه المفسدات جميعًا؛ لأنه ينقل مركز الطمأنينة من الخالق إلى المخلوق. فمن جعل سعادته معلقة بمدح الناس، أو بمنصب، أو برصيد، أو بعدد المتابعين، عاش أسيرًا لتقلباتها. أما من جعل قلبه معلقًا بالله، فقد تعلّق بالثابت الذي لا يتغير، ولذلك قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]. ثم يأتي التمني، وهو المرض الذي يستهلك الطاقات دون أن يبني واقعًا. فالقرآن لا يربي الإنسان على الأمنيات، بل على السعي، ولذلك قرر قاعدة عظيمة: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39]. فالأمل في القرآن حركة، لا خيال، والعمل هو الجسر الوحيد بين الحلم والواقع. ولعل أعظم ما نتعلمه من القرآن أن سلامة القلب ليست شأنًا تعبديًا فحسب، بل هي أساس الاتزان النفسي، وجودة العلاقات، وحسن اتخاذ القرار، والقدرة على مقاومة ضغوط الحياة. ولهذا فإن علاج أزمات العصر لا يبدأ من تقليل الضجيج الخارجي فقط، بل من إعادة بناء الداخل؛ فالقلب إذا عمر بالإيمان، استقام الجسد، وهدأ العقل، واستعادت النفس سكينتها. لهذا، لو كان ابن القيم بيننا اليوم، فلن يضيف إلى قائمته مفسدًا جديدًا؛ لأنه سيدرك أن الوسائل تغيّرت، أما القلب الإنساني فما زال يمرض بالأسباب نفسها، ولا يزال القرآن يقدم له الدواء نفسه.

324

| 17 يوليو 2026

حب الطاعة.. الطريق إلى محبة الله

كثير من الناس يتحدثون عن محبتهم لله تعالى، ويتمنون القرب منه والفوز برضاه، لكن القرآن الكريم يرشدنا إلى حقيقة عظيمة، وهي أن محبة الله ليست مجرد دعوى تُقال بالألسنة، وإنما هي حقيقة تظهر آثارها في السلوك والعمل والطاعة. فمن أحب الله حقًا أحب ما يحبه الله، وأبغض ما يبغضه الله، وكانت طاعته لربه أحب إليه من شهواته ورغباته. وقد جعل القرآن الكريم اتباع أوامر الله ورسوله البرهان العملي على صدق المحبة، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. فالمحبة الصادقة لا تنفصل عن الاتباع والطاعة، بل هما وجهان لحقيقة واحدة. ولهذا كان السلف يعدّون الطاعة ميزان المحبة، فمن زادت طاعته زادت محبته، ومن ضعفت طاعته دلَّ ذلك على ضعف ما في قلبه من المحبة. إن من أحب الصلاة لأنها تقرّبه إلى الله، وأحب القرآن لأنه كلام الله، وأحب الصدقة لأنها ترضي الله، وأحب العفاف لأنه أمر الله، فقد ذاق شيئًا من حلاوة المحبة الحقيقية. أما من وجد في نفسه نفورًا من أوامر الله، أو تثاقلًا دائمًا عن الطاعات، أو اندفاعًا نحو المعاصي مع الإصرار عليها، فعليه أن يراجع دعوى المحبة في قلبه. والقرآن يبين أن الطاعة ليست عبئًا ثقيلًا على المؤمن، بل هي نعمة ومنحة؛ لأن الله سبحانه لا يأمر إلا بما فيه صلاح العباد وسعادتهم. ولذلك فإن المؤمن كلما ازداد معرفة بربه ازداد حبًا لأوامره، حتى تصبح الطاعة لذةً يجد فيها راحة قلبه وسكينة روحه. ومن أعظم ثمرات حب الطاعة أن العبد يصبح ثابتًا أمام الفتن، قويًا أمام المغريات؛ لأنه لا ينظر إلى الأمر من زاوية الهوى، بل من زاوية رضا الله. فإذا تعارضت شهوة النفس مع أمر الله، قدّم أمر الله وهو راضٍ مطمئن، لأنه يعلم أن المحبوب لا يُعصى لأجل رغبة عابرة. إن الطريق إلى محبة الله يبدأ من تعظيم أوامره، ويثمر بحب طاعته، ويكتمل بالاستقامة عليها. فاسأل نفسك دائمًا: هل أحب ما يحبه الله؟ وهل أفرح بالطاعة كما أفرح بنعم الدنيا؟ فإن كان الجواب نعم، فهذه من علامات المحبة الصادقة، ومن أعظم البشائر بقرب العبد من ربه.

279

| 10 يوليو 2026

بالرفق تفتح القلوب... لا بالعنف

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتشتد فيه الخلافات، وتعلو فيه الأصوات، يبقى الرفق خُلُقًا قرآنيًا خالدًا، يعيد إلى العلاقات الإنسانية دفئها، وإلى المجتمعات استقرارها، وإلى النفوس طمأنينتها. فلم يجعل الإسلام القوة في الغلظة، ولا النجاح في الشدة، وإنما ربط كمال الإيمان بحسن الخلق، وجعل الرفق طريقًا إلى القلوب قبل أن يكون أسلوبًا في التعامل. ومن هنا جاءت الكلمات النبوية الجامعة لتؤكد هذه الحقيقة العظيمة، حيث قال رسول الله ﷺ: "إنَّ اللهَ يُعطي على الرِّفقِ ما لا يُعطي على العنفِ، وما لا يُعطي على ما سواه"؛ ليبين أن ما يثمره اللين من خيرٍ وإصلاحٍ وبركة لا يمكن أن تحققه القسوة مهما بلغت. ولم يكن هذا التوجيه النبوي منفصلًا عن المنهج القرآني، بل هو امتداد له. فقد وصف الله تعالى نبيه ﷺ بأعظم صفات القيادة، فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]. لقد كان النبي ﷺ قادرًا على الحزم، لكنه كان يعلم أن الحزم لا ينافي الرفق، وأن الكلمة اللينة قد تحقق من الإصلاح ما تعجز عنه القوة. لذلك التف الناس حوله حبًا قبل أن يلتفوا حوله طاعة، ودخل الإسلام إلى القلوب قبل أن يظهر أثره في الجوارح. ومن أعجب ما يلفت النظر في القرآن أن الله سبحانه أمر نبييه موسى وهارون عليهما السلام أن يخاطبا فرعون، وهو رمز الطغيان والاستكبار، بقوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]. فإذا كان هذا هو الأسلوب الذي أمر الله به مع من ادعى الربوبية، فكيف يكون تعاملنا مع أهلنا، وأبنائنا، وطلابنا، وزملائنا؟ إن هذا التوجيه يعلمنا أن الرفق ليس ضعفًا، بل حكمة، وليس تهاونًا، بل اختيارٌ للأسلوب الذي يحقق المقصود ويحفظ الكرامة. والحياة اليومية شاهدة على ذلك؛ فكم أصلحت كلمة طيبة قلبًا منكسرًا، وكم أطفأت عبارة هادئة نار خصومة، وكم أعادت معاملة لطيفة مودةً كادت أن تضيع. أما العنف، وإن فرض الصمت لحظة، فإنه يورث النفور، ويترك في النفوس آثارًا قد تمتد سنوات. ولهذا كان الرفق أساسًا في التربية، وسرًا في نجاح المعلم، وعنوانًا للقائد الحكيم، وسببًا في استقرار الأسرة وتماسك المجتمع. إن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى إحياء هذا الخلق العظيم، في البيوت، والمدارس، والجامعات، وأماكن العمل، وحتى في منصات التواصل الاجتماعي التي غلبت عليها حدة الخطاب وسرعة الاتهام. فالرفق لا يغير الكلمات فحسب، بل يغير النفوس، ويصنع بيئة يسودها الاحترام والتفاهم. ومن جعل الرفق منهجًا في حياته، أدرك أن القوة الحقيقية ليست في الانتصار على الآخرين، وإنما في كسب قلوبهم، وأن أعظم العطايا هي تلك التي وعد بها النبي ﷺ حين قال: "إنَّ اللهَ يُعطي على الرِّفقِ ما لا يُعطي على العنفِ، وما لا يُعطي على ما سواه". فطوبى لمن جعل الرفق شعاره، واستضاء بنور القرآن في قوله وعمله، فكان رحمةً لمن حوله، ونال من الله من الخير والتوفيق ما لا يناله أهل الشدة والقسوة.

498

| 03 يوليو 2026

البر يبدأ من الوجه واللسان

يبحث كثير من الناس عن أبواب البر العظيمة، ويتطلعون إلى الأعمال الكبيرة التي تقربهم إلى الله تعالى، غير أن القرآن الكريم يلفت الأنظار إلى أن البر ليس محصورًا في الأعمال الظاهرة وحدها، بل يمتد إلى الأخلاق والسلوك اليومي الذي يتعامل به الإنسان مع من حوله. ومن أجمل ما قيل في ذلك ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:»البرُّ شيء هين: وجه طليق، وكلام لين». هذه الكلمات الموجزة تحمل معنى عظيمًا؛ إذ تشير إلى أن كثيرًا من أبواب الخير متاحة لكل إنسان، لا تحتاج إلى مال وفير ولا إلى جهد شاق، وإنما تحتاج إلى قلب سليم يدفع صاحبه إلى حسن معاملة الناس. فالوجه الطليق يعكس بشاشة النفس وصفاء القلب، والكلام اللين يشيع المودة ويطفئ أسباب الخصومة والجفاء. وقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى في مواضع كثيرة، فجعل حسن القول خلقًا ملازمًا للمؤمنين، فقال سبحانه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]. ولم يخص القرآن هذا التوجيه بفئة دون أخرى، بل جعله قاعدة عامة في التعامل مع الناس جميعًا. كما أمر الله تعالى عباده أن يختاروا أجمل الألفاظ وأحسنها، فقال: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53]، لأن الكلمة قد تكون سببًا في بناء العلاقات أو هدمها، وفي جمع القلوب أو تفريقها. ومن تأمل القرآن وجد أن اللين خُلُق الأنبياء والدعاة والمصلحين. فقد أمر الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام أن يخاطبا فرعون، وهو من أشد الناس طغيانًا، بقوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: 44]. فإذا كان اللين مطلوبًا مع أهل العناد والطغيان، فهو أولى أن يكون حاضرًا بين أفراد الأسرة الواحدة، وبين الزملاء والأصدقاء، وفي جميع ميادين الحياة. إن الوجه الطليق والكلام اللين ليسا مجرد مجاملات اجتماعية، بل هما عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه. فكم من كلمة طيبة رفعت معنويات إنسان، وكم من ابتسامة صادقة أزالت همًّا أو وحشة، وكم من أسلوب حسن أصلح ما أفسدته الأيام. ولهذا ضرب الله تعالى مثلًا للكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة التي تؤتي ثمارها النافعة باستمرار. وفي زمن كثرت فيه أسباب التوتر وسرعة الانفعال، تشتد الحاجة إلى إحياء هذا المعنى القرآني الرفيع. فالمؤمن لا يقتصر بره على العبادات والشعائر، بل يظهر أثر إيمانه في ملامحه وكلماته وتعاملاته. ومن هنا كان الوجه الطليق والكلام اللين من أيسر أبواب البر وأعظمها أثرًا، لأنها تزرع المحبة بين الناس، وتنشر الرحمة في المجتمع، وتجسد أخلاق الإسلام في أجمل صورها. فالبر الحقيقي لا يبدأ من اليد وحدها، بل يبدأ من القلب، ويظهر على الوجه، وينطلق من اللسان، ليصنع عالمًا أكثر مودة ورحمة وسلامًا.

312

| 26 يونيو 2026

ضاعوا عيالنا
ضاعوا عيالنا

(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس...

24741

| 14 سبتمبر 2026

المفاوض القطري والياباني.. دروس في بناء الثقة
المفاوض القطري والياباني.. دروس في بناء الثقة

في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي...

6789

| 15 سبتمبر 2026

غلاء هرمز.. بين كلفة الأزمة واستغلالها
غلاء هرمز.. بين كلفة الأزمة واستغلالها

لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو...

5319

| 13 سبتمبر 2026

الحكم بين النقد والإنصاف
الحكم بين النقد والإنصاف

ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ...

4119

| 10 سبتمبر 2026

استئذان لا وداع
استئذان لا وداع

■أجمل ما يمكن أن يحققه سفير هو أن...

2967

| 14 سبتمبر 2026

خطيب الجمعة وين؟
خطيب الجمعة وين؟

اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات...

2676

| 08 سبتمبر 2026

فقد الأم
فقد الأم

ألا إن أعظم الفقد فقد الأم، ولن يسد...

1020

| 10 سبتمبر 2026

الشراكة التعليمية في أجمل صورها
الشراكة التعليمية في أجمل صورها

استوقفني مشهد تربويّ جليل لثلاثة أطفال يركضون في...

1017

| 11 سبتمبر 2026

إنك ضعيف وإنها أمانة
إنك ضعيف وإنها أمانة

خلال عملي في أجهزة الرقابة المالية، أدركت أن...

1014

| 09 سبتمبر 2026

المعلم مُرب قبل أن يكون مدرساً
المعلم مُرب قبل أن يكون مدرساً

وما وراء جدران الفصول يقف إنساناً عظيماً تُبنى...

834

| 09 سبتمبر 2026

وزير كل الوزارات.. الله حفظه من التخصص!
وزير كل الوزارات.. الله حفظه من التخصص!

لا أعرف إن كان قد مرّ عليكم هذا...

801

| 08 سبتمبر 2026

طموح المتقاعد ليس بالراتب التقاعدي فقط
طموح المتقاعد ليس بالراتب التقاعدي فقط

على الرغم من تميز الهيئة العامة للتقاعد من...

690

| 11 سبتمبر 2026

أخبار محلية