رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اشتُهَرَتْ قصةُ إحدى الفتيات في أيامِ الدراسةِ الجامعية، فَقَدْ أَحَبّتْ أَحَدَ زملائها في الجامعة، وأَحَبَها حُباً شديداً، وبَعْدَ أربع سنوات مِنْ الحُبِ والوَلَع، اختارَ ابنةُ خالتهِ، لِتَكُون زَوجته، وأخبر حَبيبتهُ بِأنهُ مُفارِقُها قبلَ ارتباطهِ بيومٍ واحد، لِتَنْهارَ الانْهِيارَ العَظِيم، وتَدْخُلُ مَرْحَلةَ اكتئابٍ شديدة، وحِينَما بَحَثَ بَعضُ المُقَرَّبِينَ عن سَبَبِ فِعْلَتِهِ أَجاب: كُنْتُ أُحبها حُباً عَظِيماً ومازلتُ، ولَكِني لَمْ أَكُن لأتَزَوَج فتاة كَلّمْتُها!
لَنْ أقرب المنظارَ الشَرعي لِعلاقةٍ كَتِلك، ولَكِنهُ السُؤال الذي يَطْرحُ نفسه: إن كُنتَ لم تَكُن لِتَتَزَوجَ فَتاة كَلّمْتَها وأحبَبْتَها قَبْلَ الزواج.. لِمَ دَخَلْتَ فِي عِلاقةٍ كَتِلك؟ ولِمَ عَلّقْتَ قَلْبَ فَتاةٍ مُرهَفَة الحِس، رَقِيقَة المَشاعِر، وجَعَلْتَ مِنْ نَفْسِكَ دماً يَسْرِي في عُرُوقِها، وأَنتَ تَعْلمُ العِلمَ اليَقِين أنكَ لن تُقدمُ على زواجٍ وارتباط، فأنْتَ هُنا لا غاية ولا وَسِيلَة.. فَأيُّ رَذِيلة! وإن كُنتَ قد أحْبَبْتَها فعلاً كما تَقُول وما تَزال تُحِبُها، فإنَّ ذلكَ لن يُفلِتَكَ مِنْ العِقاب، فإنهُ كما تُدِينُ تُدان ولو بَعْدَ حِينٍ.. يا صاح.
مُنْذُ فَترةٍ ليست بِبَعيدة كُنتُ وصديقاتي نَتَكلمُ في مَواضيع شَتّى حتى رَسَت سُفُنُ الكلام في ميناءِ الحُب والعلاقات والقَصَصَ ذَاتَ العِلاقة، فإذا بإحداهنَّ تَتَكَلمُ عن أَحدِ معارفِها.. فاسْتَهَلّتْ بِأنهُ دَخَلَ في علاقاتٍ كثيرة، وأحَبَّ الكَثير مِنْ الفتيات وأحَببنه، وخَاضَ غِمارَ البَناتِ خَوضاً، حتى أتى العُمْرُ الذي قَرّرَ فيهِ الزواج، ذَهَبَ لِوالدتهِ لِيُخْبِرُها أنهُ يريدُ فتاةً دُونَ تَجارب سابقة، ماضِيها كَصفحةٍ بَيضاء، أرادها كما وَصَفَها "قطوة مغمضة"، وهكذا والدتهُ فَعَلت، بَحَثَتْ عَنْ فَتاةٍ لا ماضيَ لها، وفعلاً وَجَدَتْ تِلْكَ الفتاة بَعْدَ جُهْدٍ جَهِيد، وبَحْثٍ كَثٍيف وتَمْحِيصٍ وتَدْقِيقْ، وتَزَوّجَها وهو سعيد جداً بِحَظّه، فَلَمْ يَمْضِ على زَوَاجِهُما العام حتى عَلِمَ بَلّ عَلِمُوا جَمِيعاً، أنها كَلّمَتْ "شباب الفريج" أَجْمَع، كما ذَكَرَتْ صديقتي وهي تَنْقلُ لنا القِصة، كانت مُبْتَهِجَة وسَعِيدة، وكَأنّها تَقُول: إنَّ اللهَ يُمهل ولا يُهمل، فَقَد كَذَبَ على كثيرٍ مِنْ الفتيات وتَسَلّى بِمَشاعِرِهن حَتى تَعَلَّقَتْ به القُلُوب وبَعْدَها؟؟ يَبْحثُ عَنْ تِلْكَ "القَطْوَة" على حَدِ قَولهِ.. فَيا سُبْحانَ الله! هنا تَذَكَّرْتُ عبارة: "مَنْ لم يَتَزوجُ حَبِيبَته، تَزَوج حَبِيبةَ غَيْرِه". عِبارَةٌ كَالتي سَلَفَتْ طَرَحْتُها لا لِأُشَجِع عِلاقاتٍ كَتِلك، ولَكن لكي لا أُشجع الظُلْمَ الذي يَقَعُ في عِلاقاتٍ كَتِلك.
أَحدُ الزُملاء نَراهُ على علاقةٍ عاطفيةٍ هاتفية مع إحدى الفتيات، يُكلِّمُها فِي كُلِ دَقِيقَة يَكُونُ هُوَ فارِغ فيها.. بحبٍ ووَلَه، سَألتْهُ إحدى الزميلات وكَأنّها تَجْهلُ العِلاقة: هل مِنْ المُمْكِنِ أن تَتَزَوج فَتاة عَرَفْتَها قَبْلَ الزواج، أَجابَ جواباً قاطعاً دُون أدنى تَفكير: لا..!! لم يُفكر زميلنا في جوابهِ لِثوانٍ بل قَطَعَ الَشكَ باليقين، تَألَّمَتْ صديقتي لحالِ تِلْكَ الفتاة التي يُكلمها — ولها مِنْ اللومِ والعِتابِ نَصِيب —، ربما أنه لم يَعِدْها بالزواج، لَيَكُونَ واضحاً بَيِّنَاً مَعَها، ولِكن لِمَ تَتَهللُ المشاعرُ وتَرْتَبِطُ القُلوب وتُدْمِنُ النُفُوس، والحالُ منقطع، والغاية تسلية ودَغْدَغَة للمشاعر؟!!، ولكنها حَتْماً الدَغْدَقة الأليمة، لَيْسَتْ للفتاة وحَسب، ولكِنها للاثنينِ معاً..
بِغضِّ النَظر عَنْ اللوم الذي يَقَعُ على الفَتاةِ التِي وَضَعَتْ نفسها في موضعٍ كَهذا، الأمرُ الذي حَيّرَنِي صَنْف جَدِيد مِنْ الناس، فَقَدْ شَهِدْتُ صَنْفاً يُؤمنُ بأن الغاية لا تُبَرِرُ الوسيلة، وشَهِدْتُ صَنفاً يُؤمنُ بِأن الغاية تُبَرِرُ الوسيلة، "بو الشباب" الذي يُكلِّمُ الفتاة وهو يَعلمُ أنهُ لا يُرِيدُها زوجة، مِنْ صنْفٍ غَريبٍ عَجِيب، فَهوَ لا غاية ولا وسيلة، فلا الغايةُ شَفَعَتْ لَهُ وَسِيلَتُه، ولا وسيلتهُ شَفَعَتْ لهُ غايَتُه.. فأيُ مَكارِم؟ وأيُ أخلاق..
دَفَعَتْنِي أَعْزُ صَدِيقاتي"بُشرى فقيهي" وهيَّ القَرّاءَة النَهِمَة، لِأن أقرأ كِتاب "عَصْرُ القُرُود" للكاتب مُصطفى محمود — رحمهُ الله رحمةً واسعة — وكانت أجمل عبارةٍ قرأتُها في ذلكَ الكتاب عبارةً تَقُول: " إذا أردْتَ زوجةً كخديجة، عليكَ أن تَكُونَ رَجُلاً كَمُحَمد". وقد قَصَدَ الكاتبُ: إن كُنتَ تريدُ الإنسانة ذاتَ الخُلُقُ والدين فَكُن ذُا خُلُق ودين لِتَجِدَ مُبْتَغاك.
بَعضُ الغافلين مِنْ الناس يَظنُ أنهُ مَهما تَمادى فَلن تَدُورَ الدائرةُ عليه، قد لا تَدُورُ الدائرةُ عليه، وقد يَجدُ الزَوجةَ المَلاك وهو الذي صالَ وجَال، ولكِنَّ الدائرة قَدْ تَدُورُ على أَحدِ أخواته.. بناته.. أو حتى حفيداته.. ليُوقن أنهُ لن يُفلِتَ مِنْ مبدأ كما تُدِينُ تُدان.
لَعَلّ كَلِماتي هذهِ لَيست وقفة مع المرأة ضد الرجل، فقد يَكُون النقيض، هي الإنسانة التي تَتَسلى وتَعْبثُ بِمشاعرِ الطَرف الآخر، وهو المُخلصُ الصادق.. فما أردتُ إيصاله عَزِيزي القارئ أنهُ ـ تماماً ـ "كما تُدينُ تُدان"، ولو بَعْدَ حِينٍ وحِينٍ وحِين، فإياكَ والظُلمَ.
اللهم إنا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَظْلِمَ أو نُظْلَم.. اللهم آمين.
وانتهت الفُرص
ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي اليوم ليس صدفة، ولا يمكن اعتباره مجرد سلسلة أزمات منفصلة. إنه درس... اقرأ المزيد
42
| 15 يناير 2026
التفكير العكسي
من أغرب الأسئلة التي قد تُطرح في اجتماع عصف ذهني لمناقشة خطة مشروع معينة؟ هو سؤال: كيف نضمن... اقرأ المزيد
48
| 15 يناير 2026
هل يصنع شباب قطر ملامح المستقبل؟
هل يصنع شباب قطر ملامح المستقبل، أم أن المستقبل هو من يصنعهم؟ سؤال يفرض نفسه في ظل ما... اقرأ المزيد
45
| 15 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1329
| 08 يناير 2026
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1278
| 14 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات كان من المفترض أن تترك أثرًا دافئًا في قلوبنا، لكننا كثيرًا ما نمرّ بها مرور العابرين. لا لأن اللحظة لم تكن جميلة، بل لأننا لم نمنحها انتباهنا الكامل، وانشغلنا بتوثيقها أكثر من عيشها. نعيش زمنًا غريبًا؛ نرفع الهاتف قبل أن نرفع رؤوسنا، ونوثّق اللحظة قبل أن نشعر بها، ونلتقط الصورة قبل أن يلتقطنا الإحساس. لم نعد نعيش اللحظة كما هي، بل كما ستبدو على الشاشات. كأن وجودنا الحقيقي مؤجّل، مرتبط بعدسة كاميرا، أو فيديو قصير، أو منشور ننتظر صداه. نخشى أن تمر اللحظة دون أن نُثبتها، وكأنها لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون وتفاعلوا معها. كم مرة حضرنا مناسبة جميلة؛ فرحًا، لقاءً عائليًا، أو جلسة بسيطة مع من نحب، لكن عيوننا كانت في الشاشة، وأصابعنا تبحث عن الزاوية الأفضل والإضاءة الأجمل، بينما القلب كان غائبًا عن المشهد؟ نضحك، لكن بوعيٍ ناقص، ونبتسم ونحن نفكر: هل التُقطت الصورة؟ هل وثّقنا اللحظة كما ينبغي؟ نذهب إلى المطعم، أو نسافر إلى مكان انتظرناه طويلًا، فننشغل بالتصوير أكثر من التذوّق، وبالتوثيق أكثر من الدهشة. نرتّب الأطباق لا لنستمتع بطعمها، بل لتبدو جميلة على صفحاتنا، ونصوّر الطريق والمنظر والغرفة، بينما الإحساس الحقيقي يمرّ بجانبنا بصمت. نملأ صفحاتنا بالصور، لكننا نفرّغ اللحظة من معناها، ونغادر المكان وقد وثّقناه جيدًا… دون أن نكون قد عِشناه حقًا. صرنا نعيش الحدث لنُريه للآخرين، لا لنعيشه لأنفسنا. نقيس جمال اللحظة بعدد الإعجابات، وقيمتها بعدد المشاهدات، ونشعر أحيانًا بخيبة إن لم تلقَ ما توقعناه من تفاعل. وكأن اللحظة خذلتنا، لا لأننا لم نشعر بها، بل لأن الآخرين لم يصفّقوا لها كما أردنا. ونسينا أن بعض اللحظات لا تُقاس بالأرقام، بل تُحَسّ في القلب. توثيق اللحظات ليس خطأ، فالذاكرة تخون أحيانًا، والسنوات تمضي، والصورة قد تحفظ ملامح ووجوهًا وأماكن نحب العودة إليها. لكن الخطأ حين تصبح الكاميرا حاجزًا بيننا وبين الشعور، وحين نغادر اللحظة قبل أن نصل إليها، وحين ينشغل عقلنا بالشكل بينما يفوتنا الجوهر. الأجمل أن نعيش أولًا. أن نضحك بعمق دون التفكير كيف ستبدو الضحكة في الصورة، أن نتأمل بصدق دون استعجال، وأن نشعر بكامل حضورنا. ثم – إن شئنا – نلتقط صورة للذكرى، لا أن نختصر الذكرى في صورة. بعض اللحظات خُلقت لتُعاش لا لتُوثّق، لتسكن القلب لا الذاكرة الرقمية. فلنمنح أنفسنا حق الاستمتاع، وحق الغياب المؤقت عن الشاشات، فالعمر ليس ألبوم صور، بل إحساس يتراكم… وإن فات، لا تُعيده ألف صورة.
792
| 13 يناير 2026