رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"الباطل" اسم يطلق في الحكايات الشعبية على شخص يتمتع بقوة خارقة للطبيعة، يستطيع أن يمحو الكتابة عن العملة المعدنية إن ضغط عليها بأصابعه. وترد الحكايات الشعبية سبب هذه القوة الخارقة إلى نهر النيل، وتقول إن للنيل لحظة ينام فيها النيل فتتوقف مياه النهر عن الحركة، فإذا شرب إنسان من النيل حينها امتلك تلك القوة الخارقة.
والإنسان الباطل يملك صبرا طويلا وليس من السهل إثارته، حتى يعتقد من حوله أنه فقد الإحساس ولا يؤثر فيه شيء، غير أن هذا الإنسان "الباطل" إن خرج عن صمته، يدمر كل ما يلقاه دون تمييز، يتحول من الصمت إلى الانفجار، وهذه الحالة يسمونها "قومة الباطل".
وفي اللغة يبطل الشيء أي يعطله عن العمل، والباطل أيضاً هو الكذب وغير الشرعي والفاسد وضد الحق.
وتبدو مرحلة ما بعد المرحلة الانتقالية في مصر أنها مرحلة "البُطلان"، لا أحد يغفل شيئا غير أنه يبطل فعل غيره ويعطل الآخرين عن الفعل.
تعددت حالات البطلان ابتداء بإبطال 800 ألف مصري لأصواتهم في انتخابات الرئاسة بفعل إرادي حيث كان التصويت على مرشحين اثنين، بما يعدم الخطأ، ويصل البعض بأن هذا الرقم في حقيقته أضعاف ما أعلن!
أبطلت المحكمة الدستورية قانون العزل السياسي، وأبطلت قانون انتخاب مجلس الشعب وقضت بحل المجلس، وواجه أعضاء المجلس من جماعة الإخوان والسلفيين حكم المحكمة بدعوى بطلان مضاد لقرار الحل.
وقضت محكمة القضاء الإداري الأسبوع الماضي ببطلان قرار وزير العدل منح الشرطة العسكرية والمخابرات الحربية صلاحية الضبطية القضائية، وهو في حقيقته نصف إعلان للأحكام العرفية ولكن بواسطة وزير العدل.
ويحتدم الحديث حول الإعلان الدستوري المكمل، حيث أبطل صلاحيات للرئيس وانتزع منه قرار الحرب السياسي وأشرك المجلس العسكري فيه، وانتزع أي سلطة للرئيس على المؤسسة العسكرية، وأضفى صفة الدوام على المجلس العسكري بأشخاصه حتى وضع الدستور وانتخاب مجلس الشعب، وكفل للمجلس العسكري حق الاعتراض على أي نص في الدستور الجديد، وأناط بالمجلس العسكري مهام التشريع وإقرار الميزانية.
صراع آخر حول تشكيل مجلس الدفاع الوطني الذي أعلنه المجلس العسكري.
محاولات إبطال وإبطال مضاد، هي في الحقيقة صراع على القرار، صراع سلطة، فأي قرار أيا كان مصدره، يرتبط بخط سلطة مصدر القرار ولا يتم تفعيله إلا بقدر السيطرة على أدوات إدارة وتنفيذ القرار.
تنتقل صفات الأزمنة بعد الثورة من الفترة الانتقالية أو الانتقامية كما توصف في مصر، إلى مرحلة البطلان. وبمعني آخر انتقلت الحالة من حركة مطلبيه للثورة وفي مواجهتها حركة مضادة للثورة إلى حالة البطلان والبطلان المضاد بين أطراف القرار وكلاهما خارج خندق الثورة وبعيدا عن قواها الاجتماعية التي تعاني من الإنهاك نتيجة لضعف حالتها التنظيمية، وعدم امتلاك رؤية سياسية واقتصادية واجتماعية للنظام الجديد الذي يحقق أهداف الثورة في "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية" التي يجب أن يعبر عنها الدستور الجديد.
تهدد حالة البطلان الجمعية التأسيسية لوضع الدستور والتي عاد استحواذ التيارات الدينية عليها، وأجل القضاء البت في أمر بطلانها إلى شهر سبتمبر وجري تقديم الجلسة إلى الثلاثاء 10 يوليو.
هكذا غابت الثورة ولم يعد هناك حراك لها غير أقوال تتردد هنا أو هناك، وغابت الحالة السياسية التي تفتح أفق الحوار، وهو ما يفتح الباب للاحتكام للقضاء أو الاحتكام للقوة، وكلاهما لا يقيم استقرارا، بل يزيد الارتباك، وتظل مصر معرضة لاضطرابات ومشاهد متنوعة للصراع، والشعب خارج الحساب، فيظل التوازن مفقودا.
مرحلة البطلان هي مرحلة الفساد الثاني بعد أن كان الفساد الأول قبل الثورة. هي ذات العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتوحشة التي يغيب عنها الالتزام تجاه الشعب ويبقى فقط سعي أطراف صراع السلطة إلى تنمية القوة الذاتية وبأدوات تزيد العبء على المجتمع ومهام الثورة.
وتضع جماعة الإخوان إستراتيجية تقويض أركان الدولة المصرية، وبمواجهات مباشرة مع الأزهر والمحكمة الدستورية والقضاء وهياكله، والصحافة، عبر محاولات استغلال أداة التشريع وبتعجل يثير الريبة، وتحت مقولة كاذبة بأن السلطة العليا للشعب بينما الحقيقة أن السلطة العليا لمكتب إرشاد جماعة الإخوان السرية.
ويضاف إلى ذلك السعي إلى تحالف جديد للعناصر الرأسمالية للجماعة والمنسوبة إليها مع عناصر نظام مبارك في محاولة لخلق شكل مستحدث لتأثير الثروة على الصراع القائم.
اعتقاد القوى المضادة للثورة بانتهاء الحالة الثورية أو السيطرة عليها واستخدامها، والانفراد بالدولة والسلطة، هو عامل تفكك هذا المعسكر، فالحالة الثورية لا تنقضي بوهم النفي لدى البعض، كما أنها لا تتحقق بوهم الوجود لدى البعض الآخر. الوهم في كلا الحالتين هو الدافع الرئيسي لاستمرار صراع الوجود للثورة، حتى يقضي توازن القوى بالنفي أو الوجود، وتصمت المدافع.
انتقلت مصر بكافة المقاييس الاجتماعية والسياسية والتاريخية، من حالة وعي بعض القوى والأفراد، إلى حالة من الوعي الشعبي التي تمكنها من التقييم السريع للأداء وإنتاج رد الفعل، رغم البادي للعيان أن حالة من الاكتئاب والارتباك والكمون قد حلت بعناصر الثورة.
الخطر ليس في الوهم أو السكون بقانون الإنسان الباطل في الحكايات الشعبية، ولكن الخطر الذي يحيق بالحالة الثورية هو حالة السيولة التي تعاني منها قواها الاجتماعية والسياسية الأساسية، واستمرار إنتاج رد الفعل بالكلام، أو الرصد، والإدانة، وعدم الإمساك بزمام المبادأة، خاصة وأن رد فعل الإنسان الباطل هو انفجار لا يبقي ولا يذر، وليس قوة فعل إيجابية تهدم ما بقي من أركان نظام الفساد الذي تجدد، وتملك قدرة ورؤية النظام الذي تنشده الثورة.
قرار الرئيس المنتخب بإعادة مجلس الشعب الذي جرى حله طبقا لقرار المحكمة الدستورية بعدم دستورية قانون الانتخاب، أخرج الصراع المكتوم داخل المعسكر الواحد المضاد للثورة إلى العلن، ورغم تصريحات اللحظات الأولى لصدور القرار من أعضاء بالمجلس العسكري غير أن رد الفعل مازال مجهولا وإن ذهب البعض أنه لن يكون هناك رد فعل مباشر ولكن الصراع سيستمر، وبأدوات أخرى، وحول عناصر أخرى للسلطة والتمكن منها!!
وأشارت أنباء أن مصدر القرار هو الاجتماع الأخير لمكتب إرشاد جماعة الإخوان، ومجلس شورى الجماعة؟، بمفهوم نقل الصراع مع المجلس العسكري إلى مرحلة جديدة، وأن التكتيك الجديد يجمع بين قرارات للرئيس وحشد أعضاء الجماعة في الميادين لمواجهة أي محاولة لرد الفعل.
صراع سلطة لا يمكن حسابه لصالح الثورة أو الديمقراطية، ولكنه يعني حالة تحدٍ بأن القرار من حيث الدراسة والتقرير ومنهج التعامل، مصدره جماعة الإخوان بمؤسساتها المعلنة، وليس الرئيس المنتخب، وتسريب ذلك دون اكتراث بأثر ذلك على المجتمع الذي انتخب رئيسا ولم ينتخب جماعة. ولأن حالات التناطح لها صخبها كما أن لها جمهورها، فإن حالة النشوة والمناقشات القانونية وجدت للقرار مناصرين من خارج الجماعة دون إدراك أن البحث ليس حق الرئيس، ولكن البحث هو تجاوز حكم محكمة، وما وراءه من أهداف غير مباشرة تجاه القضاء والمحكمة الدستورية التي أقسم الرئيس المنتخب أمام جمعيتها العمومية اليمين الدستورية.
هل الأمر توافق بين طرفي الصراع، المجلس العسكري والإخوان على القرار؟، أم أنه طور جديد تأخذ فيه الجماعة المبادأة بيدها، رغم التوافقات الأخرى بينهما؟.
هو فصل جديد لإجراءات جماعة الإخوان للسيطرة على مقدرات الأمر في مصر. ولم يعد من الممكن حساب القرار في معرض تأكيد سلطة رئيس منتخب وحسب، ولكن يمكن وصفه بإستراتيجية جديدة للإخوان في الإعلان عن سيادتها على قرار الرئاسة وبالصدمة، والحشد الجماهيري، ولتأتي ردود الفعل كيفما كانت، فالواقع قد تغير، ويجب أن يدرك الآخرون هذا.
ورغم ترديد تأكيدات بأن هناك اتفاقا جمع بين المجلس العسكري والإخوان حول مشروع الدستور الجديد، وأن البحث يجري حول الاختلاف على الأحكام الانتقالية، وهل تنتهي مدة الرئيس المنتخب بإقرار الدستور أو تستمر لمدة رئاسة كاملة.
القرار بإلغاء حل مجلس الشعب يبدو كأقدام الأميبا الكاذبة، فالكائنات الرخوة تمد من جسدها نتوءا في اتجاه الحركة ثم تستكمل تحريك جسدها ليملأ النتوء، وهكذا بتكرار هذا الفعل تتحرك، فهل ستظل الحياة السياسية في مصر مسرحا لصراع السلطة، وتختفي الدولة المصرية الوطنية بعد الثورة، وتصبح دولة تحت حكم الأميبا وحركتها بالأقدام الكاذبة؟.
الجميع مسؤول عن هذه الحالة، وبنسب متفاوتة، ولكن النصيب الأكبر من المسؤولية تقع على عاتق المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي أعلن أنه أدرك مطالب ثورة الشعب المشروعة، ولم يحاول توفير مناخ صحيح لتحقيق أي منها، وهو الذي أعلن أنه على مسافة واحدة من الجميع، ولكنه فتح الباب على مصراعيه لتستولي جماعة الإخوان على السلطة.
الإخوان خارج الثورة من حيث الوجود والفعل والمضمون، ويبقى على المجلس العسكري أن يدرك، ولا أقول لأن يفسر، أن نجاحهم في الانقلاب على الثورة والدولة والاستيلاء على السلطة، لا تبرير له لدى المواطنين غير أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة قبل بهذا وعمل له.
من مرحلة اشتعال الثورة بالشعب، إلى المرحلة الانتقالية التي تحولت لمرحلة إجهاض الثورة، ثم مرحلة البطلان والبطلان المضاد وتمكين الإخوان من السلطة تحت دعاوى الديمقراطية وبمباركات من رأسمالية الفساد والإحسان في الداخل، والحلف الغربي في الخارج، تقع مصر تحت حرب نفسية حادة وموجهة بأن البديل حمامات من الدم، أي علينا أن نختار بين ما يحققونه ويسمحون به أو هو الدم والحرب الأهلية. خطاب لا يحمل من معنى غير التبرير لأنفسهم أمام الشعب، ولكن الأسباب الموضوعية التي قامت من أجلها ثورة يناير مازالت قائمة، وهي كلمة السر لاستمرار الثورة لتحقق أهدافها بقدر تنمية الظرف الذاتي للقوى صاحبة المصلحة في التغيير.
كل هذا الباطل في الواقع المصري يستدعي حالة المقاومة وضرورتها، لن تخدعه حركة الأجسام الرخوة بأقدامها الكاذبة، كما أن قومة الباطل كما الحكايات الشعبية ستكون انفجارا وليست قوة فعل إيجابي.
الفريج القطري
تعد الأحياء السكنية في قطر (الفرجان) رمزاً للهدوء والخصوصية، حيث تمتاز المناطق التي تقطنها العائلات القطرية والمقيمون القدامى... اقرأ المزيد
186
| 03 أغسطس 2026
عندما يغادر الأعزاء .. لا يغادرون تمامًا
هناك أوجاع لا تُسمع، لأنها لا تخرج على هيئة صراخ، بل تعيش في التفاصيل الصغيرة. في المقعد الذي... اقرأ المزيد
192
| 03 أغسطس 2026
تنسيق ومشاورات مكثفة لدعم الحلول السلمية
انطلاقا من موقف دولة قطر الداعم لجميع المساعي الرامية إلى نزع فتيل التوتر، والتوصل إلى اتفاق شامل يحقق... اقرأ المزيد
132
| 02 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
12675
| 27 يوليو 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2007
| 01 أغسطس 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1878
| 29 يوليو 2026