رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

شريف عبد الرحمن سيف النصر

شريف عبد الرحمن سيف النصر

مساحة إعلانية

مقالات

668

شريف عبد الرحمن سيف النصر

الإسلاميون والرهان على المجتمع

11 فبراير 2015 , 02:47ص

في إطار حالة الانقلاب الإقليمي على ظاهرة الإسلام السياسي تحول الكثير من المهتمين بالظاهرة الإسلامية إلى القناعة بعدم إمكانية إصلاح الدولة أو التصالح معها على أساس ديني، ونقلوا رهانهم إلى مستوى المجتمع. فقد تبين لهؤلاء أن الدولة الحديثة التي أفرزتها التطورات الغربية، وقدمت إلى المشرق فى ركاب المستعمر الأوربي، مستعصية على الإصلاح، وأن تحقيق مشروع إسلامي فيها يبدو أصعب مما كان يتصور المصلحون الأوائل من أمثال جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا.

وقبل أن نناقش مغزى الدعوة الجديدة، نناقش فى هذا المقال الحجج التي يطرحها المصلحون المعاصرون حول صعوبة الإصلاح أو التصالح مع الدولة الحديثة، فما الذي تبين لهؤلاء فيما يخص مشروع الدولة القومية وجعلهم ينقلون رهانهم الإصلاحي إلى خانة المجتمع بدلا من خانة الدولة.

يسوق هؤلاء عددا من الحجج، أبرزها أن الدولة الحالية هي حصيلة تراكم فكري عكس خصوصية التجربة التاريخية الغربية وتشرب بقيمها (أو لا قيمها)، وانتصر لتصوراتها حول الإنسان والطبيعة والمجتمع، على نحو مغاير لمفاهيم الواقع الإسلامي. وعندما تم تصدير هذه "الدولة" إلى المشرق، فإنها جاءت محملة بتحيزاتها على نحو عضوي لا يمكن علاجه، ولهذا فشلت تيارات الإسلام السياسي في أعقاب الموجة الأولى من موجات الربيع العربي في الحكم، بسبب فشلها في مجاراة المنظومة القيمية للدولة الحديثة، وعجزها عن التكيف مع مؤسساتها ومفاهيمها، وعدم امتلاكها لرؤية بديلة تفعّل من خلالها تصوراتها للإصلاح السياسي المنطلق من أرضية دينية.

من ناحية ثانية نجحت منظومة الدولة الحديثة في ترسيخ المفاهيم السياسية المرتبطة بها، مثل الولاء والمواطنة والسيادة، فيما جرمت كافة المفاهيم التي تمثل انحرافا عن هذا الأصل. فالتوجه بالولاء لغير كيان الدولة (للرابطة الدينية مثلا) يمثل في عرف الدولة الحديثة نوعا من الخيانة. أيضا فإن ترسيخ معنى سيادة الدولة بوصفها السلطة التي لا تعلوها سلطة، مثل نقطة هامة نجحت الدولة الحديثة فى إحرازها، فالقليلون الآن هم من يشككون في صحة هذه الفكرة، فحتى أضعف الدول على مستوى القدرات والموارد يمكنها أن تدعى أنها دول ذات سيادة، صحيح أن ترتيب الدولة ضمن هيكل النظام الدولي يحدد مكانها الحقيقي وفقا لقدراتها وليس وفقا لما تدعيه من سيادة، ولكن على المستوى الداخلي، يمكن لأي دولة أن تدعى السلطة العليا على جميع مكوناتها الداخلية، من الأفراد والجماعات والقبائل. بحيث تجعل من يغامر بتحديها موصوفا بالخروج على النظام، أو مقاومة الدستور، أو غير ذلك من تهم الخيانة العظمى.

من ناحية أخرى فإن الدولة الحديثة هي جزء من نظام عالمي مستقر، لا يقبل بأي تغيير هيكلي يلحق بأحد مكوناته، فمن المهم أن تظل جميع الوحدات (بما فيها تلك المارقة) على شكلها المقبول بالنسبة للتنظيم الدولي، وهو شكل الدولة القومية، والتي يمكن تأديبها عسكريا أو اقتصاديا، أو في أسوأ الظروف احتلالها. ولكن لا يمكن قبول أن تتحول إلى شكل غير قومي، تنتقل السيادة في إطاره إلى جماعة أو جماعات غير متطابقة مع المفهوم القومي. فالكيانات من غير الدول هي عفريت النظام العالمي المعاصر، ونشير في هذا الصدد إلى الجدل الكبير الذي أثير بمناسبة ما عرف بحروب الجيل الرابع، حيث كان الهاجس الأعظم المرتبط بهذا المفهوم هو تراجع دور الدولة لصالح الجماعات من غير الدول.

المركب السياسي الاقتصادي أيضاً لا يبدو أنه قابل للفصم، فالدولة الحديثة وحدة سياسية/اقتصادية في ذات الوقت، وبمجرد اعتراف ما يسمى بالمجتمع الدولي بدولة ما فإن هذا يعني أنها قد أصبحت جزءا من منظومة اقتصادية بعرض العالم، منظومة لها قيمها المغايرة بطبيعة الحال للقيم الدينية بشكل عام والقيم الإسلامية بشكل خاص. وفي الوقت الذي حاولت فيه التجارب الإسلامية أن تتجاوب مع هذه المنظومة على نحو ذرائعي، وفي نيتها أن تستقل عنها في مرحلة من المراحل، فإن الحاصل أن المركب السياسي الاقتصادي كانت له الغلبة، وكان هو من فرض شروطه وليس العكس.

ولذا فإنه رغم كل ما يقال عن أزمة الدولة الحديثة، وكيف أن ظاهرة العولمة قد أدت إلى تراجع أهمية الدولة، وعن دور التكنولوجيا الحديثة في تفكيك المعنى التقليدي للسيادة، وعن بروز الجماعات من غير الدول، رغم كل ذلك تظل الدولة هي الفاعل الأبرز في كافة السياقات الإقليمية والعالمية، ومن ثم يصبح الرهان على إمكانية تغيير طبيعتها ثقافيا أو اجتماعيا أو سياسيا رهانا غير مضمون، فليس ثمة ما يؤكد أن الدولة الحديثة يمكن أن تتخلى عن شكلها التقليدي، صحيح أن هناك العديد من الظواهر التي تنافسها، أو تشكل تحديات لها، ولكن تصميم الدولة الحديثة قد أخذ فى الاعتبار أن ينزع عن كل ما ينافسها صفة الشرعية، ما يضمن لها أن تظل في الجانب الآمن في إطار أي منافسة تشهدها.

لهذه الأسباب ولغيرها أيضاً بات الكثير من الإصلاحيين المعاصرين معنيين أكثر بالاستثمار في ظاهرة "المجتمع الإسلامي"، وليس "الدولة الإسلامية"، على اعتبار أن هذه الأخيرة خيار مؤجل أو حتى مستحيل على حد البعض. فما مضمون هذه الدعوة البديلة وما هي احتمالات نجاحها، هذا ما نناقشه في مقال لاحق.

مساحة إعلانية