رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الأسرى الفلسطينيون المضربون عن الطعام بلغ عددهم حتى كتابة هذه السطور الثلاثة آلاف.. ولهم مطالب محددة أهمها إنهاء سياسة العزل الانفرادي وإنهاء العمل بقانون شاليط والاعتقال الإداري – الاستباقي - غير المحكوم بقواعد القانون.. البعض قد يجادل في أهمية هذا الإضراب وربما يجادل في حليّته – الدينية أو الوطنية - على أساس أن الحياة أهم من المبررات المساقة له.. وعلى أساس أن " حركة فتح " كفصيل مهم وقائد للسلطة الفلسطينية ضنينة – بخيلة – بالتعاطف مع هذا الإضراب فأعلنت أنها لا تشارك فيه.. وأقول:
بالنسبة لحركة فتح وموقفها السلبي من الإضراب.. فمعلوم أنها وبما لها من علاقات دبلوماسية محلية ودولية وما اختطت لنفسها من برنامج سياسي ملتحم مع دورها في إدارة السلطة بحيثياتها الاضطرارية.. معلوم أنها لا تستطيع أن تبني كل مواقفها على أساس مصالح الشعب الفلسطيني والمواجهة مع المحتل.. وفي هذه المرة بالذات تخشى حركة فتح أن تساهم بمشاركتها في إضراب الأسرى عن الطعام في إثارة انتفاضة ثالثة ربما تنقلب عليها بقدر ما تنقلب على العدو.. هذه الانتفاضة بدأت إرهاصاتها تتعزز مع الربيع العربي ومع الانغلاق السياسي.. وهذا يفسر ما تقوم به السلطة من اعتقال بعض النشطاء الذين يحركون الجماهير في هذه القضية – (عاصي.. مثال على ذلك)..
ونتساءل: هل كان الأسرى ليخوضوا هذا الإضراب لو أن أمتهم قامت بما عليها لأجل تحريرهم أو تقليل معاناتهم في أقل حد؟ وأين نظم - عربية – طالما جاملت اليهود ورفرف علمهم على عواصمها.. كانوا يقولون نخبئ ذلك ليوم كريهة وسداد ثغر.. أين هم من قضية الأسرى؟ بل أين هم من كل القضية التي تذبح ذبحا على يد المتطرفين الذين يحكمون كيان العدو هذه الأيام؟ وأين الجفري وعلي جمعة والمطبعون مع الاحتلال الذين انتبهوا فجأة لـ" واجب " زيارة القدس؟ ولماذا لا نحس منهم من أحد ولا نسمع لهم ركزا.. لم نسمع منهم حتى بيانا كلاميا مطلبيا للأسرى.. الذين يجوعون وربما يموتون تحت وقع الإضراب عن الطعام بالآلاف؟
إن مشكلة الذين يستهجنون هذا الإضراب عن الطعام ويرفضون مبرراته.. هي أن معظمهم – إن أحسنا الظن - لا يعرفون أمورا كثيرة من خصائص المشهد الفلسطيني.. فلا يعرفون أن السجن الصهيوني معركة أخرى، ولا يعرفون أن السجان اليهودي ما هو إلا آلة حقد وتعذيب وتشف وانتقام، ولا يعرفون أن للعدو أيديولوجية شاذة أقرب إلى شريعة الغاب ويتنزه عنها الإنسان السوي حتى لو استدعيناه من العصور الحجرية والبيئات الوحشية.. هؤلاء لا يعرفون أن للصهاينة عقلية خاصة متراكبة مع الإرهاب جزءا بجزء، وأنهم لا تحكمهم القوانين ولا الأخلاق حتى مع أصدقائهم ؛ فكيف إذا كنا في نظرهم أعداء دين؟ وكيف إذا كان الأسير منا - في نظرهم - يستحق أن يموت ألف مرة..
الذين يستهجنون إضراب الأسرى لا يعطوننا بديلا.. ولسان حالهم ما قال القائل (ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوّم) وهم لا يعرفون أن أسرانا نوعية مميزة ومختلفة من الناس.. وأنهم الأكثر تمثلا لمسمى الطائفة المنصورة في شعب اختاره الله تعالى ليقيم على أرض هي أرض المحشر والمنشر ومجرد وجود المسلم على ظهرها يجعله مرابطا مجاهدا في سبيل الله.. ولا يعرفون أن هؤلاء الأسرى القديسين وبقدر ما يواجههم العدو بخصوصية عداوته يواجهونه هم أيضا بخصوصية عزمهم وإبداعية صمودهم.. فإن كانوا لا يعرفون عن حال الأسرى إلا النزر اليسير الذي ينفلت من بين ركام التهافت والتتافه الإعلامي.. فهل على أسرانا أن يظلوا في المعاناة إلى ما لا نهاية لأن من لا يعرف لا يريد هو أن يعرف؟
لهؤلاء أنقل مقتطفات من رسالة الأسير " حسن سلامة " المحكوم عليه في سجون العدو بأكثر من أربعة آلاف وسبعمائة عام.. الرسالة نشرها موقع " أحرار ولدنا " الإلكتروني.. ليطلعوا على جانب من الحياة التي يعيشها بل الموت الذي يموته كل يوم وكل ساعة وكل لحظة هذا الأسير في العزل الانفرادي منذ اثنتي عشرة سنة.. وليعرفوا نوعية وماهية هذا العدو الذي يعتقله..
السيد سلامة يتذكر الشمس والقمر والبحر وصلاة الجمعة والجماعة وأيام العيد ويخاطبنا متسائلا.. (.. شمسكم.. هل مازالت تشرق كل صباح ولها غروب!! وهل لا يزال الشفق أحمر وقت الأصيل!! أتذكر أنني كنت أرقبها في الماضي البعيد وقت الغروب، وأقف أمام البحر وهي تختفي.. وكنا نقول ابتلعها البحر.. فهل لا يزال البحر قادرا على ابتلاع الشمس؟ و.. القمر.. هل هو جميل أم أنكم تعيشون مثلنا بلا قمر ولا نجوم وبلا غيوم؟. وصلاة الجمعة هل ما زالت تقام في عالمكم؟ فأنا لم أصلها منذ سنوات.. لكني ما زلت أتذكرها وأتذكر هذا اليوم الجميل، وما زلت أيضا أشتاق لصلاة الجماعة التي أصليها لوحدي، فهل أنال الأجر؟. الأعياد.. هل زاد عددها عندكم!! كنت أتذكر في ذلك الزمان عيد الفطر وعيد الأضحى.. فأنا منذ سنوات رغم وجودي في عالمي الخاص الذي يبعد كثيرا عن عالمكم ويختلف عنه في كل شيء.. احتفل بنفسي في هذه الأعياد، وأستيقظ باكرا بعدما أصلي الفجر، أجلس أمام باب قبري – يقصد الزنزانة - وأبدأ بالتكبير.. فلا أسمع إلا صدى صوتي يؤنس وحدتي.. وبعد الصلاة ينتهي عيدي، وأعود لحياتي، وأتناول حلويات أصنعها من الخبز والسكر!!)
ويصف سجنه فيقول: (هو قبر صغير يعيش كل منا في داخله معزولين.. لهذا القبر باب مغلق تماما.. ولهذا الباب في أعلاه " طاقة " – أي نافذة – صغيرة.. هي مغلقة أيضا تفتح هذه " الطاقة " وتغلق من الخارج.. ومع هذه " الطاقة " تكمن معاناة منعنا من النوم.. فهي تفتح وتغلق طوال الوقت بيد السجان.. نهارا ليلا.. كم مرة لا أدري! لكنها مرات كثيرة في الساعة الواحدة، يراقبوننا من خلالها.. ورغم صغرها ؛ عليها قضبان من الحديد.. هذه " الطاقة " ولأنها من حديد.. مهما حاولت فتحها بهدوء يكون صوتها عاليا جدا، فكيف وهي تفتح وتغلق بكل حقدهم وكرههم وعنصريتهم وساديتهم؟! السجانون.. لا يكتفون بذلك بل يسلطون ضوء بطارياتهم - الكشافات اليدوية - على وجوهنا، حتى يتأكدوا أننا لم نزل في مقابرنا..)
وفي قضية " الطاقة " هذه وفتحها وإغلاقها وما تسببه له من إرهاق وإزعاج.. يقدم لنا السيد سلامة اقتراحا بسيطا يستطيعه كل أحد.. حتى نحس بما يحس ونشعر بما يعاني.. فيطلب أن يؤقت أحدنا المنبه الذي يبث للتنبيه الموسيقى وليس صوت صكيك الحديد الذي يطلقه باب " الطاقة " ويقول (ليسمعكم كل نصف ساعة موسيقى جميلة، وليكن ذلك في اليوم أو أكثر أو أقل وليس لسنوات.. عيشوا معنا قليلا، وتصورا أن هذه حياتنا لسنوات..).
ويصف الأسير سلامة معاناة أخرى.. من نوع آخر.. هي أن في الزنزانة التي بجوار زنزانته سجين فلسطيني بلغت به العذابات حد الجنون فتاه عقله وسقط التكليف الشرعي عنه وصار لا يدري ما يقول ولا ما يقال له.. يقول (.. بجانبي أو بجانب قبري قبر لسجين أمني مثلي.. لكنه مريض نفسي يعرفني جيدا من سنوات العزل، يوم أن كان سليما، ينادي عليّ كثيرا وأنا أعلم أنه لا يعي شيئا، وأعلم أنني إذا أجبته سيكيل لي السباب والشتائم - لأنه مريض - ولكني لا أستطيع إلا أن أجيبه عندما يناديني باسمي حتى يسبني.. فقد يخفف عنه ذلك وحشته، ويخفف عني من ألمي الذي أشعر به، لأنني لا أستطيع مساعدته..)
آخر القول: العدو في هذه المعركة يملك أن يجعل كل لحظة من حياة أسرانا معاناة حقيقية ؛ نومهم ويقظتهم، صحتهم وسقمهم، طعامهم وشرابهم، صباحهم ومسائهم، زيارة أهليهم وممارسة حقوقهم.. وهو يفعل ذلك ويفكر فيه ويخطط له.. وهو يمارسه نوعا من التدين اليهودي على الطريقة الصهيونية ومنهجية للكراهية على طريقة التلمود.. فمعاناة الأسير في الحالة الفلسطينية تبدأ باعتقاله، ولا تنتهي إلا بتحريره.. فهل لا يزال أحد غائبا عن هذه المعركة؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5745
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4929
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3099
| 24 سبتمبر 2026