رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما تضرب الهزيمة النفسية بأنيابها في جسد أي شعب من شعوب الأرض، فلن ينقذهم من الهلاك والدمار شيء قبل أن يغيّروا ما بأنفسهم، وهذه من سنن الله الثابتة في أرضه والتي تنطبق على كل عباده.
ففي نهاية سنة 1591 ميلادية وصلت سفن القائد الإسباني (كورتيز) إلى سواحل خليج المكسيك غازياً على رأس قوة صغيرة إلا أنه حقق الأعجوبة والمعجزة بأن حطم واحدة من أكبر الامبراطوريات على وجه الأرض بتعداد سكان بلغ حوالي 5 ملايين نسمة منتشرين في ما يقارب الأربعمائة قرية ومدينة تحكمها جميعاً عاصمة أسطورية (تينوشتيتلان)، والتي بنيت على جزيرة اصطناعية يتوسطها هرم كبير شاهق في واحدة من أعاجيب الدهر المندثرة لشعب وحضارة (الأزتك) العظيمة.
فكيف تمكنت قوة صغيرة تافهة من القضاء على امبراطورية عملاقة وشعوب قوية وكثيرة وتحيط بهم من كل جانب؟
والحقيقة أن كورتيز هذا كان مرتزقاً حقيراً تافهاً ولم يكن بالقائد ذي الشأن العظيم، ولكن الجواب يكمن في الانهيار النفسي والعقائدي الذي كان (الأزتك) يعيشونه في تلك الفترة.
كانت حضارة الأزتك قد بلغت شأناً عظيماً في الحضارة والتطور، فبرغم عدم معرفتهم باستخدام معدن الحديد بشكل واسع، وبرغم انعزالهم عن باقي العالم القديم وأوروبا والعالم الإسلامي المتطور، إلا أنهم تمكنوا من بناء أهرامات تعتبر أعجوبة في فن الهندسة المعمارية وكذلك شبكة طرق معقدة تربط الامبراطورية المترامية، التي تبلغ في مساحتها مساحة انجلترا وفرنسا وإسبانيا مجتمعة، وكذلك طوروا حساباتهم الفلكية فكان لهم تقويم سنوي من 365 يوماً ساعدهم على ازدهار الزراعة في أرضهم الخصبة بالإضافة إلى تطورهم التجاري والصناعي والسياسي، وكانوا أيضا شعباً شجاعاً يقدرّون الشجاعة والشجعان ما ساهم في اتساع حدود الامبراطورية العظيمة على حساب أعدائها واستمرّوا في هذا العلو والصعود والتمكين في الأرض حوالي مائتي عام حافلة بالإنجاز والتطور والحروب والبطولات والفن والفلسفة وغيرها.
ولكن في أواخر أيام الامبراطورية الوثنية، تنبأ كهنة الأصنام بعودة إله الشر(كيتزال كوتل) - الذي كانوا يصورونه على شكل أفعى يكسو جسمها الريش- والذي نفته بقية الآلهة وطردته من مدينتهم المقدسة فتوعد بالعودة والانتقام بجيش من باطن الأرض ليقضي على كل أشكال الحياة بحسب الأسطورة الازتكية الغريبة.
أبلغ الكهنة هذه الرسالة المرعبة للامبراطور (مونتيزوما) أو (موكتيكزوما) ما أصابه بالحيرة والخوف في آن واحد، إذ لم يخطر له على بال أن يكون هو الامبراطور الأخير على وجه الأرض على حد علمه، وفي هذه الأثناء وبينما هم في حيرة ويأس لتفسير هذه النبوءة المشؤومة، وصلت إلى الامبراطور تقارير مرعبة جعلته يرتجف من شدة الخوف على عرشه الامبراطوري، ويقتنع أنها النهاية المحتومة بدون أدنى شك، وذلك حين تواترت إليه تقارير أخرى أن (جبالا عائمة) وصلت إلى شواطئ الامبراطورية، وكانت تلك هي البوارج الحربية الإسبانية، التي جاء عليها كورتيز ورجاله، ولأن الازتك لم يعرفوا تلك الصناعة اعتقدوا أن السفن جبالا عائمة لضخامة حجمها.
ثم إن التقارير استمرت بالتوالي مفيدة بأن تلك الجبال انشقّت وانفرجت عن (آلهة) غربية كان سلاحهم من حديد ولباسهم من حديد ويبلغون طولاً عظيماً يبلغ ضعف حجم الإنسان العادي، ويمشي أحدهم على أربعة قوائم غير يديه التي تطلق نيران فتاكة لها أصوات أقوى من الرعد فتقتل أقوى الرجال في غمضة عين.
طبعاً كان ذلك الوصف للفرسان الإسبان وبنادقهم، ولأن الازتك لم يكونوا يعرفون الخيول ولا البنادق اعتقدوا أن الفارس والفرس كائن واحد وكانوا يظنون البنادق أسلحة إلهية لا يمكن مجابهتها بأي شكل من الأشكال.
وهكذا وبالرغم من كون الأزتك أكثر عددا وعدة وأعرف بمداخل الأرض ومخارجها، لكن ولشدة انهزامهم النفسي وإحباطهم الشديد سارعوا بتقديم فروض الولاء والطاعة بل وصل الأمر ببعضهم إلى حد عبادة هذه الآلهة التي لا تقهر حتى أنهم سلموا عاصمتهم المقدسة بدون حرب لشدة ما استقر في نفوسهم من رعب كان أساسه خرافة لا مصداقية لها.
وأتساءل عزيزي القارئ، هل لو خرج فيهم رجل وعارض وجود هذه (الآلهة) المزعومة وقاتلها حتى لو قدم نفسه وماله وأهله في سبيل معتقده بل في سبيل أرضه، وحتى لو اتهمه كهنة الأزتك بالهرطقة والكفر وحاربوه وقاوموه وانضموا مع آلهتهم المزعومة ضده، الم يكن التاريخ سيخلّد اسمه كبطل وينسى أسماء كهنة المعبد؟.
فما بالنا نكاد نرى أشباه أولئك الكهنة حولنا؟
Mubarak.alhajri78@yahoo.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4503
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4038
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1977
| 05 مايو 2026