رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أوجد العلم التفسيرات القيّمة للسلوك البشري، ووضع لكل فئة منهم الأسباب والدوافع والتحليلات المناسبة، بعد دراسة وتجارب طويلة، ولكن تظل لكل واحد منا رؤيته الخاصة، التي يستطيع من خلالها وضع تحليلاته وتفسيراته لأي سلوك يصادفه، ليس شرطاً أن نكون صائبين، ولكن على الأقل لدينا آراؤنا التي عليها نبني تصرفاتنا مع الآخرين.
لا يخلو مجتمعنا من العيوب، كما هو العالم من حولنا، فنحن لسنا كاملين ولسنا ملائكة، رغم ادعاء الكثيرين بالمثالية، ورغم إصرارهم على إظهار المجتمع بتلك الصورة، التي اعتبرها شخصياً علامات مرض لابد أن تزول، فإذا أردت أن تعالج؛ عليك أن تكشف على الوجع وتفحصه وتحلله وتقدم علاجاتك بطريقتك ودورك في هذا المجتمع وليس (بالفلسفة) والحديث عما هو ليس موجودا إلا على الورق وفي الأحلام.
ولأني منحازة نوعاً ما إلى بنات جنسي، وأقف في صفهن متى استدعت الحاجة إلى ذلك، طبعاً بمنظوري الشخصي ووفق قناعاتي واقتناعي بهذه الحاجة، كان علي أن أرفع صوتي لأقف ضدهن أيضاً، ولست أقصد بالضد هنا (العدواة) إنما (بالنصح والإرشاد)، فهناك من تستحق الإيقاف للتنبيه، وهناك من تستحق القسوة في الأسلوب، وهناك من تحتاج إلى أكثر من ذلك، وتكفي الإشارة، فاللبيب من الإشارة يفهم، كي لا (يزعلون علينا أهل حقوق المرأة) ولا يتهمني المثقفون بالتخلف، فهناك فئات من جنس المرأة ما زالت وبرغم كل هذا التمجيد الذي تعيشه المرأة في عصرها الذهبي هذا، والذي أعطاها أكثر مما كانت تحلم به ذات يوم، من هن محدودات الفكر، سطحيات الشخصية، قاصرات النظر، يصل بهن الحال إلى التفاهة في فهم الحياة، فلا عقل ولا منطق ولا حتى وعي، إفلاس حقيقي مصدره جهل الذات، عندما أتأمل بعض النساء اللائي جمعتني بهن صدف الحياة وأجبرتني دون إكراه على التعاطي معهن، أجد نفسي حزينة جداً عليهن، لذلك الإطار الضيق الذي يحصرن أنفسهن فيه، فاهتماماتهن محصورة في قشور الحياة، بين الأسواق والملابس والعطورات والماركات والموضة وبين الثرثرة والمجالس النسائية والتسكع في المجمعات، والإعلام الهابط الذي يصدر لهن الهبوط الفكري الأخلاقي ويستغلهن بمختلف الأشكال والطرق، وبين الطبخ والنفخ ومشاكل الخدم وطبعاً بين الرجل الذي غالباً ما يقترب سعيداً بتلك البهرجة الكاذبة التي يزيفن بها شخصياتهن والأصباغ التي يدهن بها وجوههن ومن ثم يستيقظ بعد أن وقعت الفأس في الرأس وأنجب الأبناء، اكتشف أن من اختارها زوجة تشاركه الحياة خاوية العقل باردة الروح عقيمة الوعي، وبعد الصدمة لا يجد حلاً إلا الهرب منها وخلق أجواء أخرى خارج المنزل أو يستسلم ويتبع أضعف الإيمان وهو لزوم الصمت، ويعيشان في تعاسة يحكمها الروتين والمجتمع المعلب.
قال المفكر الغربي جان جاك روسو: (إن الرجل من صنع المرأة، فإذا أردتم رجالاً عظماء أفاضل فعلموا المرأة معنى عظمة النفس ومعنى الفضيلة)، فهذا المخلوق الضعيف قادر على أن يغير وجه المجتمع متى ما صلح، وقادر على العكس متى ما فسد، ولكن للأسف كلما تقدمنا إلى الأمام سارت الأنثى تجاه التخبط والتعلق بالظواهر والشكليات والبهرجة الزائفة التي يغذيهن بها الإعلام الهابط، ولا أعلم بالضبط من المسؤول الأول عن ذلك، هو الإعلام الذي يُسخف من وجودها باستغلاله لها وجعلها سلعة دعائية للترويج الإعلاني وبالبرامج السطحية، التي تركز على حصرها في الطبخ والترفيه دون الاكتراث لعقلها لأنه يركز على جسدها أكثر، أم من الرجل الذي مارس لعقود سلطته وقلل من وجودها وعمد إلى تهميشها، أم من المجتمع الذي كان في يوم يتجاهلها ويكممها حتى أصبحت خانعة مستسلمة، أم هو الغزو الثقافي الذي امتد لينتشلها من مجتمعها فضيعها عن نفسها ولم تعد تعرف ما لها وما عليها ولم يعد لديها اتجاه واضح لأنها تتبع النمط السائد في المجتمع.
عزيزتي متى ستنتبهين إلى أنكِ عقل يحرك جسداً وليس العكس؟! إلى متى ستظلين محدودة الفكر ضيقة الأفق؟! إلى متى ستقفين في عنق الزجاجة تخنقين نفسك وأحبابك في سطحياتك؟!، متى ستدركين أن الحياة قصيرة وأن عمركِ فيها أقصر؟!، متى ستحركين ذلك العقل العاطل عن العمل وتثقفينه بالمعقول من أجل نفسك ومن حولكِ؟! متى ستتوقفين عن الثرثرة وتضييع الوقت؟!، ألم يخطر ببالك يوماً أن تغيري حياتكِ، أسلوبكِ، تفكيركِ قبل أن تغيري وجهك بالزينة وعمليات التجميل؟!، لماذا تسمحين للمستغلين أن يجعلوك أضحوكة، ومن الآخرين سخرية؟! لِمَ تصريّن بجهل على تأكيد المقولة الشهيرة التي يتباهى بها السطحيون (انكِ ضلع أعوج)؟!، أليس هذا زمنك وأنتِ سيدته الآن، لماذا تقفين فيه مع المتفرجين وتسيرين فيه مع السائرين، دون أن تنتبهي لما تريدين وما يجب أن يكون؟!، عزيزتي، اصنعي لنفسك مكانا ليس بالخروج ومزاولة العمل وغير ذلك من ضروريات الحياة اليوم، فهذا شيء آخر، إنما بإثراء نفسك بالثقافة والأسلوب الراقي والترفع عن السخافات التي تنقصكِ، ضعي لنفسك هدفا واسعي من أجل تكوينه باتزان، اقتربي من الله واتركي الانفتاح الذي يخرجكِ عن حشمتكِ.
قبل أن أغلق نافذة هذا الصباح..
ماذا تريدين مني أن أقول لكِ أكثر فإذا لم تدركي أنتِ ما أعنيه من داخلكِ فما نفع قلمي.
الكروة يا كروة
في الخارج يستخدم الكثير منا سيارات الأجرة للوصول إلى هدفه، وفي الغالب نقع تحت رحمة سائق السيارة الذي... اقرأ المزيد
725
| 21 سبتمبر 2013
متنفس
ليست كل الأبواب تجيد حبس الهواء، هكذا آمنتُ منذ أن أغلقت أول باب على نفسي، إذ هناك تسربات... اقرأ المزيد
909
| 16 سبتمبر 2013
ليس كل ما يلمع ذهباً
رفوف ملونة تكفلت بحمل غرامي في جمع كتب لا أمل من اقتنائها كلما سنحت لي الفرصة.. وقفت أمامها... اقرأ المزيد
1155
| 24 يوليو 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4260
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3207
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1125
| 28 سبتمبر 2026