رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حصين بن غانم الخيارين

مساحة إعلانية

مقالات

360

حصين بن غانم الخيارين

مشاهير الأزمات... حين يصبح الخليج موسماً للمشاهدات

11 سبتمبر 2026 , 02:00ص

إلحاقاً بمقالي «تجار الأزمة» المنشور في "الشرق" قبل سنوات استحضرني اليوم مقالي الذي كتبته قبل ما يقارب تسع سنوات تحت عنوان «تجار الأزمة». لم أستحضره حنيناً إلى مقال قديم، بل لأنني اكتشفت أن التجارة لم تنتهِ؛ اتسعت سوقها، وتطورت أدواتها، وانتقلت من المنابر إلى الهواتف، ومن التصريحات إلى المقاطع، ومن تجارة المواقف إلى تجارة المشاهدات.

قبل سنوات كتبت عن «تجار الأزمة»، واليوم نحن أمام سلالة رقمية أكثر سرعة وجرأة: «مشاهير الأزمات».

هؤلاء لا ينتظرون اكتمال الخبر، ولا يعنيهم كثيراً أن تتضح الصورة. فما إن تقع قضية في أي بلد خليجي حتى يظهر «الخبير» على الشاشة؛ يحدد المسؤول، ويحلل النوايا، ويصدر الأحكام، وربما يوزع شهادات الوطنية والخيانة، بينما أصحاب القضية أنفسهم لا يزالون يبحثون عن تفاصيلها.

لا وثيقة، لا مصدر، لا انتظار.

فالترند لا ينتظر الحقيقة، ومن يتأخر قد تسبقه حسابات أخرى إلى الغنيمة. وهنا تكمن المشكلة: لم تعد الأزمة عند البعض حدثاً يستحق الفهم، بل فرصة يجب اقتناصها قبل أن تبرد.

لدينا اليوم نوع عجيب من الخبراء؛ خبير في السياسة إذا تصدرت السياسة، واقتصادي إذا ارتفعت الأسعار، واجتماعي إذا اندلعت قضية أسرية، ورياضي إذا اشتعلت المدرجات، ومتخصص في العلاقات الدولية إذا اختلفت دولتان.

تخصصه الحقيقي واحد: كل ما يتصدر الشاشة. فالمعرفة لم تعد شرطاً، والمصدر أصبح ترفاً، والتثبت قد يُفقد صاحبه السبق. يكفي هاتف، ونبرة واثقة، وعنوان مستفز، ثم يبدأ توزيع الأحكام على الناس والدول والمجتمعات.

والأسوأ أن بعضهم يتنقل بين القضايا الخليجية كأنه يحمل جواز سفر دبلوماسياً إلى الأزمات؛ لا حدود توقفه، ولا قضية لا تعنيه، ولا باباً مغلقاً أمام رأيه.

ليس مهماً أين وقعت القضية، ولا من أطرافها، ولا مدى معرفته بخلفياتها. المهم أن تكون ساخنة بما يكفي ليقف أمام نارها.

فالسؤال لم يعد: ماذا سأضيف؟

بل: كيف أدخل المشهد؟

تجارة تحتاج إلى نار

المشكلة أن «مشهور الأزمة» لا يعيش جيداً في الأجواء الهادئة.

فالهدوء عدو المحتوى المثير، والعقلانية لا تصنع دائماً «ترنداً»، والتوافق لا يملأ خانة التعليقات.

لذلك لا يكفي نقل الأزمة؛ يجب أحياناً رفع حرارتها.

عنوان أكثر استفزازاً، اتهام أكبر، معلومة غير مكتملة، أو جملة مقتطعة تستطيع إشعال جمهورين في وقت واحد.

ثم يبدأ عداد المشاهدات بالصعود.

وهنا يصبح النجاح رقمياً، بينما الخسارة اجتماعية.

المنصة تسجل المشاهدة، لكنها لا تسجل ما تركته الكلمة من احتقان. تحصي التعليقات، لكنها لا تحصي الشتائم التي تبادلها الناس. تكافئ الانتشار، ولا تسأل إن كان ما انتشر حقيقة أم افتراء.

وهذه هي الصفقة الأخطر في اقتصاد الأزمات: الربح لصاحب المحتوى… والفاتورة على المجتمع.

الوطنية ليست رخصة للإساءة

الأشد سوءاً أن تُغلّف هذه التجارة بشعار الوطنية.

يرفع أحدهم صوته، ويطعن في شعب خليجي آخر، ويثير النعرات، ثم يقدم نفسه باعتباره «مدافعاً عن الوطن».

ومن قال إن الوطن يحتاج إلى شتيمة حتى ندافع عنه؟

الوطنية ليست «هاشتاقاً»، ولا حفلة صراخ، ولا مسابقة في الإساءة إلى الآخرين.

من يحب وطنه لا يحتاج إلى كراهية أوطان الآخرين كي يثبت ذلك.

الخلاف السياسي مهما اشتد له دول ومؤسسات وقنوات تديره، أما تحويل الشعوب إلى خصوم، وإقحام المجتمعات في كل خلاف، وإطلاق الشتائم ثم الاختباء خلف راية الوطن، فليس وطنية؛ بل إساءة إلى الوطن قبل أن تكون إساءة إلى الآخرين.

والخليج تحديداً أكبر من أن يُختزل في مشاجرة إلكترونية. فما بين شعوبه من تاريخ وقرابة ومصالح ومصير مشترك أعمق من أن يعبث به شخص يبحث عن دقائق إضافية أمام الكاميرا.

ونحن نصنعهم أيضاً المسؤولية لا تقع عليهم وحدهم، فنحن الذين منحنا بعض هؤلاء القيمة التي يتغذون عليها.

نغضب من مقطع فننشره.

نستنكر صاحبه فنرفع مشاهداته.

نكتب: «انظروا ماذا قال!» فنمنحه جمهوراً لم يكن يحلم به، نلعنه ثم نسوّقه.

وهكذا يتحول الاستنكار نفسه إلى حملة إعلانية مجانية.

لذلك ربما تكون أقسى عقوبة لبعض تجار الأزمات ألا ندخل معهم في معركة، وألا نمنحهم شرف الرد، بل أن نترك بضاعتهم بلا مشترين، فليس كل نباح رقمي يستحق أن تتوقف القافلة للرد عليه.

تغيّرت الواجهة… وبقي التاجر

عندما كتبت «تجار الأزمة» قبل سنوات لم تكن الخوارزميات قد بلغت هذا النفوذ في تشكيل المزاج العام، ولم تكن صناعة الشهرة بهذه السرعة، أما اليوم، فقد أصبح لكل أزمة سوق، ولكل سوق متسابقون، وبعضهم لا يهمه أن تنتهي القضية بقدر ما يهمه ألا تنتهي مدة صلاحيته داخلها.

وهنا يصبح السؤال الذي يستحق أن نطرحه عند كل ضجيج إلكتروني:

من المستفيد من بقاء الأزمة مشتعلة؟

لأن الأزمة عند المسؤول مشكلة يبحث لها عن حل، وعند العاقل حدث يتمنى تجاوزه، وعند صاحب المصلحة ظرف يسعى إلى إدارته.

أما عند تاجر الأزمة فهي موسم، والمواسم التجارية لا يتمنى أصحابها أن تنتهي سريعاً.

إلى هؤلاء نقول: الخليج ليس استديو مفتوحاً لمحتواكم، وشعوبه ليست «كومبارس» في مقاطعكم، وخلافاته ليست مادة خاماً لمصانع الإثارة، قولوا ما تشاؤون، وانتقدوا كما تشاؤون، فالرأي حق والنقد ضرورة. لكن لا تبيعوا الإساءة باسم الوطنية، ولا الإشاعة باسم السبق، ولا الاستفزاز باسم حرية الرأي.

وبعد ما يقارب تسع سنوات من «تجار الأزمة»، يبدو أنني أخطأت في شيء واحد:

ظننت أن الأزمة هي البضاعة.

أما اليوم فقد اتضح أن البضاعة الحقيقية هي نحن:

غضبنا، وانفعالنا، وتعليقاتنا، وانقساماتنا، والوقت الذي نقضيه أمام شاشاتهم.

تجار الأزمة لم يختفوا ولكن غيّروا واجهة المتجر فقط وأصبح لكل أزمة «باركود»…

يمر على حساب المشهور، وندفع نحن الثمن.

وستبقى الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عنا: أن أي خلاف ينبغي علاجه، أما بالنسبة إلى «مشهور الأزمة» فقد يكون موسماً ينتظر حصاده.

والفرق بين الاثنين… هو الفرق بين من يحمل هَمَّ الخليج، ومن يحمل هاتفه مترقباً الأزمة القادمة.

اقرأ المزيد

الأمير الوالد.. ستظل القلب النابض لهذا الوطن الأمير الوالد.. ستظل القلب النابض لهذا الوطن

ليست الأوطان العظيمة وليدة الصدفة، ولا تُبنى نهضتها في لحظة عابرة من الزمن، بل تنهض برؤية قائد يؤمن... اقرأ المزيد

237

| 18 يوليو 2026

خليجنا واحد خليجنا واحد

مبادئ دول الخليج واستقلالها هي الاهم، حيث إنها تتحمل المسؤوليه لتحقيق النمو ومواكبة منجزات الحضارة الانسانية المعاصرة، في... اقرأ المزيد

315

| 08 يوليو 2026

مساحة إعلانية