رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان من أهم وسائل الاحتلال الأجنبي لبلاد العالم العربي والإسلامي هو أن زرع حكّاماً خونة وعملاء له يسيّرهم كيف ومتى شاء، ذلك لأنه كان يريد البقاء أطول فترة ممكنة في بلاد العالم العربي والإسلامي لنهب المزيد والمزيد من خيراتها ومواردها الطبيعية، فضلاً على استغلال مواردها البشرية كذلك باستخدامهم "عبيداً" لهم وعندهم في أوروبا أو الغرب عموماً، ولكنهم لم يهتموا للموارد البشرية عند احتلالهم لبلاد العرب والمسلمين إلا فيما ندر، بخلاف ما كانوا يفعلون ذلك عند أخذهم للعبيد من إفريقيا وآسيا كالهند وغيرها من الدول، حيث كان الاحتلال الأجنبي في الدول العربية والإسلامية يركّز على نهب الموارد الطبيعية وتحويلها إلى أوطانهم الأصلية بينما كان يستخدم الموارد البشرية في البلاد نفسها ويوّظفهم عنده لهذا الغرض، ولكنه لم يكن يهتم بأخذهم في شكل "قطعان من العبيد" وشحنهم إلى أوروبا للخدمة وللأعمال الشاقة، ولا أدري إن كان "للكرامة العربية" وقتها دور في منع حدوث ذلك أم لا، إذ ربما منعت العزّة والكرامة الرجل العربي من أن يُساق سوقاً كالقطيع للعمل في أوروبا في تلك المهن المبتذلة، في حين أن بعضهم رضي بالشيء نفسه واشتغل في أعمال شاقّة ومبتذلة عند الأجانب ولكن دون مغادرة أوطانهم..الأمر الذي يعدّ في كلا الحالتين سيطرة للاحتلال الأجنبي وانتصار له.
أعود لأقول إن الاحتلال – ولا أسميه استعمارا إذ أن الاستعمار هو إعمار الأرض وإصلاحها والاحتلال هو إفساد الأرض وتخريبها – سعى بعد خروجه إلى حلول الفساد والظلم عبر زرعه للحكّام "الخونة" الذين كانوا يأتمرون بأمره وينفّذون خططه ومؤامراته لتدمير الأمة ومحاربة الإسلام الذي كانوا يرونه الخطر القادم إليهم بقوة الحق لا بقوة السيف ليأخذ منهم الريادة ويقود ركب الحضارة في الأمم ويخرج الناس من الظلمات إلى النور، فقام هؤلاء الحكّام باستغلال موارد البلاد العربية والإسلامية البشرية منها والطبيعية من أجل مصالحهم الشخصية ومصالح ذرياتهم وأقربائهم فأصبحت الدول بمثابة اقطاعيات يمارس فيها بعض الحكّام سلطتهم وسطوتهم وبطشهم وظلمهم على الناس فيأكلوا أموال الناس بالإثم والعدوان ويشيعوا الفساد الاقتصادي والأخلاقي حتى شهدت بعض الدول الإسلامية أبشع وأسوأ صور الفساد في العالم بأسره متفوقين بذلك حتى على دول الكفر والشرك مما يتنافى مع غاية الإسلام ومع شريعة الله تعالى في الأرض، فقاموا بتعطيل الحدود واقتصارها على الفقراء والمساكين حتى كره الناس القضاء ويئسوا من عودة مظالمهم فشاعت السرقات وكثرت الاختلاسات من المال العام والخاص، فأصبح الأمين عملة نادرة وأصبحت الأمانة صفة شبه معدومة.
ومما لاشك فيه أن أعداء الأمة في الخارج والداخل فرحون بهذه الخسائر التي تلحق بموارد البلاد الإسلامية وانشغال أفراد الأمة بالبحث عن لقمة العيش والسعي وراء مطالبهم وردّ مظالمهم وحقوقهم عبر التردد على دواوين الحكّام ومجالس الوزراء لكي يستجدوهم ويتذلّلوا لهم للحصول على بعض المكاسب وبعض الأموال مما نشأ عن ذلك بطانات فاسدة أبشع وأظلم من الحكّام أنفسهم فزادت المظالم وانتشر الفساد أكثر فأكثر، وأصبح الاحتلال الأجنبي يقود هؤلاء الحكّام والعملاء بواسطة "ريموت كونترول" وهو في مكانه بعيداً يراقب ضياع الأمة العربية والإسلامية وانشغالها بمشاكلها ومصائبها المتعددة حتى إذا أحسّ بأن وتيرة الظلم والفساد قد انخفضت أوعز إلى عملاء آخرين ليحلّوا مكان السابقين فيفسقوا ويظلموا أكثر من سابقيهم ويشغلوا الناس أكثر فأكثر في البحث عن لقمة العيش "وسط القمامة" أو البحث عن وظيفة وسط "كومة قشّ" من الجاليات الأجنبية التي انتشرت لتضيف مزيداً من الخسائر إلى ميزانية الدول بينما تصب في الوقت ذاته كمصادر دخل أخرى للدول المحتلّة عبر إرسال "المتردّية والنطيحة" ممن "أكل عليهم الدهر وشرب" من تلك "الخبرات المنتهية صلاحيتها" فتصبح الدول الأجنبية محتلّة لبعض الدول العربية والإسلامية بطريقة مباشرة عبر "تحريك" حكّام تلك البلاد أو عبر "استغلال" مواردها وميزانياتها من خلال اتفاقيات شراء أسلحة أو تكنولوجيا غربية قديمة أو بضائع أخرى متنوعة بدءاً من حبة القمح إلى الطائرات والسفن.
لقد وصل حال الدول العربية والإسلامية في ظل ذلك الوضع إلى حالة من التخدير التي أصبحت معها غير مكترثة بما يحلّ بها من نكبات ومآس تحل بالمسلمين هنا وهناك حتى أصبحوا كالخراف يذبحون واحداً تلو الآخر فلا يجرؤ أحدهم على الهرب من مكان "المقصب" أو على أقل تقدير "نطح" ذلك "القصّاب" دفاعاً عن النفس قبل الموت، ولهذا كنّا نسمع في وقت من الأوقات بأن الحكّام قد أغلقوا الحدود وحالوا بين الجماهير وبين فلسطين مما جعلها رهينة الاحتلال الصهيوني إلى يومنا الحالي، ورضيت الشعوب بتلك الأوضاع فلم يقهروا حكّامهم مثلاً لفتح الحدود والسير باتجاه الأقصى لتحريره، مما جعل الذلّ والمهانة يسيطران على الشعوب في شتى شؤون الحياة، الأمر المؤسف حقاً أن تتخاذل الشعوب عن نصرة قضاياها الكبرى وفي مقدمتها الأقصى وأن تتعامل مع مآسيها ومجازرها – كما يحدث الآن في سوريا – ببرود تام لا يرتقي مع مستوى النصرة التي أوجبها الإسلام، وأخشى ما أخشاه أن يصل بنا الحال إلى أن تُفتح كل الطرق إلى الأقصى وأن تُرفع كل القيود التي تقف في طريق تحريره أو في طريق تحرير سوريا وغيرها من بلاد المسلمين ولكن وقتها ستكون الشعوب غير راغبة في الجهاد ولا في النصر والعزة والتمكين، لأننا وصلنا إلى درجة من الذلّ والمهانة لا يؤثر فيها وجود العوائق أو عدمه، حينها فقط.. سيكون باطن الأرض خير لنا من ظهرها، نرجو الله تعالى أن تعود الأمة إلى أمجادها وأن تنتفض من جديد وأن تبدأ في المسير في "طريق النهضة" حتى وإن بدا الطريق صعباً وشاقاً منذ البداية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أصبح ملاحظًا في الآونة الأخيرة تزايد شكاوى المعلمين وأساتذة الجامعات من سطحية بعض الطلاب وضعف قدرتهم على التحليل، بل وقلة اهتمامهم بالشأن العام وغياب الحس بالمسؤولية المجتمعية. وهذه الظاهرة لا يمكن إلقاء اللوم بها على المناهج أو أساليب التدريس، بل ترتبط بشكل كبير بغياب المتابعة الأسرية وانشغال الوالدين أو اعتمادهم الكامل على المؤسسات التعليمية لتأدية دور الوالدين أو توكيل الخدم بكل ما سبق، وهذه طامة أخرى سنأتي عليها لاحقًا. هل يُعقل أن طالبًا جامعيًا لا يعرف من وزير خارجية بلاده؟! وكم هي مساحة الدولة التي يعيش فيها؟! بل أكثر من ذلك، ففي مثل هذه الأيام التي تمر فيها المنطقة في صراع إقليمي وحرب تُغيّر خريطة العالم وتحالفاته وتقلب طاولة الاقتصاد رأسًا على عقب، هو لا يعرف من وكيف ولماذا، وهل هو مع أو ضد توجه معين أو رأي بلاده من كل هذا؟! وبسبب ما سبق عملنا مع بعض الزملاء مسحًا سريعًا للبحث عن هذه الأسباب، فتبيّن أن الأم والأب يقضيان أكثر من ٤ ساعات يوميًا على الهاتف بين برامج التواصل الاجتماعي بما لا ينفع بل بما يضر أحيانًا، ولم نحسب ساعات متابعة الأفلام والمسلسلات ضمن هذا. إن مسؤولية تربية الأبناء لا يمكن تفويضها أو التهرب منها. فتربية الأبناء ليست ما تنتجه المدارس أو المعاهد أو الجامعات، بل هم انعكاس لبيئة كاملة تبدأ بالأسرة. وإذا أردنا جيلًا واعيًا مثقفًا وقادرًا على تحمل مسؤولياته فعلينا أن نعيد الاعتبار لدور الوالدين، وأن ندرك أن التربية الحقيقية تُبنى في البيت أولًا ثم تُستكمل في بقية مؤسسات المجتمع. لأن التربية ليست مهمةً يمكن اختصارها في مؤسسة واحدة أو جهة رسمية بعينها. ومن هنا فإن إلقاء المسؤولية على وزارة التربية والتعليم فيما يتعلق بمستوى الأبناء الفكري والسلوكي والثقافي، هو طرحٌ ناقص يُغفل الدور الجوهري الذي يقع على عاتق الوالدين أولًا ثم بقية مكونات المجتمع. الأسرة هي النواة الأولى التي تتكون فيها شخصية الطفل، وهي البيئة التي يتعلم فيها القيم الأساسية والدينية قبل أن يتعلم الحروف والأرقام. في البيت يتعلم الأبناء معنى المسؤولية واحترام الوقت وأهمية المعرفة والقدرة على الحوار. فإذا نشأ الطفل في بيئة تشجعه على التساؤل وتمنحه مساحة للتعبير وتعطيه قدرًا من الثقة والشعور بالمصداقية وتتابع اهتماماته الدراسية والثقافية، فإنه يدخل المدرسة والجامعة وهو يحمل أدوات التفكير والفهم لا مجرد قابلية للحفظ والتلقين. أما إذا غاب هذا الدور فإننا نجد أنفسنا أمام طالب يفتقر إلى الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء. فحين يجلس الأب أو الأم مع الأبناء لمناقشة حدثٍ ما أو كتابٍ قرأوه أو فكرةٍ سمعوها، فإنهم يزرعون فيهم بذور التفكير النقدي، ويعلمونهم كيف يكونون جزءًا من مجتمعهم لا مجرد متفرجين عليه، كما أن للشارع والأصدقاء دورًا لا يقل أهمية، فهم يشكلون جزءًا من البيئة التي يتفاعل معها الأبناء يوميًا. لذلك فإن اختيار الصحبة الصالحة، وتوجيه الأبناء نحو الأنشطة المفيدة، ومتابعة سلوكهم خارج المنزل، كلها أمور تقع ضمن مسؤولية الوالدين. إضافة إلى ذلك، فإن وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة المختلفة تتحمل دورًا تكامليًا في تعزيز القيم الثقافية والاجتماعية من خلال تقديم محتوى هادف، وخلق بيئات داعمة للنمو الفكري. إن التربية مشروعٌ مشترك تتكامل فيه الأدوار ولا تتقاطع. فوزارة التربية والتعليم تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم العملية التعليمية وتوفير المناهج والتربية كذلك، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع وعيًا أو تبني شخصية متكاملة. هذا الدور يبدأ من البيت حيث تتشكل القيم ويتأسس الفكر ويتعلم الأبناء أين يقفون في هذا العالم المتغير من حولهم.
3105
| 22 أبريل 2026
شهدت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي خلال الفترة الأخيرة نقلة نوعية لافتة في أساليب التعامل مع الجمهور، انعكست بشكل مباشر على مستوى رضا أولياء الأمور والطلبة في المدارس القطرية ، وساهمت في تسهيل إنجاز المعاملات بصورة غير مسبوقة. هذه الطفرة لم تكن مجرد تحسينات شكلية، بل جاءت نتيجة رؤية واضحة تهدف إلى تطوير الخدمات التعليمية والإدارية بما يتماشى مع التحول الرقمي الذي تشهده الدولة.في السابق، كان إنجاز العديد من المعاملات المتعلقة بأمور الطلاب يتطلب وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا، إضافة إلى الحاجة للمتابعة المستمرة من قبل أولياء الأمور، سواء فيما يتعلق بنقل الطلبة أو استخراج الشهادات أو متابعة الطلبات المختلفة، وكانت الإجراءات تتسم أحيانًا بالتعقيد وكثرة الخطوات، مما يسبب ضغطًا وإرهاقًا للأولياء الأمور.أما اليوم، فقد تغيرت الصورة بشكل جذري. فقد عملت الوزارة على تبسيط الإجراءات وتوحيدها، مع إطلاق منصات إلكترونية متطورة تتيح للمستخدمين إنجاز معاملاتهم بسهولة وسرعة من أي مكان. وأصبح بإمكان ولي الأمر متابعة حالة الطلب بشكل فوري، دون الحاجة إلى مراجعة المكاتب أو الانتظار لفترات طويلة،هذا التحول أسهم في تقليل الجهد المبذول، ورفع مستوى الشفافية، وتعزيز الثقة بين الجمهور والمؤسسة التعليمية.ويرى كثيرون أن السر في التحول اللافت الذي شهدته وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في الفترة الأخيرة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة جهود قيادية ركزت على كسر الجمود الإداري وتحديث أساليب العمل، قامت بها سعادة السيدة لولوة الخاطر وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي التي ارتبط اسمها بالدفع قدما وسريعا بعجلة التطوير التي تشهدها الوزارة وإعادة النظر في عدد من الإجراءات التي ظلت لفترات طويلة دون تغيير يُذكر.فمنذ تولي سعادتها الوزارة، اتجهت الجهود نحو مراجعة شاملة للأنظمة والإجراءات، ليس فقط بهدف التحديث، بل لإزالة التعقيدات التي كانت تُعد في السابق من المسلّمات التي لا يجب التعامل معها إلا كما هي دون تغيير، إن هذا التوجه الجديد أتاح إعادة تصميم الخدمات بطريقة أكثر مرونة، وجعل تجربة أولياء الأمور والطلبة أكثر سلاسة ووضوحًا، وقد انعكس ذلك في تقليص الوقت والجهد اللازمين لإنجاز المعاملات، وتحسين آليات التواصل مع الجمهور.كما تميزت هذه المرحلة بشكل كبير وواضح بالتركيز على اعتبار أولياء الأمور شركاء أساسيين في العملية التعليمية، وليسوا مجرد متلقين للخدمة. ومن هنا، تم تطوير قنوات تواصل أكثر فاعلية، والاستماع لملاحظاتهم بشكل مباشر، والعمل على تحويلها إلى تحسينات ملموسة على أرض الواقع.ولم يقتصر التغيير على الإجراءات فقط، بل شمل أيضًا ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على الابتكار والتطوير المستمر، وتشجع على المبادرة بدلاً من التمسك بالأنماط التقليدية، هذا التحول الكبير كان له أثر كبير في جعل العمل داخل الوزارة أكثر حيوية ومرونة، وأسهم في تحقيق مستوى أعلى من رضا جميع أصحاب العلاقة مع الوزارة.إن هذه الطفرة النوعية تعكس التزام الوزارة بتحقيق التميز في تقديم الخدمات، وحرصها على مواكبة التطورات العالمية في مجال الإدارة والخدمات الحكومية،كما أنها تؤكد أن الاستثمار في التكنولوجيا وتطوير الكفاءات البشرية يمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الناس اليومية.وهنا يمكن التأكيد بأن هذه الجهود القيادية أسهمت في إحداث نقلة نوعية حقيقية، حيث أصبحت الخدمات أكثر كفاءة، والتعامل مع الوزارة أكثر سهولة ومرونة، بما يعكس رؤية حديثة تضع احتياجات الطلبة وأولياء الأمور في صميم أولوياتها.
2127
| 20 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
741
| 24 أبريل 2026