رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اندلعت ثورة ابن الأشعث في سنة ثمانين من الهجرة، وكان سببها هو ظلم وتعسف الحجاج بن يوسف الثقفي تجاه أهل العراق، فثار عليه عبد الرحمن بن الأشعث بسبب هذا الظلم ووقف معه الكثير، حتى أن جيشه بلغ أكثر من مائة ألف مقاتل هذا من غير سلاح الفرسان الذي يعتبر كما قلنا مثل سلاح الدبابات في يومنا هذا. والحقيقة أن ثورة ابن الأشعث ارتكزت في بدايتها على أساس صحيح حتى أنه انضم لها بعض كبار العلماء مثل الإمام الكبير عامر بن شراحيل الشعبي وأيضا سعيد بن جبير رحمهم الله تعالى، ولكن كان هذا في بداية الاعتراض والاحتجاج على جور وطغيان الحجاج ولكن للأسف أن هذه الثورة التي برغم كونها انطلقت اعتراضاً على الظلم إلا أنها انحرفت عن مسارها وضلت ضلالاً بعيداً ولا حول ولا قوة إلا بالله. ففي البداية كان اعتراضهم على الحجاج بن يوسف لأنه ظلمهم، لكن لما وصل جيش ابن الأشعث إلى أطراف العراق ورأى عبدالرحمن هذا من نفسه قوة واعتقد أن الكفة في صالحه انقلب على عقبيه وخلع بيعة أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان بحجة أنه هو من وضع الحجاج في هذا المنصب. لكن منتهى العجب وغاية الإبداع في هذه القصة هو موقف رجل الدولة القوي والقائد العسكري الشهير والمستشار الفذ المهلب بن أبي صفرة رحمه الله تعالى، ومن منا لا يعرف المهلب؟، فلما بلغه خروج ابن الأشعث نصحه بنصيحة لا تقدر بثمن فارسل له قائلا: (أما بعد، فإنك وضعت رجلك يابن الأشعث في غرز طويل الغي على أمة محمد، الله الله فانظر لنفسك لا تهلكها ودماء المسلمين فلا تسفكها والجماعة فلا تفرقها والبيعة فلا تنكثها، فإن قلت اخاف الناس على نفسي فالله أحق أن تخافه عليها من الناس فلا تعرضها لله في سفك دم ولا استحلال محرم والسلام عليك) رحمك الله يا أبو سعيد لقد والله نصحت لهم وليتهم أطاعوك ففازوا في الدنيا وتخلصوا من الحجاج وأخذوا كل ما يريدون، لكن شاء الله وما قدر فعل. فلما رأى المهلب أن ابن الأشعث ماض في غيه مستمر في عناده وضلالته، تجلت عندها عبقريته العسكرية الهائلة فأرسل للحجاج قائلا: أما بعد، فإن أهل العراق قد اقبلوا إليك مثل السيل المنحدر من عل، وليس شيء يرده حتى ينتهي إلى قراره، وإن لأهل العراق "شِرّة" (يعني حماس) في أول مخرجهم، وصبابة وشوق إلى نسائهم وأولادهم، فليس شيء يردهم حتى يسقطوا إلى أهليهم، ويشموا أولادهم، ثم واقفهم عندها، فإن الله ناصرك عليهم إن شاء الله. فانظر معي عزيزي القارئ كيف رسم هذا القائد العظيم سيناريو المعركة كاملا من بدايتها وحتى نهايتها وهو بعيد هناك في إقليم سجستان، لقد احتوى المهلب بعقله الوافر ودهائه العسكري كل الثوار بل لا نبالغ إن قلنا إنه رسم لهم مساراً لم يخرجوا عنه قيد أنملة فساروا على ما يريد رغما عنهم بل ورغم أنف الحجاج نفسه الذي غضب من رأي المهلب وعصاه وقرر مصادمة أهل العراق وهم في قمة حماسهم فهزموه شر هزيمة ففر الحجاج منهم لا يلوي على شيء وترك لهم العراق كله ثم إنه طلب إحضار رسالة المهلّب بن أبي صفرة له فقرأها مرة ثانيه ثم قال: (لله أبوه، أي صاحب حرب هو! قد والله أشار علينا بالرأي ولكنا لم نقبل) نعم لم تقبل الرأي والمشورة يا حجاج وكذلك أيضا لم يقبل النصيحة ابن الأشعث. وفي النهاية ذبل حماس أهل العراق تماما كما توقع المهلب فنشبت معركة الزاوية ثم معركة دير الجماجم فانهار جيش بن الأشعث وخذله الله بما انحرف عن طريق الحق وطمع في الدنيا والسلطان وقد اختلفوا في وفاته فمنهم من قال انه قتل في المعركة، ومنهم من قال إنه تم تسليمه للحجاج فقطع رأسه، ومنهم من قال إن ابن الأشعث انتحر في الطريق إلى الحجاج فانظر إلى البداية ثم إلى النهاية وتفكّر في مداخل الشيطان على الإنسان والسعيد من اتعظ بغيره. Mubarak.alhajri78@yahoo.com
7731
| 08 سبتمبر 2021
اسمه: عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان الفزاري، يُكنى بأبي مالك، وكان من صناديد العرب، وكان فظاً غليظاً جريء القلب بذيء اللسان والقول. وقد تعمدت أن أذكر نسبه كاملا لأنه من أعرق الأنساب العربية، كما ترى يا عزيزي القارئ، ولو أردنا الإسهاب فربما أفردنا لكل شخص من آبائه مقالاً خاصاً لكثرة أمجادهم وعراقة نسبهم، ويكفي أن نذكر هنا أن جده حذيفة كان يلقب في الجاهلية بـ (ربّ معدّ) أي سيد قبائل عدنان كلها لفخامة نسبه ورجاحة عقله وعظم شرفه في العرب، فلا عجب إذاً أن هذا الصنديد الجريء (عيينة بن حصن) سيد قبيلة غطفان القوية، وكان إذا قام تبعه وقام معه عشرة آلاف رجل من قومه لا يسألونه فيم؟ ولا إلى أين؟ كما قال رسول الله أي أنهم يطيعونه طاعة عمياء لا يسألونه مع من نقاتل؟ ولا لماذا نقاتل؟. وبرغم المكانة المرموقة والنسب الباذخ والشرف العريق والقلب الجريء، إلا أن هذا الرجل كان يعيبه عيب كبير أنه كان أحمق غير ذي رأي حتى سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ (الأحمق المطاع)، وذلك لضياع رأيه وحماقته وقصر نظرته للأمور. والحقيقة أنه لولا لطف الله تعالى وحده بغطفان التي أنجاها منه ومن حماقاته، وإلا كان هذا الأحمق الأرعن سيورد قبيلته المهالك في سبيل آرائه العوجاء وأطماعه الشخصية هو، وليس من أجل قومه، ولا حبا فيهم ولا لمصلحتهم. وله العديد من المواقف الحمقاء والمضحكة التي لا يسع المجال هنا لذكرها، ولكن من أبرز وأشهر مواقفه الحمقاء وقوفه مع يهود خيبر في وقت كان الإسلام يزداد قوة ومنعة، خصوصا بعد معركة الخندق التى هزم فيها الأحزاب وكان عيينة معهم فرأى بأم عينيه كيف انتصر الرسول على أكبر الجيوش التى عرفت في تاريخ العرب، ومع ذلك ذهب بقومه لينصر يهود خيبر، ففاوضه الرسول أن يرجع وله نصف ثمار خيبر فرفض، ولكن بينما هم في الطريق سمعوا منادياً يصيح فيهم أن أدركوا أهلكم، فعاد بجيشه مسرعاً لغطفان، فلم يجد شيئاً، ثم كر بقومه مرة أخرى إلى خيبر لينصر اليهود، فوجد الرسول قد فتحها فجاء هذا الأحمق البذيء لرسول الله يطلب منه نصيباً من غنائم خيبر (من سلب حلفائه الذين كان يريد الوقوف معهم ضد النبي) هكذا بكل وقاحة وغباء، ولكن النبي طرده ولم يعطهِ شيئاً. والحقيقة أن هذا الأعرابي الجلف الفظ لم يكن يهمه نصر اليهود بقدر ما كان يغيظه انتصار الإسلام فجنى على قومه وحرمهم الإسلام مبكرين، وحرمهم أيضا من المال والخير بسبب تهوره وهوجه وقلة عقله. واليوم نرى أشباه هذا الأحمق المطاع، وهم يجتالون يمنة ويسرة كأنهم حمر مستنفرة، فلا هم بالذين وقفوا مع الحق، ولا انتصروا لقومهم من ظلم، ولا دلوهم على رشد ولا وجد أهلهم منهم خيراً، بل دخلوا التاريخ مع نفس الباب الذي دخل منه أحمقنا المطاع هذا. فلا تعجب عزيزي القارئ أن قدم المتنبي الرأي الراجح الرزين على الشجاعة الهوجاء التي في غير محلها والتي تورد صاحبها المهالك، أو بالأصح تورد أصحابها المهالك في سبيل مصلحة أحمق مطاع آخر. الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشجعانِ...... هــو أولٌ وهـي المـقـامُ الثـانـي Mubarak.alhajri78@yahoo.com
20579
| 12 أغسطس 2021
جاء في الكامل لابن الأثير وفي تاريخ الطبري أنه لما خرج مسيلمة الكذاب، بعث النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً ممن هاجروا إليه وقرأوا القرآن وتفقهوا في الدين إلى اليمامة، وذلك لكي يكون معلّماً لأهلها ومشّغباً على مسيلمة الكذاب، ولكن الذي حدث أن هذا الرجل كان أكبر فتنة تعرض لها أهل اليمامة حتى قيل إنه لولاه لما قامت لمسيلمة الكذاب قائمة، وذلك لأنه ارتد عن دين الله وخان أمانة رسول الله وطمع بما في يد مسيلمة من الدنيا، حتى شهد كذباً وزوراً أن الرسول قد أشرك مسيلمة معه في الرسالة، فكان ذلك مما فتن الناس أشد فتنة فالتفوا حول مسيلمة حتى بلغ جيشه أربعين ألفاً. ذاك هو نهار الرَجّال (بالراء المفتوحة والجيم المشددة) بن عنفوة الذي انتكس على رأسه وانقلب على عقبيه بعدما من الله عليه بالهدى ودين الحق. وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جلست مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط ومعنا الرجال بن عنفوة، فقال: "إن فيكم لرجلاً ضرسه في النار مثل أحد، قال أبو هريرة فهلك القوم وبقيت أنا والرجّال فكنت متخوفاً لها من شدة عبادة الرجال واجتهاده حتى خرج الرجال مع مسيلمة وشهد له بالنبوة وقتل يوم اليمامة". والحقيقة أن موقف نهار الرجال هذا استوقفني كثيراً، لأنني والله عجبت كيف يرسله الرسول إلى مسيلمة الكذاب؟ ألا يعلم رسول الله على ما حباه الله من العلم أن هذا الرجل سيرتد ويكون هو أعظم فتنة على بني حنيفة؟ بل لماذا أصلاً قبله رسول الله من الأساس حينما جاءه مهاجرا؟ ألا يحق لي أن أتساءل؟ وما عساه يكون الجواب على أسئلتي؟. فيأتي الجواب من الصادق المصدوق نفسه عليه أفضل الصلاة والسلام تحديداً في غزوة تبوك لما سخر منه أحد المنافقين لضياع ناقته قائلا: أليس محمد يزعم أنه نبي، ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إني والله ما أعلم إلا ما علمني الله وقد دلني الله عليها، وهي في الوادي في شعب كذا وكذا وقد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها. إذن فالرسول عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب، ولا يعلم إلا ما علمّه ربه، لذلك فمن المؤكد أنه لم يعلم أن الرجّال بن عنفوة هذا سوف يرتد لاحقاً، وإلا لاتخذ معه الإجراء المناسب أليس كذلك؟، أو على الأقل لما بعثه إلى قومه بني حنيفة حتى لا يكون أكبر محرض لهم على الفتنة أليس كذلك؟. سبب وقوفي عند هذه الرواية عزيزي القارئ، أنني صرت أشاهد مؤخراً بعض السفهاء من أدعياء الحكمة ومدعيّ العلم وفقه الواقع، وهم والله إنما يهرفون بما لا يعرفون، ولماذا أقول عنهم ذلك؟، لأنك تجد أحدهم يشكك فيك انت (أيها العبد الفقير إلى عفو ربك) عندما ينقلب عليك أحدهم، وكأنه من المفروض عليك بل ومن الواجب أن تعلم الغيب، وإلا فأنت لست بقائد محنك ولست على حق من الأساس ولا تعرف شيئاً، وغير ذلك من التهم والحجج التي لا تنتمي لأرض الواقع بصلة!. ويا سبحان الله كيف تلتوي عقول البعض حتى يخيل إليك أنهم لا يعيشون معنا في هذا العالم عندما يطالبونك بالكمال الذي لا ينبغي أصلاً إلا لله وحده لا شريك له، فإن عجزت – وستعجز عن الكمال بالطبع لأنك بشر – فسيتهمك أولئك السفهاء بكل عيب ونقيصة! ما يجعلك تتساءل ألا يقرأ هؤلاء "المثقفون" السيرة النبوية؟، ألا يقرأون التاريخ؟، هل أصلاً يعيشون معنا في هذا العالم؟، حقيقة أن العجب منهم لا ينقضي ومهما حاولت إيجاد الأعذار لهم فلن تستطيع سوى أن تحكم عليهم أنهم إما بين جاهل مغيب لا يدري ما يقول، أو حاقد حاسد أخذته العزة بالإثم فاصطاد في الماء العكر كما فعل ذلك المنافق لما ضاعت ناقة الرسول. ولا تستغرب عزيزي القارئ عندما أتحدث إليك عن تلك النوعية من البشر، الذين لا يقبلون منك إلا الكمال أو سيرسلونك للمحرقة، لأنهم مع الأسف كثر بل وبعضهم موجودون بيننا. Mubarak.alhajri78@yahoo.com
12042
| 29 يوليو 2021
خطر بذهني أن التوقيت لاستعراض (أحسن القصص) قد حان. ولفت انتباهي أن المولى عز وجل قال قبل سرد القصة لنبيه الكريم فيها إنه كان من (الغافلين) وأتساءل عزيزي القارئ لماذا هذا اللفظ القرآني العجيب في بداية السورة؟ هل هو لشد انتباه القارئ؟ أم ماذا؟ والعجيب أيضا يا سيدي الكريم أنه عندما تتأمل هذه السورة تجد فيها ما لا يعد ولا يحصى من الدروس للقارئ (الفطن) اللبيب.. فمن ابتداء السورة بالرؤيا العجيبة التي رآها عليه السلام، إلى الحوار الطيب بين الابن وأبيه نرى المشهد القرآني وهو ينتقل في براعة لغوية معجزة إلى حوار إخوته بينهم عليه، وتآمرهم المشين الذي وصل بهم حد التصريح بقتله. ولم تقتلوه؟ قالوا (يخل لكم وجه أبيكم) هكذا بكل بساطة بسبب الغيرة. تلك الغيرة العمياء والحقد الأسود الذي أعمى بصائرهم حد الرغبة في القتل فضلّوا سواء السبيل فانظر إلى أين انتهى به وبهم الأمر. انظر معي ابتداءً لحال يوسف عليه السلام وتأمل، هل كان غافلا عن تآمر إخوته؟ هل من المعقول أنه لم يكن يعلم بغيرتهم منه؟ كيف لا يعلم وأبوه قد حذره من إخبارهم بالرؤيا فيكيدوا له كيدا؟ لقد كان المشهد واضحا له عليه السلام، فلماذا إذن وافق على الذهاب معهم في رحلتهم المشؤومة تلك؟ قد يقول أحدهم إنه بسبب صغر سنه أو أنه تدبير من الله تعالى وهذا وارد وقد يكون صحيحا لكني أقول إنه من الوارد أيضا أن يوسف الصدّيق عليه السلام (تعمّد) التغافل وتجاهل غيرة إخوته، لأنه كان يطمح إلى ما هو أعلى مقاما وأثقب رؤية فوافق على الذهاب مع إخوته في رحلتهم المشؤومة لعل قلوبهم أن تتصافى وترق له ولعل تلطفه معهم قد يزيل بعض ذلك الحقد الذي في صدورهم، ولا تستغرب عزيزي القارئ إن رأيت الأخ يغار من أخيه لأي سبب من الأسباب، فالأمثلة في واقعنا المعاصر أكثر وأوضح من أن أذكرها للقارئ الفطن الحصيف. لقد رأى يوسف أنه بمجاملة إخوته سيرقق قلوبهم ولكن امتطاء الشيطان ظهورهم وتحكمه في مشاعرهم أعمى أعينهم عن رؤية فرصة التصالح وأصبحوا لا يريدون أن يروا وجه أخيهم الذي أعطاه الله شطر الجمال، فانظر كيف صار الجمال قبحاً في أعينهم ولكنها لا تعمى الأبصار بل تعمى القلوب التي في الصدور ولا حول ولا قوة إلا بالله. انظر كيف انقلب كيدهم عليهم! وانظر كيف كان جزاؤهم وكيف حقّرهم القرآن أيّما تحقير فجعلهم يعترفون بضلالهم لما قالوا (وتكونوا من بعده قوما صالحين) وجعلهم يعترفون لأبيهم بكذبهم لما قالوا لأبيهم (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين)، ثم أنهم برغم تفاخرهم بأنهم عصبة، ألم تلحظ معي أنه من شدة احتقار القرآن الكريم لهم أن رفع ذكر يوسف وحده وطمس أسماءهم عن الناس؟ ألا ترى كيف جعلهم الله يفرحون بادئ الأمر بعصبتهم واجتماعهم على أخيهم ثم كيف أهانهم الله في منتصف القصة لما دخلوا من الأبواب المتفرقة فلم يعودوا عصبة؟ فهل نفع هذا الأمر معهم؟ هل ذهب عنهم صلفهم وغرورهم؟ أم أن الأمر مجرد حاجة في نفس يعقوب قضاها وكفى؟، لكن تأمل معي هذا الموضع كيف أنهم برغم امحالهم وفقرهم وطول السنين والفرقة بينهم وبين أخيهم إلا أنهم ما زالوا يكرهونه ويغارون منه حتى كذبوا عليه أمامه واتهموه بالسرقة حاشاه، وأتساءل هل يا ترى جاءت هذه الآية لنعلم أن طول المدة والزمان ليست كفيلة بجلأ صدأ القلوب؟ وكيف أن بعض القلوب الحاقدة لا علاج لها، أم أن هناك علاجا؟ وما هو ذلك العلاج ولكن انظر معي أولاً للحبيب يوسف عليه السلام ماذا كانت ردة فعله؟ (فأسّرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم) هل هي محاولة أخرى لعودة المياه لمجاريها؟ أم هو من التدبير الإلهي الذي صرح عن تمكين يوسف من قبل دخوله السجن؟ أم هو درس من القرآن بأن بعض الناس لن يتغير موقفه منك إلا إذا كان بموضع الإخوة في آخر القصة؟ أؤلئك الإخوة الذين لم ترق قلوبهم على أخيهم إلا بعد أن انهدمت أبراج غرورهم الفارغة وانهارت قلاع فخرهم الخاوية حتى جعلهم الله تحت أقدام يوسف لما سجدوا له في آخر القصة؟ سأتوقف هنا عزيزي القارئ حتى لا أثقل عليك ولأني على ثقة أن قراءة هذه السورة في هذه الأيام الفضيلة ستدخل إلى قلبك الرضى بحكم الله والإيمان بتمكينه ونصره ما دمت على الحق حتى لو وجدت نفسك وحيدا مرميا من قبل إخوتك في قعر بئر من الآبار في وسط الصحراء.. وفي يوسف في مصر للناس عبرة ** من القيد أضحى مالك الأرض والنفسِ Mubarak.alhajri78@yahoo.com
6319
| 15 يوليو 2021
تحدثنا سابقا عن بعض المثقفين الذين يحاولون حماية ما يحاولون حمايته (أياً كان ذلك) بأن يبنون حول أنفسهم هالة من «الهيبة العلمية»، إن جاز التعبير، فينخدع بهم البسطاء من الناس ويجدون لهم وجاهة في غير موضعها وهذا في الحقيقة من أقوى الأدلة وأوضحها على هشاشة بعض مثقفينا حتى لو زعم أحدهم أن العامة (بلا تبصر ولا بصيرة) نعوذ بالله من هذا الغرور الأعمى. إنك عندما تبحر في التاريخ تجد الخاصة أو ما يطلق عليهم «الملأ» أو «سراة الناس» وأحدهم لا يأنف عن التبسط للعامة، فلا أبراج عاجية ولا فقاعات إعلامية ولا هالات فارغة ولا شيء من هذا الذي نجده من البعض في أيامنا هذه. انظر مثلا لأحاديث الأصمعي ونوادره مع الأعراب وكيف كان يتبسط معهم حتى برع أيّما براعة في اللغة العربية. ولو سألتني عزيزي القارئ، فسأقول إنما منَّ الله عليه بالعلم لتواضعه في المقام الأول برأيي الشخصي. انظر أيضا إلى عامر بن شراحيل الشعبي الذي اختاره الخليفة الأموي الراشد عمر بن عبد العزيز قاضيا - لعلمه وفضله وحدة ذكائه – انظر إليه كيف اشتهر في الناس بخفة نفسه وتواضعه هو الآخر، والحقيقة أن الأمثلة على تواضع العلماء والمثقفين لا تنقطع لكثرتها، سواء في ثقافتنا العربية أو في غيرها من الثقافات، ولن أثقل عليك عزيزي القارئ بسرد المزيد من الأمثلة التي يعجز مقالي المتواضع عن حصرها. إن من يحيطون أنفسهم بهالة جوفاء إنما يلجأون لهذه الحيلة المثيرة للشفقة بسبب خوفهم الشديد، بل ولا أبالغ إن قلت إنه بسبب رعبهم من انكشاف فراغهم الفكري للناس فيسقطوا من أعينهم، لذلك فهم يعتقدون أنه لا بد لهم من هذا التحصن «المحزن» والتشدد فيما لا حاجة للتشدد فيه مثل المبالغة في التعلق باقتباسات لبعض مشاهير الفلسفة في العصر الحديث في محاولة بائسة يائسة لإرسال رسالة للقارئ بأن هناك رابطا بينه وبين الفيلسوف المشهور، فتجد أحدهم دائم الاقتباس لهيغل مثلا أو نيتشه أو غيرهما من الفلاسفة برغم أن هيغل نفسه قال قبل موته «إنه لم يفهمه أحد»، وأما نيتشه فقد شوهد في آخر حياته يتكلم مع حصان في أحد شوارع تورينو الإيطالية ! أنا لا أقصد هنا الاستهانة بأي قلم أو أي فكر لأي كاتب ومفكر من أي خلفية ثقافية أو أي عصر، لكن يجب أن نبين للناس أن هذا التحصن والاحتياط المبالغ فيه من بعض أدعياء الثقافة ليس له أساس ولا أصل ولا يمتّ للثقافة بصلة، بل إنما هو مجرد انطباق عجيب لبيت حسان بن ثابت في هجاء أبي سفيان لما قال عنه «فأنت مجوّفٌ نَخِبٌ هواءُ»، وهو والله ما يخطر في ذهني كلما رأيت متقعرا متنطعا في كلامه، بل بلغ الضعف والهشاشة بأحدهم ممن شاخ سنه، وباخ فنّه، وشح علمه، وبح فهمه، أن اقتبس بكل جرأة - مضحكة – جزءًا من حوار لفيلم «ساحر اوز» عندما قال «أغمضي عينيك واضربي كعبيك ببعضهما ثلاث مرات وفكري بقوة (لا يكون المرء بخير إلا في وطنه)» ثم ذيّل اقتباسه المضحك هذا باسم الكاتب فيكتور فليمنغ، ولا أدري حقا هل انتهت الاقتباسات الجميلة في سائر الثقافات حتى نلجأ لمثل هذه الركاكة والبهرجة الزائفة لنبين للناس أننا مثقفون؟ لسنا بصدد الوصاية على عقول أحد يا سادة تماما مثلما لا نقبل الوصاية على عقولنا، لكننا ببساطة نقول لأنصاف المثقفين... من تواضع لله رفعه. تواضع تكن كالنجم لاح لناظرٍ على صفحات الماء وهو رفيع ولا تكن كالدخان يعلو بنفسه على طبقات الجو وهو وضيع Mubarak.alhajri78@yahoo.com
5944
| 08 يوليو 2021
في حوالي سنة 500 للهجرة وفي أوج عز الدولة المرابطية الشامخة حدث تطور خطير جدا على مشهد الأحداث لا يمكن تجاوزه دون الوقوف أمامه طويلا والتفكر العميق في أبعادها وتأثيراتها على واقع الدولة والشعب وما يمس حياتهم بشكل مباشر وصريح. وإنه والله لمن أشد دواعي التعجب هو رؤية ذلك الأمر يحدث على مرأى ومسمع من الجميع بلا استثناء دون إنكار إلا من صوت خافت هنا وهناك يسبح عكس التيار العام ففقد تأثيره فكانت النتيجة المحتومة على واحدة من أعظم امبراطوريات التاريخ. كان ذلك الحدث تحديدا هو اتساع الفجوة الثقافية بين العامة والخاصة، وأعني بذلك علماء الدولة المرابطية الشرعيين وكتابها ومثقفيها ومما يعدهم الناس من النخبة في أيامنا هذه. كان علماء الدين واللغة والأدب وغيرهم في تلك الحقبة قد انشغلوا بقضايا كلامية تفصيلية لم تكن ذات أولوية حقيقية في حياة الناس، فكانوا منهمكين في تفصيلات إن لم تعرفها لن تضرك. كأن يعقدوا المناظرات العميقة المطولة حول بعض القضايا الجانبية مثل وضع اليد أثناء الصلاة، هل توضع على البطن؟ أم على الصدر؟ وإذا كانت توضع على الصدر فأين توضع؟ وكيف توضع؟ أو يتناقشون مثلا حول حركة السبابة في التشهد. هل ترفع من بداية التشهد؟ أم متى؟ وكيف ترفع السبابة؟ هلى ترفع بحركة دائرية أم بطريقة متقطعة وهل كانت سريعة أم بطيئة وغير ذلك من الأمور التي يطول شرحها ولا مردود ثقافي محسوس ومباشر لها. طبعا لا يخفاك عزيزي القارئ الفطن أن هناك من اقتنص هذه الفرصة الذهبية ورمى بها علماء الدين فقط وغفل أو تغافل عن الفلاسفة المهرطقين والدجاجلة السفسطائيين الذين يتحدث أحدهم بالساعة والساعتين ولا تكاد تفهم من كلامه شيئا وإذا فهمت فلن تخرج بشيء ذي قيمة أو فائدة. كأن يزعم أحدهم أن الإنسان مثلا عبارة عن مخلوق متزمن (نسبة للزمن) عندما تواجهه ببعض الأسئلة البسيطة والمباشرة التي يكون فهمها من أساسيات العقل والمنطق السليمين، ولكنك تجده يتقعر ويتنطع ويتمطع في الإجابة فلا تستفيد منه شيئا إلى أن تتركه وترغب أنت عنه لعلمك أنه تحول هو من مخلوق متزمن لمخلوق متزمت بما هو فيه من عجائب لا يعلمها إلا الله. ولن أثقل كاهلك عزيزي القارئ بالمزيد من الأمثلة لكن يكفي أن نشير هنا إلى أن هذه النوعية المتنطعة من أنصاف المثقفين يتكرر وجودها في كل زمان ومكان ويجب الحذر منها أشد الحذر فمن قبلهم يؤتى المرء ومن ناحيتهم يأتي الخطر. طبعا كانت النتيجة الطبيعية لهذا التنطع هو عزوف العامة من الناس عما في يد الخاصة من العلم. واستمرار الخاصة في التحصن المضحك في أبراجهم العاجية التي صنعوها لأنفسهم، ولا أدري هل كان أولئك الخاصة يعرفون أن الرسول عليه أفضل الصلوات والسلام كان لا يخير في أمرين إلا اختار أهونهما؟ ألا يعرفون أنه كان يقول الكلمة فيفهمها كبار علماء الصحابة ويفهمها الأعرابي البسيط؟ إن كانوا يعرفون فتلك والله مصيبة تعظم على مصيبة جهلهم عنها، لأن معرفتهم بها لا تعفيهم من مسؤولية الإجابة والإفصاح عن سبب هذا التقعر والتنطع؟ هل هو أسلوب دفاعي ليغطي أحدهم بها سوءة عقله؟ هل بلغ بهم الحد إلى هذه الدرجة من الضعف أن لا يستطيع معها التنازل عن «مكتسباته الثقافية» إن جاز التعبير وينزل من برجه العاجي الوهمي هذا ويجلس بكل بساطة وتواضع مع الإنسان العادي ويخاطبه بما يستحق كلاهما من الاحترام المتبادل حين يحترم العالم حدود معرفة غير العالم فلا يثقل عليه بما لا يطيقه أو ما لا يرغب به من غريب المنطق تماما مثلما احترمه غير العالم لعلمه؟. إن المثقف الحقيقي يا سيدي الفاضل هو ابن بيئته فلا يتخفى خلف «برستيج» كاذب ليواري جهله المركب، بل يخاطب الناس بصدق وأمانة وينشر الوعي في المقام الأول قبل أن يبحث عن شهرة زائفة لا طعم لها ولا لون ولا رائحة. طبعا لا يفوتني أن أقول إن تلك الطبقة من الخاصة كانوا أهم أسباب سقوط الدولة المرابطية لأن وجودهم فيها أعطى أعداء الدولة كل ما يحتاجون من ذخيرة معرفية للالتفاف على عقول العامة الذين تكبر عليهم علماؤهم فلم ينفعوا أنفسهم ولم ينفعهم هم برستيجهم. Mubarak.alhajri78@yahoo.com
6833
| 01 يوليو 2021
لما استلم أبوالمطرّف، عبد الرحمن الناصر مقاليد الحكم في إمارته التي كانت صغيرة وفقيرة في مدينة قرطبة، بدأ من فوره في العمل على تأسيس وتأصيل النزعة الإسلامية العربية فيها. فبدأ من داخل قرطبة بتعيين الكفاءات في المناصب المهمة وأحاط نفسه بالشرفاء المخلصين ورفع من قدر العلماء وركز على انتشال مملكته من الفقر والضعف، وقد نجح في ذلك نجاحا باهرا في المجالين السياسي والاقتصادي إلى أن اضطره الخونة اضطرارا مع الأسف الشديد ان ينجح ويهزمهم في المجال العسكري أيضاً، حتى لو لم يكن يرغب هو بذلك، وليت شعري هل من عاقل يريد ما أرادوا؟ لقد وجد هذا الأمير بعد استلام دفة الحكم نفسه في موقف صعب جداً حين وقعت إمارته تحت الحصار من كل الجهات. الأولى هي ثورة عمرو بن حفصون (الذي ارتد عن الإسلام فيما بعد وسمى نفسه صمويل) ووضع يده في يد أعداء الأمة وضيق على المسلمين في الأندلس إلى أن هلك لاحقا لا رحمه الله ولا غفر له. والثورة الثانية كانت في مدينة طليطلة التي تقع الشمال من قرطبة ولا يهمنا ذكر اسم حاكمها النكرة الذي تربى في أحضان الجواري والغانيات، ثم كانت هناك دولة أخرى تقع في سرقسطة بعيدا عن قرطبة، ولكن يبدو أن حاكمها كان مساهما في الأحداث طمعا في الغنائم فقط وإلا فهو بعيد عن عبدالرحمن الناصر جغرافيا، فأراد أن يغنم مع المعتدين إن غنموا. وإما ان خسروا فلن يهمه امرهم لبعده الجغرافي والديموغرافي عنهم. وآخرا وليس أخيرا كان هناك طرف آخر قوي لا يستهان به يقبع في جهة الغرب من قرطبة هو عبدالرحمن الجلّيقي وبالرغم من كونه مسلما شجاعا إلا انه مع الاسف الشديد شارك هؤلاء الخونة في حصار قرطبة ولكن من فضل الله عليه وعلى الأمة كلها ان انتهى الأمر بينه وبين البطل عبد الرحمن الناصر بالصلح والتأم شمل المسلمين. وتأمل معي موقف عبدالرحمن الناصر رحمه الله في تلك الظروف القاهرة لتعرف أن ترددي عن التطرق له سابقا لم يكن والله إلا إجلالا لهذا الطود الشامخ خشية ألا اوفيه بعض حقه، وحياء من الله ان اقصّر في ذكر فضائل هذا الرجل حتى ولو كانت سيرته وقعت قبل مئات السنين، وحفظها لنا التاريخ بحروف من نور ولو رغمت معاطس أعدائه. لقد كان من المتوقع من هذا الأمير المحاصر ان ينشغل طبعا بمن حاصروه ويحاول انقاذ نفسه والتخلص من تبعات ذلك الحصار الخانق ولن يلومه أحد لو فعل هذا لكن الأمر المذهل العجيب الذي يجبر المرء أن يقف فاغراً فاه من شدة العجب، والاعجاب، والتعجب هو بالرغم من كونه محاصرا، الا انه لم ينسَ إطلاقاً إخوانه المسلمين في الرقعة الضيقة الواقعة في الشمال الغربي من البلاد حين هاجمهم المحتل الغاشم ملك ليون أردونيو الثاني. فتجد هذا البطل يقاتل من أجل إخوانه بما استطاع حتى من عليه الله عز وجل وهزم اعداءه واحدا واحدا واسقطهم كلهم من ذاكرة التاريخ. ولا اخالك تستغرب يا سيدي الكريم زعم بعض الجهلاء من أعدائه ان الأمير لم يلتفت لنداء اخوانه المحاصرين إلا لأنه يريد ان يستميل عواطف المسلمين و"يدندن" على وتر المشاعر الاسلامية، ولا يدري الحمقى انهم بزعمهم السخيف هذا قد اعترفوا للتاريخ بسيادة الأمير الشهم عليهم، وإلا إذ لماذا ينتقدونه ولم يفعلوا نفس فعله؟ والجواب لأنهم يعرفون أن لا أحد سيصدقهم، إذ كيف تهتم بشأن المسلمين بينما أنت من يحاصرهم في نفس الوقت؟ فلذلك لجأوا إلى الدسائس والإشاعات ما جعل من ذكرهم مسخرة للعالمين وأذلهم وأذهب ريحهم. ورحم الله أبو الطيب حين قال: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه...... وصدّق ما يعتاده من توَهُمِ Mubarak.alhajri78@yahoo.com
6708
| 24 يونيو 2021
دخل رجل إلى عبدالرحمن الداخل رحمه الله، فطلب منه أمراً أمام الناس، فما كان من الأمير الشهم إلا أن قضاه له، ثم قال له يوصيه بوصية ذهبية حفظها لنا التاريخ قائلا: "وإذا ألم بك خطب أو حزبك أمر فارفعه إلينا في رقعة لا تعدوك، كيما نستر عليك، وذلك بعد رفعك لها إلى مالكك ومالكنا عز وجهه بإخلاص الدعاء وصدق النية". فانظر وتأمل معي إلى ذلك الجيل الذهبي يا سيدي الكريم، واعقد المقارنة التي تريد أن تعقدها ثم قم بقياس الفارق بين من قارنت ذلك الجيل به، ثم احكم انت بنفسك بكل هدوء وروية وتجرد. أمّا لو سألتني شخصياً، فأنا واثق مثلك تماماً يا عزيزي القارئ الفطن أن هذا الرجل الذي دخل على عبدالرحمن الداخل، لم يجاهر بحاجته هكذا أمام القاصي والداني لكي يلوي ذراع الأمير ويحرجه فيضطر لقضاء حاجته، ولم يفعل ذلك، والناس تعرف أميرها وتعرف أخلاقه. لكن المسكين جاهر بطلب حاجته بسبب جهله وطيشه وقلة عقله وضعف حكمته فقط لا غير، لذلك انظر معي وتأمل كيف كان القائد المحنك والمربّي الفذ "عبدالرحمن الداخل" رحمه الله يربي الناس على أن يرفعوا حاجتهم في البداية لرب العالمين سبحانه وتعالى، ويربيهم أن الله سبحانه وتعالى يملكهم جميعاً، ويربيهم أن يرفعوا حاجاتهم الخاصة في رقعة أي في كتاب، فيستر عليه الأمير ولا يشمت أعداءه فيه. وهذا هو المطلب والمراد والمقصود، وإن تعجبت يا عزيزي القارئ من مجاهرة الرجل بضيق حاله وضنك عيشه واحتماله أمور الحياة التي خلق الله الإنسان فيها في كَبَد (أي في جهد وتعب)، فسوف يقول لك قائل إن هذا حق من حقوق ذلك الرجل أن ينفس عما في نفسه ويقول ما يعتمل في صدره، وهذا صحيح ولكني بنفس الوقت أتساءل: هل من حقه أيضاً أن يُشمت به أعداءه؟، وهل من حقه أن يمنحهم مادة دسمة ليتندروا عليه ويسخروا منه؟، هل كان هذا هو هدفه وغايته؟ بالتأكيد لا. وأنا بدوري الآن أسألك عزيزي القارئ ماذا كنت ستفعل لو كنت مكان ذلك الرجل الذي ضاقت به السبل؟، فهل ستأخذ بنصيحة الأمير عبدالرحمن الداخل وتستر على نفسك وتقضي حاجتك وتقترب خطوة - ولو بسيطة - من الجيل الذهبي للمسلمين حينما سادوا الأرض؟، أم هل ستهيم في شوارع قرطبة تشكو بثك وحزنك إلى الناس بشكل لا تنجو فيه إما من شماتة شامت، أو إسعاد حاسد، أو خدمة حاقد ومتربص؟. فان كنت تريد النصح والخير للناس جميعاً فنحن معك ونشد على يدك بالنصح الصادق المنصف البناء، لأننا جميعاً نريد الخير للجميع تماماً بنفس القدر الذي لا نريد معه أن نمنح المتربصين بنا - وهم كثر- فرصة الشماتة على طبق من ذهب. وانظر أيضاً إلى أدب ذلك الرجل ومروءته عندما خاطب الأمير عبدالرحمن الداخل بحاجته الشخصية، فهو لم يزعم أبداً أنها حالة غيره من الناس، بل تكلم عن نفسه فقط، لأن تعميم الحالات الخاصة وسحبها على جميع أفراد المجتمع ليس من العدل في شيء وقد يؤخذ على غير مأخذه مما لا يخدم مروءة الرجل بالشكل الذي يريده. نحن جميعاً نعرف أن المظلمة والحق الشخصي شيء والاهتمام والانشغال بما يصلح أمور الناس شيء آخر، ولكن قل لي بربك متى كان الاهتمام بشؤون العامة يقتضي أن ينشر المرء "غسيله" على رؤوس الأشهاد؟، ومنذ متى كان النصح يأتي على هيئة شكوى؟. إن المتأمل لتفاصيل الماضي التليد لن يخلو من فائدة أو درس يفيده في حياته أكثر مما كان يريد هو لنفسه. وَلِلنَفسِ أَخلاقٌ تَدُلُّ عَلى الفَتى أَكانَ سَخاءً ما أَتى أَم تَساخِيا Mubarak.alhajri78@yahoo.com
7256
| 17 يونيو 2021
عندما تضرب الهزيمة النفسية بأنيابها في جسد أي شعب من شعوب الأرض، فلن ينقذهم من الهلاك والدمار شيء قبل أن يغيّروا ما بأنفسهم، وهذه من سنن الله الثابتة في أرضه والتي تنطبق على كل عباده. ففي نهاية سنة 1591 ميلادية وصلت سفن القائد الإسباني (كورتيز) إلى سواحل خليج المكسيك غازياً على رأس قوة صغيرة إلا أنه حقق الأعجوبة والمعجزة بأن حطم واحدة من أكبر الامبراطوريات على وجه الأرض بتعداد سكان بلغ حوالي 5 ملايين نسمة منتشرين في ما يقارب الأربعمائة قرية ومدينة تحكمها جميعاً عاصمة أسطورية (تينوشتيتلان)، والتي بنيت على جزيرة اصطناعية يتوسطها هرم كبير شاهق في واحدة من أعاجيب الدهر المندثرة لشعب وحضارة (الأزتك) العظيمة. فكيف تمكنت قوة صغيرة تافهة من القضاء على امبراطورية عملاقة وشعوب قوية وكثيرة وتحيط بهم من كل جانب؟ والحقيقة أن كورتيز هذا كان مرتزقاً حقيراً تافهاً ولم يكن بالقائد ذي الشأن العظيم، ولكن الجواب يكمن في الانهيار النفسي والعقائدي الذي كان (الأزتك) يعيشونه في تلك الفترة. كانت حضارة الأزتك قد بلغت شأناً عظيماً في الحضارة والتطور، فبرغم عدم معرفتهم باستخدام معدن الحديد بشكل واسع، وبرغم انعزالهم عن باقي العالم القديم وأوروبا والعالم الإسلامي المتطور، إلا أنهم تمكنوا من بناء أهرامات تعتبر أعجوبة في فن الهندسة المعمارية وكذلك شبكة طرق معقدة تربط الامبراطورية المترامية، التي تبلغ في مساحتها مساحة انجلترا وفرنسا وإسبانيا مجتمعة، وكذلك طوروا حساباتهم الفلكية فكان لهم تقويم سنوي من 365 يوماً ساعدهم على ازدهار الزراعة في أرضهم الخصبة بالإضافة إلى تطورهم التجاري والصناعي والسياسي، وكانوا أيضا شعباً شجاعاً يقدرّون الشجاعة والشجعان ما ساهم في اتساع حدود الامبراطورية العظيمة على حساب أعدائها واستمرّوا في هذا العلو والصعود والتمكين في الأرض حوالي مائتي عام حافلة بالإنجاز والتطور والحروب والبطولات والفن والفلسفة وغيرها. ولكن في أواخر أيام الامبراطورية الوثنية، تنبأ كهنة الأصنام بعودة إله الشر(كيتزال كوتل) - الذي كانوا يصورونه على شكل أفعى يكسو جسمها الريش- والذي نفته بقية الآلهة وطردته من مدينتهم المقدسة فتوعد بالعودة والانتقام بجيش من باطن الأرض ليقضي على كل أشكال الحياة بحسب الأسطورة الازتكية الغريبة. أبلغ الكهنة هذه الرسالة المرعبة للامبراطور (مونتيزوما) أو (موكتيكزوما) ما أصابه بالحيرة والخوف في آن واحد، إذ لم يخطر له على بال أن يكون هو الامبراطور الأخير على وجه الأرض على حد علمه، وفي هذه الأثناء وبينما هم في حيرة ويأس لتفسير هذه النبوءة المشؤومة، وصلت إلى الامبراطور تقارير مرعبة جعلته يرتجف من شدة الخوف على عرشه الامبراطوري، ويقتنع أنها النهاية المحتومة بدون أدنى شك، وذلك حين تواترت إليه تقارير أخرى أن (جبالا عائمة) وصلت إلى شواطئ الامبراطورية، وكانت تلك هي البوارج الحربية الإسبانية، التي جاء عليها كورتيز ورجاله، ولأن الازتك لم يعرفوا تلك الصناعة اعتقدوا أن السفن جبالا عائمة لضخامة حجمها. ثم إن التقارير استمرت بالتوالي مفيدة بأن تلك الجبال انشقّت وانفرجت عن (آلهة) غربية كان سلاحهم من حديد ولباسهم من حديد ويبلغون طولاً عظيماً يبلغ ضعف حجم الإنسان العادي، ويمشي أحدهم على أربعة قوائم غير يديه التي تطلق نيران فتاكة لها أصوات أقوى من الرعد فتقتل أقوى الرجال في غمضة عين. طبعاً كان ذلك الوصف للفرسان الإسبان وبنادقهم، ولأن الازتك لم يكونوا يعرفون الخيول ولا البنادق اعتقدوا أن الفارس والفرس كائن واحد وكانوا يظنون البنادق أسلحة إلهية لا يمكن مجابهتها بأي شكل من الأشكال. وهكذا وبالرغم من كون الأزتك أكثر عددا وعدة وأعرف بمداخل الأرض ومخارجها، لكن ولشدة انهزامهم النفسي وإحباطهم الشديد سارعوا بتقديم فروض الولاء والطاعة بل وصل الأمر ببعضهم إلى حد عبادة هذه الآلهة التي لا تقهر حتى أنهم سلموا عاصمتهم المقدسة بدون حرب لشدة ما استقر في نفوسهم من رعب كان أساسه خرافة لا مصداقية لها. وأتساءل عزيزي القارئ، هل لو خرج فيهم رجل وعارض وجود هذه (الآلهة) المزعومة وقاتلها حتى لو قدم نفسه وماله وأهله في سبيل معتقده بل في سبيل أرضه، وحتى لو اتهمه كهنة الأزتك بالهرطقة والكفر وحاربوه وقاوموه وانضموا مع آلهتهم المزعومة ضده، الم يكن التاريخ سيخلّد اسمه كبطل وينسى أسماء كهنة المعبد؟. فما بالنا نكاد نرى أشباه أولئك الكهنة حولنا؟ Mubarak.alhajri78@yahoo.com
6457
| 10 يونيو 2021
هل تعلم عزيزي القارئ أن نصر المسلمين في حطين لم يكن نهاية للوجود الصليبي في الشام؟ وهل تعلم أن نصر المسلمين في عين جالوت لم يدمّر دولة المغول المتوحشة؟ وكذلك الحال أيضا مع معركة اليرموك فهي لم تقض على دولة الروم بمجرد نصر المسلمين في معركة واحدة، وغيرها الكثير من المعارك مما لا يسع المقام لحصرها، لكن يمكن استنباط بعض التقاطعات والتشابهات في كثير من حيثيات هذه المعارك. وقد يعجب البعض من هذا وحق لهم ذلك، بل إن أول ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر هذه المعلومات هو التساؤل بأنه طالما ان هذه المعارك لم تحرر تلك الأراضي أو تدمر تلك الدول فلماذا هذا الاحتفاء التاريخي الكبير بها؟ ولماذا رسخ في أذهاننا أن هذه المعارك هي من عصور تشبعت بالبطولة التي لا نجدها الآن، وغير ذلك من الأسئلة التي يعتقد البعض انها منطقية ولكنها في واقع الامر ابعد ما تكون عن المنطق. وقبل أن نفند هذا الأمر ونصل بالقارئ الكريم إلى جوهر ولب هذا المقال يجب ان اذكر سريعا أن بين معركة حطين التي وقعت منتصف عام 1187 ميلادية ونهاية الوجود الصليبي في منطقة الشام ما يزيد قليلا على 100 عام عندما انتهى وجودهم العسكري فعليا بخروج آخر جندي صليبي من عكا على يد السلطان المملوكي الأشرف خليل رحمه الله عام 1291 ميلادية، لكن كلنا يعرف ان معركة حطين كانت نقطة الانقلاب في موازين القوى العسكرية وكانت هي الحد الفاصل بين النصر المعنوي والهزيمة النفسية التي يعيشها المسلمون. كذلك كان الأمر في معركة عين جالوت، فهي لم تدمر دولة المغول كما يعتقد البعض لكنها حطمت اسطورة (الجيش الذي لا يقهر) وادخلت الأمبراطورية المرعبة طور الضمور والانحلال حتى انهارت بالكامل عام 1294 بوفاة قوبلاي خان وتفكك الامبراطورية الضخمة إلى خانات صغيرة لم تلبث حتى اضمحلت وذابت ثم طواها النسيان كأن لم تكن، وكان بين عين جالوت وسقوط امبراطورية المغول اكثر من ثلاثين سنة، والعكس ايضا صحيح فبين معركة الزلاقة وسقوط الأندلس ما يقارب المائتي عام أو يزيد وهكذا. وذلك لأن انهيار المنظومات الحاكمة والكيانات الغاصبة أو حتى الشرعية لا يشترط بالضرورة ان يقع مباشرة في اليوم التالي لتعرضها للهزائم الكبرى، بل تكون هذه الهزيمة هي نقطة التحول العظيمة وانقلاب موازين القوى وانتهاء خرافات الجيوش التي لا تقهر والأهم من هذا كله هو اكتساب النصر المعنوي للمسلمين وانتقال الهزيمة النفسية من صفوف المسلمين إلى صفوف أعدائهم. ويجب أن نعلم أن نقاط انقلاب الموازين هذه تسبقها شروط ثابتة تكرر في كل مرة وكأن التاريخ فعلا يعيد نفسه كما قال ابن خلدون وأصدق منه قولا هو انها سنن الله الثابتة في أرضه ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا. إذ يجب لهذه التغيرات من فترة لتنضج وتعطي نتائجها المطلوبة والتي قد تطول في فترات وقد تقصر في أخرى بحسب الأوضاع حينئذ والظروف التي تختلف من زمن لغيره ومن وضع لآخر. وإني حقا لأعجب ممن يريد لدولة ما أو كيان معين ان ينهار بعد حرب واحدة فقط وبشكل فوري ومباشر فإن لم يحدث ما يريد اعتبر الأمر كله فاشلا وتعاميا عن نور النصر الساطع الذي رأه الأعداء قبل الأصدقاء، واتساءل حقا هل هؤلاء يعيشون معنا في كوكبنا هذا؟ أم هل يعيشون في كواكب أخرى تحكمها سنن إلهية مختلفة عما نعرف؟ أخيرا لابد من ذكر أن معارك حطين وعين جالوت وبدر الكبرى ووادي برباط وغيرها من معارك تحول القوى العسكرية وقعت كلها في شهر رمضان المبارك، صحيح أنها لم تقتلع كيانات الاعداء من جذورها لكنها كانت نقاط تحول كبرى في تاريخ الامة بل في تاريخ العالم بأسره، فهل تعرف معارك اخرى مشابهة وقعت في شهر رمضان المبارك حتى وان لم تقتلع منظومة حاكمة من جذورها كما يريد البعض يا عزيزي القارئ الفطن؟ اترك الجواب لك Mubarak.alhajri78@yahoo.com
6423
| 03 يونيو 2021
في سنة 638 هـ قام حاكم دمشق الصالح اسماعيل بتسليم أحد الحصون المهمة للصليبيين، لأنه كان يخشى على ملكه من الملك الصالح أيوب في مصر، وسمح الخائن اسماعيل للصليبيين بشراء السلاح من دمشق والاستعداد لحرب المسلمين في مصر، في واحدة من اكبر خيانات الدهر، الامر الذي شق على العالم الجليل فلم يصبر على هذه الخيانة، فأفتى للناس انه يحرم عليهم التجارة مع الصليبيين لأنهم يعرفون انهم ما اشتروا السلاح الا لقتال المسلمين في مصر. ثم صعد منبر المسجد الأموي، وذمَّ موالاة الأعداء، وقبّح الخيانة، وشنّع على السلطان، وصار يدعو أمام الجماهير بما يوحي بخلعه واستبداله. وكذلك فعل ايضا الشيخ أبو عمرو بن الحاجب شيخ المالكية آنذاك، فقام "الخائن" اسماعيل (ولن أقول الصالح اسماعيل) بسجنهما مدة، ثم اطلقهما بسبب الضغط الشعبي المتزايد، ولكنه الزمهما بالاقامة في منازلهما ثم ان الشيخين خرجا من دمشق فذهب ابو عمرو الى الملك الناصر داود في الكرك، أما الشيخ الجليل والعالم الكبير فتوجه الى مصر، لما اراد الله ما فيه خير وصلاح هذه الامة ولو كره المبطلون. ذاك هو شيخنا عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن محمد بن المهذب، الشيخ عز الدين أبو محمد السلمي الدمشقيُّ الشافعيُّ رحمه الله واعلى قدره، وقد اطلق عليه لقب "سلطان العلماء" تلميذه الاول ابن دقيق العيد رحمهما الله تعالى، وقال عنه الامام الذهبي: "بلغ رتبة الاجتهاد، وانتهت إليه رئاسة المذهب، مع الزهد والورع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصلابة في الدين، وقصده الطلبة من الآفاق، وتخرّج به أئمة". وفي مصر قام الملك القوي صاحب الهيبة الشديدة الصالح ايوب، رحمه الله، باستقبال العز بن عبد السلام احسن استقبال، فأكرمه واحترمه وولاه خطابة القاهرة، وهذا من صلاح الملك الصالح ايوب رحمه الله، والذي من هيبته كان بعض الامراء في مجلسه يقولون: والله اننا دائما نقول لن نخرج من مجلس الصالح ايوب الا الى السجن ولن يستطيع احد ان يكلمه لشدة هيبته وقوة شخصيته. ولكن مع هذه الهيبة والصرامة الا ان سلطان العلماء لم يتردد في الانكار عليه، ان رأى ما يجب انكاره، فلم يكن عليه رحمة الله من شاكلة بعض علماء السلطان الذين تتغير فتاواهم بتغير سلاطينهم، عليهم من الله ما يستحقون. ولا يمكن ذكر سلطان العلماء بدون ذكر موقفه الشامخ الباذخ في حرب التتار وفتواه العجيبة والبلد مقبلة على الحرب مع اقوى وأعتى قوة على وجه الارض. حيث انه لما اراد الملك المظفر قطز فرض ضرائب على اهل البلد لتجهيز الجيش رفض ذلك العز بن عبد السلام، وانظر معي لتعرف الموقف وقتها. فقطز لم يستلم مقاليد الحكم الا من اشهر قليلة، ولم يتمكن من احكام قبضته على موارد الدولة المالية بعد، وبنفس الوقت فالمغول على الابواب قد اجتثوا الخلافة العباسية، وتسلّطوا على المسلمين حتى كادوا يفنون هذا الدين وأهله، فمن يلوم قطز ان اراد ان يجمع الاموال بأسرع طريقة؟ ولماذا؟ لكي يصرفها في الجهاد في سبيل الله وليس لنفسه؟. لكن شيخ العلماء الذي لم يجامل سلطانا من قبل أصدر فتواه الشهيرة قائلا: إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم كلهم قتالهم يعني: كل العالم الإسلامي وجب عليه أن يقاتل العدو؛ لأنه احتل بلداً من بلاد المسلمين، فتعين الجهاد عند ذلك، ولم يصبح فرض كفاية، ولكن أصبح فرض عين. ثم يقول: وجاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على جهازهم - يعني: فوق الزكاة - بشرطين: الشرط الأول: ألا يبقى في بيت المال شيء، فإذا استنفدت أموال الدولة وفنيت في تجهيز الجيش جاز فرض الضرائب بالقدر الذي يسمح فقط بتجهيز الجيش لا أكثر من ذلك. الشرط الثاني: أن تبيعوا ما لكم من الممتلكات والآلات، ويقتصر كل منكم (ايها الامراء) على فرسه وسلاحه وتتساووا في ذلك أنتم والعامة، وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي قادة الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا. نحن لا نريد عامة تشغب على ولاة امورها بدون علم، كل ما نرجوه هو ظهور أمثال هذا الشيخ ممن ينصحون بصدق فيستجيبون لهم فيتحقق النصر بإذن الله. نحن لا نريد علماء سلطان.. بل نريد سلطان علماء. Mubarak.alhajri78@yahoo.com
6692
| 27 مايو 2021
في إحدى ليالي شوال الباردة في السنة الخامسة من الهجرة وفي ليلة مظلمة حالكة السواد من ليالي غزوة الخندق العصيبة حين كان النبي والذين معه محاصرين من قبل قريش واحلافها في عشرة آلاف مقاتل وهو جيش لم يجتمع للعرب مثله، نقض بنو قريظة العهد، وارتكبوا الخيانة العظمى واشتد الأمر على المسلمين والم بهم من الخوف ما الله به عليم، وانظر الى الوصف القرآني لحال المسلمين فقال جل من قائل: (إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) ولكن الله إذا أراد شيئا يسّره، ففي هذا الظرف الدقيق تقدم رجل من غطفان إلى رسول الله معلنا اسلامه في توقيت لا يمكن توقعه على الاطلاق، وقال رضي الله عنه: يا رسول الله اني قد أسلمت ولم يعلم قومي بإسلامي، فمرني بما شئت فقال عليه الصلاة والسلام: "إنما أنت فينا رجل واحد وماذا عسى ان تفعل؟ ولكن خذّل عنا ان استطعت فإن الحرب خدعة" فقال: سترى ما يسرك بإذن الله" ذاك هو نعيم بن مسعود الأشجعي الغطفاني، فانظر ماذا فعل رجل واحد بعشرة آلاف. توجه نعيم بن مسعود من فوره إلى بني قريظة وكان نديما لهم، وقال لهم: يا بني قريظة، تعرفون ودي لكم وخوفي عليكم وإني محدثكم حديثا فاكتموه عني، قالوا: نعم، فما أنت عندنا بمتهم فقال: إن قريشا وغطفان قد بدأوا بالضجر من هذه الحرب وهم هنا إن رأوا فرصة اغتنموها وإلا انشمروا الى بلادهم عنكم، فإن هم فعلوا فوالله لينتقمن محمد منكم اشد الانتقام، قالوا: صدقت، فما الرأي عندك؟ قال: الرأي عندي ألّا تقاتلوا حتى تأخذوا طائفة من أشرافهم رهائن عندكم فتضمنوا ألا يتركوكم وحدكم إلى ان تنتصروا عليه او يفنى آخر رجل منكم ومنهم، فاستحسنوا رأيه وقالوا: قد أشرت بالرأي. ثم خرج من فوره إلى أبي سفيان بن حرب في مجلسه، وقال له ولمن معه: يا معشر قريش، قد عرفتم ودي لكم وعداوتي لمحمد وإني قد بلغني أمر فرأيت على حقا ان اخبركم به ولكن اكتموه عني، فقالوا: نفعل، قال: تعلمون اني نديم لبني قريظة منذ زمن واني علمت انهم قد ندموا على نقضهم عهد محمد ومن معه وقد ارسلوا اليه اننا قد ندمنا، فهل يرضيك ان نأخذ لك من القبيلتين من اشرافهم اناسا تضرب اعناقهم، ثم نكون معك على بقيتهم حتى نستأصلهم فأرسل اليهم ان نعم، فإن جاؤوكم يهود يريدون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا لهم رجلا واحدا، فقال ابوسفيان: نعم الحليف انت. ثم ذهب الى غطفان وقال: يا غطفان، انكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلى ولا أراكم تتهموني، قالوا: صدقت ما انت عندنا بمتهم قال فاكتموا عني. قالوا: نفعل، فما أمرك؟ فقال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم فشكروه على حسن رأيه واثنوا عليه، ثم انه لم يمض من الوقت غير قليل حتى اراد ابوسفيان ان يختبر بني قريظة بنفسه حتى يقطع الشك باليقين، فأرسل إليهم عكرمة بن ابي جهل، ومعه نفر من قريش وغطفان في ليلة سبت وقالوا لهم: يابني قريظة، تعلمون اننا لسنا بدار مقام وقد هلك الخف والحافر، فاهجموا غدا لتضربوا جيش محمد من الخلف حتى نستطيع ان نقتحم نحن الخندق فيقع محمد ومن معه بين فكّي كمّاشة ونفرغ مما بدأناه فقال بنو قريظة: ان اليوم يوم سبت ولا نعمل شيئا في السبت ولسنا نقاتل محمدا حتى تعطونا من اشرافكم رهائن لاننا نخشى ان تتركونا وحدنا والرجل لا طاقة لنا به. (فقالت قريش وغطفان والله ان الذي حدثكم به نعيم لحق) فأرسلوا إليهم قائلين: لن نعطيكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا (فقالت قريظة فيما بينها: والله ان كلام نعيم لحقّ، هؤلاء هنا ان وجدوا فرصة انتهزوها والا تركوكم وذهبوا عنكم)، فأصر كل منهم على موقفه وكانت هذه الحيلة العبقرية سببا أساسيا في عدم اقتحام المدينة من الجهتين بعد لطف الله وتدبيره. فلا يحزنك تثبيط المتخاذلين عزيزي القارئ إنما هم يخذلون عن اخوانهم ما ستطاعوا، فخذّل أنت عن ابطال فلسطين ما ستطعت. Mubarak.alhajri78@yahoo.com
3898
| 20 مايو 2021
مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16...
1677
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت...
1242
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث...
969
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال...
951
| 07 يناير 2026
لا شكّ أن الجهود المبذولة لإبراز الوجه الحضاري...
777
| 04 يناير 2026
يشتعل العالم، يُسفك الدم، يطحن الفقر الملايين، والحروب...
732
| 05 يناير 2026
عندما نزلت جيوش الروم في اليرموك وأرسل الصحابة...
582
| 04 يناير 2026
سؤال مشروع أطرحه عبر هذا المنبر إلى وزارة...
567
| 08 يناير 2026
مع مطلع عام 2026، لا نحتاج إلى وعود...
534
| 06 يناير 2026
الطفل العنيد سلوكه ليس الاستثناء، بل هو الروتين...
504
| 02 يناير 2026
كما هو حال العالم العربي، شهدت تركيا هي...
483
| 05 يناير 2026
بعودة مجلة الدوحة، التي تصدرها وزارة الثقافة، إلى...
447
| 06 يناير 2026
مساحة إعلانية