رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يرى كثيرون من علماء السياسة أن انهزام فرنسا في أوروبا، واصطدام مشروعها الهيمني ببنود اتفاقيات 1815 و1870 دفعها إلى البحث في آفاق بعيدة، ما وراء البحار، عن سبيل لتحقيق النصر السياسي، وتنمية مقدراتها من أجل التقدم الاقتصادي وإشاعة الفكر الإنساني لمبادئ ثورتها، وقد لقي هذا البحث مباركة التجار والعسكر والجغرافيين والمبشرين ورجال الأدب والعلماء؛ كل هذه المجموعات أسهمت في خلق أيديولوجية تبرر سياسة الغزو. بالطبع، بعد أن رسمت لها حداً جغرافياً ركز بالأساس على القارة الإفريقية فريسة المطامع الاستعمارية (انظر مثلا: د. عبدالحميد الضهاجي - السياسة الدولية ع 152 - أبريل 2003).
والدور الفرنسي في إفريقيا لم ينته باستقلال عن الاستعمار الفرنسي فلقد أصبح هناك 25 دولة إفريقية يمثلون نصف القارة يتكلمون الفرنسية من بينهم دول المغرب العربي الثلاث الذين يستعملون اللغة العربية كلغة رسمية بجانب نطقهم بالفرنسية وهم (تونس، الجزائر، المغرب). والواقع أن فرنسا تحتفظ بعلاقات طيبة مع دول القارة التي كانت مستعمرات فرنسية والتي عُرفت باسم "الفرانكفون" في شكل علاقات ثنائية، ويعدّ الجنرال "ديجول" أول من وضع ركائز الدور الفرنسي بالمنطقة في فترة ما قبل الاستقلال وذلك في إطار ما عُرف بالجماعة الفرنسية، ثم في فترة ما بعد الاستقلال في إطار التنظيمات الاقتصادية الإقليمية "الأوكام" وهي المنظمة التي ولدت في نواكشوط في 12/2/1965 بعضوية 13 عضواً من الدول الإفريقية الناطقة بالفرنسية وهم: الكاميرون، إفريقيا الوسطى، تشاد، داهومي، توجو، الجابون، ساحل العاج، مدغشقر، موريتانيا، النيجر، فولتا العليا، السنغال، رواندا، والكنغو برازافيل ثم زائير في نفس العام(جوزيف رامز أمين، السياسة الدولية – ع 87 - يناير 1987).
وتشكل القارة السمراء إحدى أهم دوائر السياسة الخارجية الفرنسية، وهو الأمر الذي عبّر عنه الرئيس الراحل فرانسوا ميتران في القمة التي عُقدت في بيارتيز (نوفمبر 1994) حيث أكد للحاضرين أنه دون إفريقيا لن يكون لفرنسا تاريخ في القرن الحادي والعشرين، فالقارة السمراء كانت مجد فرنسا ومنطقة نفوذها التاريخية، لذا من الصعب تخيل قيام رئيس أو حكومة فرنسية أيما كانت توجهاتها بالتخلي عن فرنسا أو أن تولي ظهرها للأفارقة. ويبدو أن هذا الأمر ليس قاصراً على "ميتران" فقط بل سبقه "ديجول" الذي أرسى تقليداً أصبح بموجبه يُشرف شخصياً – على ملف الشؤون الإفريقية، ولا يزال هذا التقليد معمولاً به حتى الآن، ويصنف هذا الملف بأنه "بالغ السرية"، كما تم -في منتصف التسعينيات- ربط وزارة التعاون الدولي مع قارة إفريقيا بوزارة الخارجية لضمان فاعلية التواصل مع قضايا القارة.
ولعلّ الاهتمام الفرنسي بإفريقيا يظهر من عدة مؤشرات، فالجالية الفرنسية هي أكبر جالية أجنبية في إفريقيا. ووفق إحصاءات عام 1996 بلغت هذه الجالية 114 ألف فرنسي، وتحصل إفريقيا على 49% من إجمالي المساعدات الفرنسية الخارجية (تتراوح ما بين 3– 5 مليارات)، كما يلاحظ أن صادرات فرنسا السنوية لإفريقيا بلغت 13.5 مليار دولار متخطية قيمة الصادرات الأمريكية التي تقدر بـ 6 مليارات دولار فقط. وفي المقابل فإن فرنسا تستورد ما قيمته 11 مليار دولار من إفريقيا (معظمها مواد خام) أي أن الميزان التجاري لصالح فرنسا (2.5 مليار دولار).
ومن هنا فإن لفرنسا مصالح اقتصادية كبرى في إفريقيا تستلزم تأمينها والدفاع عنها، ولكن ذلك يتم عبر عدة وسائل (استراتيجيات)، ولا شك أن هذه الوسائل تبدلت أو تغيرت بعد الحرب الباردة فقبل الحرب الباردة كانت سياسة فرنسا تقوم على فكرة مفادها أن نظام الحكم في دولة -ما- هو الأقدر على قمع معارضيه إذا حصل على الدعم العسكري والمادي اللازم وفي هذا السياق يمكن تفسير قيام الجنرال "ديجول" بإقامة عدة قواعد فرنسية في بعض الدول الإفريقية (السنغال – كوت ديفوار – الجابون – تشاد – جيبوتي – إفريقيا الوسطى)، كما يمكن فهم التدخل العسكري -المتكرر- في بعض الدول الإفريقية (السنغال 64)، (إفريقيا الوسطى 67، 1970 ثم 97، 1990)، (توجو 86)، (جزر القمر 1989).
لكن فاعلية هذه السياسة تراجعت كثيراً عام 1991 بعد أحداث الجزائر إذ إن دعم فرنسا للنظام الجزائري لمواجهة جبهة الإنقاذ الإسلامية وفشله في السيطرة على مقاليد الأمور أدى إلى تحول البلاد إلى ساحة من المواجهات الدامية راح ضحيتها أكثر من مائة ألف شخص، ومن ثم ازداد السخط الجزائري -خاصة- والإفريقي عامة تجاه فرنسا.
وتأكد فشل هذه السياسة مرة أخرى بعد ست سنوات من أزمة الكونجو الديمقراطية، حيث فشل الدعم الفرنسي في الإبقاء على موبوتو سيسي سيكو، الذي أطاح به الرئيس الراحل كابيلا، وهنا ثار الرأي العام الإفريقي ضد فرنسا لأنها تساند الأنظمة الديكتاتورية على حساب الشعوب الإفريقية. ومنذ ذلك الحين كان لابد من البحث عن وسائل جديدة تهدف إلى تحقيق الاستقرار الذي هو الركيزة الأساسية لتحقيق المصالح الفرنسية. وهنا صار الحديث عن ضرورة إرساء الديمقراطية في الدول الإفريقية عن طريق التقريب بين الأنظمة من ناحية وجماعة المعارضة من ناحية ثانية، فضلاً عن تدعيم أسس الحوار السياسي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية.
كما عملت فرنسا على التركيز على الجانب الكيفي -في عملية التواجد العسكري بدلاً من الجانب الكمّي- فالسياسة الفرنسية الجديدة في إفريقيا لا تعني الانسحاب التدريجي من القارة وترك المجال مفتوحاً أمام الولايات المتحدة، وإنما تسعى إلى الاعتماد على الجانب الكيفي مع توسيع عملية الانتشار والتأثير بحيث تتجاوز مناطق نفوذها التقليدية، وهو ما تسعى لتحقيقه من خلال القمة الإفريقية - الفرنسية التي تضم دولاً تابعة لرابطة الأنجلوفون، وبعض الدول التابعة لواشنطن أيضاً.
ومن هنا يمكن فهم قيام فرنسا بتخفيض حجم قواتها المسلحة في إفريقيا الوسطى، واستبدال المعدات العسكرية القديمة بأخرى حديثة، تلائم عمليات التدخل السريع لحفظ السلام، كما قامت فرنسا -مؤخراً- بتخزين بعض الأسلحة الحديثة في قاعدة تيبيس السنغالية على بعد 70 كم من العاصمة (داكار) وذلك لإمكانية استخدامها في فض النزاعات العرقية والقبلية في المنطقة.
وفي الحقيقة فإن شبكة الدفاع الفرنسية الحديثة تقوم على أساس فكرة تقسيم القواعد العسكرية الفرنسية إلى قسمين، الأول: يعمل من داخل الأراضي الإفريقية، والثاني: يعمل من داخل الحدود الفرنسية، وبالتحديد في الجنوب الغربي من البلاد.
وبالنسبة للجزئية الأولى نلاحظ أن أهم قاعدة إفريقية لفرنسا على الإطلاق هي تلك القاعدة الموجودة في جيبوتي والتي يعمل بها 3500 جندي فرنسي، ووفقاً للتصريحات الفرنسية فإن هذه القاعدة تستطيع استقبال نحو 400 قطعة بحرية، وهي قاعدة هامة في شرق إفريقيا تستخدم كهمزة وصل بين إفريقيا جنوب الصحراء والشرق الأوسط. كما توجد لفرنسا قواعد أخرى في الجابون - إفريقيا الوسطى- كوت ديفوار – السنغال – تشاد، وتعدّ هذه القواعد في مناطق إستراتيجية؛ لأنها تغطي مناطق شرق ووسط وغرب منطقة إفريقيا وجنوب الصحراء. ويلاحظ أن فرنسا خلال الفترة القليلة الماضية - ظلت تسعى لتوطيد علاقاتها مع ثلاث دول باعتبارها دولاً مفصلية في القارة وهي: مصر في الشرق - نيجيريا في الغرب – جنوب إفريقيا في الجنوب، فضلاً عن سعيها الأخير لتحسين العلاقات مع ليبيا (بعد بروز دورها بشكل كبير في القارة خلال الفترة الماضية) والجزائر. ويذكر بدر حسن شافعي في مقاله بمجلة السياسة الدولية – ع 144 – أبريل 2001 أن لفرنسا أهدافاً ترجوها من قيام علاقات مع الدول الإفريقية أهم هذه الأهداف:
1- الهيمنة على إفريقيا، حتى وإن بدا من التصريحات الرسمية غير ذلك، وهو ما أكده مستشار الرئيس السنغالي السابق "ديالو" حيث أكد أن لفرنسا قوات عسكرية تفوق قوتها وقدراتها القتالية كفاءة الجيوش الإفريقية الوطنية وأنها تمثل تهديداً لأمن واستقرار المنطقة.
2- مواجهة النفوذ الأمريكي المتزايد في القارة خاصة بعد الحرب الباردة، وتراجع مكانة بريطانيا، وهذا ما نلاحظه من تصريحات المسؤولين في البلدين (واشنطن – باريس) ففي أثناء زيارة وليام ديلي وزير التجارة الأمريكي للقارة (ديسمبر 1998) أي بعد انعقاد القمة الإفريقية - الفرنسية العشرين - بأيام قليلة أكد أن هناك دولاً عديدة أصبحت تخرج من دائرة نفوذ الأوروبيين -فرنسا تحديداً- المنافسين للولايات المتحدة، وأن بلاده مصممة على الالتزام بشكل قاطع وعلى مدى طويل بعملية الاستثمارات التجارية في إفريقيا وفي المقابل نجد أن الرئيس شيراك ينتقد في القمة العشرين السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا، والتي يعتبرها تقوم على مبدأ المصلحة فقط، وليس مبدأ التكافؤ، كما انتقد شعار كلينتون الذي رفعه وهو "شراكة لا تبعية مع إفريقيا" ويرى في المقابل أهمية تقديم المساعدات بجانب الاستثمارات.
وظهر هذا التنافس في عدة مجالات لعل من أهمها على سبيل المثال المناورات العسكرية التي أجرتها واشنطن مع كل من السنغال وكوت ديفوار عام 1998 (دولتان فرانكوفيتان).
3- الاحتفاظ بمصالحها الاقتصادية مع إفريقيا (حجم الصادرات الفرنسية بلغ 13.5 مليار دولار سنوياً) فضلاً عن المشاريع الاقتصادية الهائلة في الدول الإفريقية (شراء شركات المياه والكهرباء والتليفونات في السنغال - استثمارات النفط في الكونجو برازافيل والتي تقوم بها شركة O.L.F. Lekistan والتي يتراوح حجم استثماراتها ما بين 40 - 60 مليار دولار خلال العقدين القادمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4902
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4299
| 23 سبتمبر 2026