رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الانتخابات الرئاسية التونسية القادمة يوم 23 نوفمبر القادم تشكل منعطفا كبيرا في التجربة التونسية الديمقراطية التي يراقبها العرب ويرون فيها التجربة الوحيدة الناجحة حتى في تجارب الربيع العربي، النجاح الحذر للتجربة أسبابه عديدة وليس الآن مجال نقاشه، وهي في مجملها أسباب تولدت عن السياق التونسي المدني وآلياته الداخلية، وعقلانية "خريطة طريق" ما بعد الإطاحة بابن علي، ثم المراقبة اللصيقة لما كان يحدث في بلدان عربية أخرى والاستفادة منها (مصر. وليبيا على وجه الخصوص). مقاربات إسلاميي تونس ورشدهم أسهمت في الحفاظ على مسار ما بعد الثورة توافقيا. وأطفأت كثيرا من احتمالات الانفجار هنا وهناك، وتخلي حركة النهضة عن الحكومة في مرحلة من المراحل لصالح تشكيل حكومة تكنوقراط تقود البلاد إلى الانتخابات التشريعية والرئاسية عكس نضجاً متفوقا في صفوف الإسلاميين في تونس عندما نقارن ممارساتهم بإخوان مصر مثلاً أو تطرف إسلاميي ليبيا. في سجالات الإسلاميين مع بعضهم البعض ومع خصومهم ثمة جدل عريض كان يُثار دوما بين خياري "المغالبة" و"المشاركة" في الحكم. أنصار "المغالبة" هو الأكثر تطرفا وتوترا والظانون بأن مسألة الحكم نزهة لا أكثر ولا أقل أنصار "المشاركة" هم الأكثر عقلانية وهم من كانوا ومازالوا يدركون أن قيادة أي بلد ليست كقيادة أي حزب أو تنظيم، وأن ما ينطبق على "الجماعة" لا يمكن أن ينطبق على البلاد بأسرها، "مغالبة" الإخوان في مصر قادت إلى كوارث سياسية، و"مشاركة" النهضة في تونس قادت إلى التطبيق العملي والناجح لمقاربة "التوافق الوطني".
و"التوافق" ليس أمرا سهلاً وميسورا لأنه يعني التنازل والمساومة والبحث عن أرضيات مشتركة، والابتعاد عن الغرور السياسي الذي يوفره الفوز الانتخابي. والظافرية الانتخابية تأتي بمقادير هائلة من الثمالة التي تعمي المُنتصر عن رؤية الأمور على حجومها الحقيقية، ذلك أن الفوز النسبي الانتخابي الذي يكون لا يكون إلا بنسبة مئوية ضئيلة، يتحول إلى "نصر مؤزر" يمنح صاحبه الحق الحصري للنطق باسم الشعب والبلاد. والتنطع لإعادة كتابة الدستور، وصوغ المجتمع، وسوى ذلك. والقيادات، حتى العقلانية منها، يُسكرها النصر الانتخابي خاصة مع تسييد الشعارات الكبرى وضغط القواعد الحزبية التي تكون قد انتظرت مثل هذه اللحظة طويلاً.
على المستوى الوطني الأعم لا يبدو أن هناك مقاربة ناجحة سوى مقاربة التوافق قادرة على احتلال الحقبة الانتقالية التي تلي أي سقوط أي نظام استبدادي. ذلك أن المسارعة للقفز إلى انتخابات يكون الهدف منها حسم "القيادة الوطنية" لتؤول إلى قوة معينة تتصدى للحكم منفردة لا يحقق الانتقال الديمقراطي المطلوب، ليست هذه نظرية جديدة في التقعيد لمراحل الانتقال الديمقراطي بل هي النمط الأكثر نجاحاً في التجارب العالمية (خاصة الأمريكية اللاتينية). حال الدول والمجتمعات الخارجة من الاستبداد تكون خليطا من الهشاشة الوطنية، وفقدان القواسم المشتركة العميقة (ما عدا قاسم العداء للنظام الاستبدادي)، وغياب التجربة السياسية والديمقراطية الحقيقية التي لم تكن لتتيحها عقود السلطوية والانسداد السياسي، يُضاف إلى ذلك أن الخصومات الأيديولوجية والسياسية التي تنشأ في الصف الوطني، رغم توحده على خصومة المُستبد، تنفلت من كل قيودها في مرحلة التحرر الثوري، وقد تتحول إلى آلات تدمير حقيقية إن لم يتم ترشيدها ولجم انفلاتاتها الهوجاء. على هذا، تكون نقطة البداية في حقبة التوافق الوطني، وكما طُبقت في التجربة التونسية، الاتفاق على الدستور الجامع، وهو اتفاق يجب أن يسبق الانتخابات التشريعية والرئاسية، وعلى أساس الدستور التوافقي تنطلق العملية السياسية بمساراتها المتعددة، أما كتابة الدستور بعد إجراء الانتخابات التشريعية أو الرئاسية فسوف يقود إلى التشكيك في حياديته واستمرار الاتهامات المُتبادلة بشأنه وبأنه كتب تحت تأثير الغالبية التي فازت بالبرلمان، أو القوة المسيطرة على الحكم (مثلاً، الدستوران المصريان اللذان صيغا بعد ثورة يوليو تعرضا ومازالا يتعرضان للنقض وتهم الانحياز وعدم الحيادية).
قطعت التجربة التونسية إلى الآن أشواطا كبيرة ورائعة، وآخرها الانتخابات البرلمانية، ونتائج تلك الانتخابات تعزز منطق التوافق لأنها أشارت إلى عدم إمكانية أي حزب من الأحزاب الإنفراد بالحكم، وتفرض منهج المشاركة وإنشاء حكومة تآلف وطني، الشيء المقلق، مع ذلك، إن كثيرين يخشون أن يكون حزب نداء تونس هو حصان طروادة الذي يتسلل تحته النظام القديم برموزه وعفنه وفساده، من حق التونسيين أن يعلنوا عن تلك الخشية بأكبر صراحة ممكنة وبأعلى الصوت، وعلى نداء تونس أن يثبت العكس، ومصدر الخشية الثانية أن تتسلل الثمالة إلى نداء تونس وتنحو باتجاه إقصاء النهضة عن المشاركة في الحكم والنزوع نحو الإقصاء والتهميش عبر التحالف مع الأحزاب الليبرالية والعلمانية الأخرى، فتنقطع مسيرة التوافق الضرورية والمطلوبة والملحة في الفترة الانتقالية، في المراحل القادمة وبعد أن يترسخ المسار الديمقراطي تصبح خيارات الحزب الفائز بالانتخابات إزاء التحكم بالسلطة معقولة ومفهومة، لأنها ستقوم على أرضية صلبة، لكن الآن مازالت تلك الأرضية طرية ولا تتحمل انفرادات الأحزاب الأيديولوجية بالحكم والسلطة.
التخوفات التي تُثار حول "نداء تونس" قد تتعزز في حال فوز القائد السبسي بالانتخابات الرئاسية، وهذا يجب أن يدفع القوى الأخرى المنافسة للتوافق لإنجاح مرشح يعبر عن الربيع التونسي، وحتى يعادل فوز نداء تونس بالانتخابات التشريعية ويعود المشهد السياسي التونسي إلى نقطة توازن القوى التي تفرض على الجميع البقاء في منطق "التوافق"، فوز القائد السبسي بالانتخابات الرئاسية يكسر ذلك التوازن، ويزيد من إغراء قوى النظام القديم كي تعود بقوة إلى الساحة، وهذه المرة على رافعة الديمقراطية والانتخابات. وإن حصل هذا فإن التجربة اليتيمة التي نعتز بها في المنطقة العربية تدخل مرحلة الخطر الحقيقي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4362
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3192
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1230
| 28 سبتمبر 2026