رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جميلة إبراهيم آل شريم

ناقدة فنية وفنانة بصرية

مساحة إعلانية

مقالات

354

د. جميلة إبراهيم آل شريم

الأرشيف في الفن التشكيلي القطري

10 مايو 2026 , 03:02ص

ليسَ لديَّ أدنى شكٍّ في أنَّ بعضَ الممارساتِ الإبداعيَّةِ في الفنِّ التشكيليِّ القطريِّ تنخرطُ في خطابٍ بصريٍّ عالميٍّ، حيثُ لا تُستحضَرُ الذاكرةُ بوصفِها أثرًا مُستعادًا، بل تُنتَجُ من داخلِ الصورةِ ذاتِها.

ومن الواضحِ أنَّ الأرشيفَ في الممارسةِ الفنيَّةِ المعاصرةِ لم يَعُدْ يُفهمُ بوصفِه مَخزنًا للماضي، بل إطارًا نقديًّا يُعيدُ من خلالِ العملِ الفنيِّ صياغةَ علاقتِه بالزمنِ وبالأثرِ، إنَّه لا يظهرُ كوثيقةٍ خارجيَّةٍ، بل كفعلٍ بصريٍّ يتشكَّلُ داخلَ العملِ ذاتِه، ويتجلَّى في تكرارِ العناصرِ وتحولِها واستمرارِها عبرَ صيغٍ متعدِّدةٍ.

ومن هذا المنطلقِ، يمكنُ قراءةُ بعضِ تجاربِ الفنِّ التشكيليِّ القطريِّ المعاصرِ لا بوصفِها توثيقًا بصريًّا للتراثِ أو للبيئةِ المحليَّةِ، بل بوصفِها ممارساتٍ تُعيدُ إنتاجَ الذاكرةِ من داخلِ البنيةِ البصريَّةِ نفسِها؛ حيثُ تتحوَّلُ مفرداتُ البحرِ والصحراءِ والسماءِ من مرجعيَّاتٍ مكانيَّةٍ إلى بُنى دلاليَّةٍ تحملُ أثرَ المكانِ أكثرَ ممَّا تُعيدُ تمثيلَه.

وفي هذا السياقِ، تجاوزتِ الصورةُ في هذه التجاربِ وظيفتَها التمثيليَّةَ المباشرةَ؛ فلم تَعُدْ مرآةً للواقعِ، بل فضاءً بصريًّا مفتوحًا يتراجعُ فيه الوصفُ لصالحِ الإيحاءِ، ويتحوَّلُ فيه الشكلُ من حضورٍ مكتملٍ إلى أثرٍ قابلٍ لإعادةِ التأويلِ.

وهنا لا يُقرأُ العنصرُ البصريُّ بما يُمثِّلُه فحسب، بل بما يتركُه من صدىً داخلَ الصورةِ، وبما يستحضرُه من أثرٍ ثقافيٍّ يتجاوزُ حدودَ الشكلِ المباشرِ.

وفي هذا التصوُّرِ لا يقومُ الأرشيفُ على ما يُحفَظُ من أعمالٍ، بل على ما يبقى منها داخلَ التجربةِ البصريَّةِ؛ إذ تتحوَّلُ العناصرُ المتكرِّرةُ-شكلًا أم لونًا أم رمزًا-إلى آثارٍ تتشكَّلُ عبرَ الزمنِ وتكتسبُ مع كلِّ ظهورٍ دلالةً جديدةً.

وأخيرًا، يمكنُ القولُ إنَّ الأرشيفَ في الفنِّ التشكيليِّ القطريِّ لا يتمثَّلُ فيما يُحفَظُ من أعمالٍ، بل فيما يبقى منها داخلَ التجربةِ البصريَّةِ؛ حيثُ تغدو الذاكرةُ جزءًا من بنيةِ العملِ لا موضوعًا له، ويغدو الفنُّ فعلًا مستمرًّا لإعادةِ تشكيلِ الماضي داخلَ الحاضرِ.

وفي ظلِّ خريطةِ طريقٍ ثقافيَّةٍ طموحةٍ ترسمُها الدولةُ لمستقبلِ الفنِّ في هذه المنطقةِ، يُرسِّخُ مبدعونا حضورَهم داخلَ خطابٍ إبداعيٍّ عالميٍّ، مؤكِّدين قدرةَ الفنِّ القطريِّ على ترسيخِ انتمائِه إلى هويَّتِه وأصولِه عبرَ لغةٍ بصريَّةٍ معاصرةٍ تضعُ المستقبلَ في حوارٍ متجدِّدٍ مع جذورِ الماضي.

وهكذا، لا يغدو الفنُّ حافظًا للذاكرةِ فحسب، بل أحدَ أكثرِ أشكالِها قدرةً على إعادةِ إنتاجِها.

مساحة إعلانية