رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حصين بن غانم الخيارين

مساحة إعلانية

مقالات

138

حصين بن غانم الخيارين

الأمير الوالد.. ستظل القلب النابض لهذا الوطن

18 يوليو 2026 , 11:49م

ليست الأوطان العظيمة وليدة الصدفة، ولا تُبنى نهضتها في لحظة عابرة من الزمن، بل تنهض برؤية قائد يؤمن بأن المستقبل يُصنع بالإرادة، وأن الإنسان هو الثروة الأغلى، وأن الاستثمار في المعرفة والتنمية هو الطريق الأصدق إلى المجد. ومن هذا المنطلق، يظل اسم صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حاضرًا في ذاكرة الوطن، بوصفه أحد أبرز القادة الذين ارتبطت بهم مرحلة التحول الكبرى في تاريخ دولة قطر الحديث.

لقد شهدت قطر في عهده مرحلةً استثنائية من البناء والتحديث، انتقلت خلالها من دولة تمضي بخطى واثقة نحو التنمية إلى دولة تحتل مكانة مرموقة على المستويين الإقليمي والدولي. ولم تكن تلك النهضة مجرد توسع عمراني أو نمو اقتصادي، بل كانت مشروعًا حضاريًا متكاملًا، جعل من الإنسان محور التنمية، ومن المعرفة ركيزة المستقبل، ومن التخطيط الاستراتيجي أساسًا لكل إنجاز.

لقد أدرك سموه، منذ وقت مبكر، أن قوة الدول لا تُقاس بما تمتلكه من ثروات طبيعية فحسب، بل بما تستثمره في الإنسان، وما تؤسسه من مؤسسات، وما تزرعه من قيم العمل والإبداع.

ومن هنا جاءت السياسات التي أولت التعليم عناية خاصة، ورسخت مكانة البحث العلمي، وفتحت أبواب المعرفة أمام الأجيال، إيمانًا بأن العقول هي الاستثمار الذي لا ينضب، وأن الأمم تُبنى بسواعد أبنائها قبل أي مورد آخر.

وفي موازاة ذلك، شهد القطاع الصحي تطورًا ملحوظًا، وتعززت البنية التحتية بمشروعات استراتيجية كبرى، وأسهمت الخطط التنموية في رفع مستوى الخدمات، وتحسين جودة الحياة، وتوفير بيئة حديثة تلبي تطلعات المواطن والمقيم.

وكان إطلاق رؤية قطر الوطنية 2030 في يونيو من عام 2008 محطة مفصلية، إذ رسمت إطارًا استراتيجيًا لمستقبل الدولة، قائمًا على التنمية البشرية، والاقتصاد المستدام، والعدالة الاجتماعية، والحفاظ على الهوية الوطنية. ولأن الوطن يبدأ من المواطن، فقد ظل الإنسان حاضرًا في قلب المشروع التنموي. فالاهتمام بالتعليم، والرعاية الصحية، وتمكين الشباب، وتعزيز دور المرأة، وتوفير الفرص أمام الكفاءات الوطنية، لم تكن برامج منفصلة، بل كانت ملامح رؤية شاملة تؤمن بأن التنمية الحقيقية تبدأ ببناء الإنسان، وأن المواطن هو شريك الإنجاز وصانع المستقبل.

وعلى امتداد الساحة العربية والإسلامية، كان لدولة قطر حضور فاعل في العمل الإنساني والدبلوماسي، حيث أسهمت في دعم المبادرات الإنسانية، وقدمت المساعدات التنموية والإغاثية في عدد من الدول، وشاركت في جهود الوساطة والحوار، انطلاقًا من إيمانها بأهمية تغليب الحلول السلمية، وتعزيز التعاون، وترسيخ قيم التضامن التي تمثل جوهر الرسالة العربية والإسلامية.

ولم يكن هذا الحضور انعكاسًا لطموح سياسي فحسب، بل كان تعبيرًا عن رؤية تؤمن بأن استقرار المنطقة وازدهارها مسؤولية مشتركة، وأن العمل الإنساني جسر للتقارب بين الشعوب، وأن الحوار هو السبيل الأمثل لتجاوز الخلافات وبناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.

وفي المحافل الدولية، رسخت قطر مكانتها بوصفها دولةً تمتلك رؤية واضحة، وشريكًا فاعلًا في قضايا التنمية والتعاون الدولي. وتعزز حضورها في مجالات الاقتصاد، والثقافة، والرياضة، والتعليم، والإعلام، حتى غدت تجربتها التنموية محل اهتمام وتقدير في العديد من الأوساط الدولية، بما يعكس ثمار التخطيط طويل المدى والإدارة الواعية.

واليوم، وبعد عقود من العمل والإنجاز، تبدو ملامح تلك الرؤية أكثر وضوحًا. فالمؤسسات التي أُسست، والمشروعات التي أُطلقت، والاستراتيجيات التي وُضعت، لا تزال تشكل ركيزة لمسيرة التنمية التي تواصلها دولة قطر بثبات وطموح.

وهكذا، فإن الإرث الحقيقي للقادة لا يُقاس بسنوات الحكم، وإنما بما يتركونه من أثر في حياة الناس، وما يغرسونه من مبادئ تستمر في صناعة المستقبل.

لقد كان صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني قائدًا آمن بأن نهضة الوطن مسؤولية تاريخية، وأن خدمة المواطن واجب لا يتوقف، وأن الحضور العربي والإسلامي والدولي يكتسب قيمته من العمل البنّاء، واحترام الإنسان، والإسهام في ترسيخ الأمن والتنمية والسلام.

وهكذا تبقى مسيرته جزءًا أصيلًا من تاريخ قطر الحديث، ومحطةً بارزة في رحلة وطن اختار أن يجعل من الطموح منهجًا، ومن التنمية رسالة، ومن الإنسان غايته الأولى. وستظل الإنجازات التي تحققت خلال تلك المرحلة شاهدًا على أن الرؤية الحكيمة، إذا اقترنت بالإرادة والعمل، قادرة على أن تصنع مستقبلًا يليق بالأوطان ويخلد في ذاكرة التاريخ.

ومع رحيل فقيد الوطن سيظل القلب النابض والملهم لهذا الوطن من مواطن ومقيم على هذه الأرض المباركة (رحم الله بانيها وحمى الله حاميها).

مساحة إعلانية