رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سعد الحلبوسي

مساحة إعلانية

مقالات

471

د. سعد الحلبوسي

العراق .. واختبار الدولة

17 مايو 2026 , 10:44م

منذ عام 2003 والعراق يعيش داخل دائرة سياسية مغلقة، تتبدل فيها الحكومات وتتغير الوجوه، لكن الأزمة الجوهرية بقيت على حالها دون تغيير، لأنّ المشكلة لم تكن في انتقال السلطة أو تداول المناصب، بل في غياب "مشروع الدولة" القادر على تحويل العراق من ساحة للصراعات والتجاذبات إلى دولة تمتلك قرارها وسيادتها ومؤسساتها الفاعلة. ومع نيل حكومة علي الزيدي ثقة البرلمان، يعود السؤال الاستراتيجي نفسه ليُفرض بقوة: هل نحن أمام حكومة جديدة تُضاف إلى سلسلة الحكومات السابقة أم نحن أمام بداية محاولة حقيقية لإعادة بناء الدولة العراقية؟

إنَّ العراق اليوم يقف عند لحظة مختلفة تماماً عن المراحل السابقة، لأن البلد استنزف تقريباً كل فرص المناورة السياسية التقليدية ولم يعد المجتمع يحتمل المزيد من الحلول المؤقتة أو "التسويات" التي تُرحّل الأزمات من مرحلة إلى أخرى، بمعنى آخر هو يعيش حالة من الانكشاف السياسي والاقتصادي والأمني، الأمر الذي يجعل المرحلة الحالية أقرب إلى "الاختبار الأخير" للنظام السياسي برمته.

لقد قامت الحكومات المتعاقبة طوال السنوات الماضية على فلسفة "التوازنات والمحاصصة" لا على فلسفة "الإنجاز وبناء المؤسسات" ولذلك تحولت أغلب الحكومات إلى إدارات لتخفيف الاحتقان السياسي لا إلى مشاريع وطنية قادرة على صناعة التحول الحقيقي، ومن هنا فإن نجاح حكومة علي الزيدي لن يُقاس بعدد التصريحات أو الاتفاقات السياسية بل بقدرتها على الانتقال من منطق التسويات إلى منطق الدولة.

وأول اختبار حقيقي أمام الحكومة الجديدة يتمثل في "استعادة الثقة الشعبية" وهي أخطر ما خسرته السلطة خلال السنوات الماضية، لأنّ المواطن العراقي لم يعد يقتنع بالشعارات والخطابات، بل أصبح يبحث عن نتائج ملموسة يشعر بها في حياته اليومية فهو الذي أرهقته الأزمات الاقتصادية وضعف الخدمات والبطالة ولم يعد يريد وعوداً طويلة الأمد بل يريد دولة تحترم كرامته وتؤمن له الحد الأدنى من الاستقرار والعيش الكريم.

ولهذا فإن الأشهر الأولى من عمر الحكومة ستكون حاسمة في تحديد طبيعة العلاقة بين الشارع والسلطة، فإذا استطاعت الحكومة أن تقدم نموذجاً جاداً في مكافحة الفساد وتحسين الخدمات وفرض هيبة القانون فإنها ستنجح في استعادة جزء من الحاضنة الشعبية وهي القوة الأهم لأي مشروع إصلاحي حقيقي.

أما الملف الأمني فإنه يبقى أساس الاستقرار السياسي كله، لأنّ الدولة التي لا تحتكر قرار القوة والسلاح بيدها لا تستطيع أن تبني مشروعاً سيادياً مستقلاً، ورغم التحسن النسبي في الوضع الأمني، فإن العراق ما زال يعيش هشاشة واضحة نتيجة تشابك الملفات الداخلية مع التأثيرات الإقليمية والدولية، ولذلك فإن حكومة علي الزيدي ستكون مطالبة بإعادة تعريف مفهوم الأمن بوصفه مشروع سيادة شاملا لا مجرد انتشار للقوات الأمنية في المدن.

وإن فرض هيبة الدولة وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء ومنع تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية تمثل التحدي الأصعب أمام الحكومة الجديدة، لأنّ العراقيين يريدون دولة قوية تحمي حدودها وقرارها الوطني لا دولة تتأثر بكل عاصفة تهب من الخارج.

وعلى المستوى الاقتصادي تبدو المعركة أكثر تعقيداً وخطورة، لأنّ العراق رغم ثرواته الهائلة ما زال يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط وهذه معادلة شديدة الخطورة في عالم تتغير فيه موازين الاقتصاد والطاقة بسرعة كبيرة، وإن استمرار الاقتصاد الريعي يعني بقاء القرار السياسي هشاً وقابلاً للاهتزاز مع كل أزمة مالية عالمية.

وإن الحكومة العراقية الجديدة أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر تنوعاً من خلال تنشيط الصناعة والزراعة وتشجيع الاستثمار الحقيقي بعيداً عن المشاريع الوهمية التي استنزفت ميزانيات الدولة خلال السنوات الماضية، كما أن تحقيق الأمن الغذائي والدوائي لم يعد مجرد ملف خدمي بل أصبح جزءاً من مفهوم الأمن القومي لأن الدولة التي تعتمد بالكامل على الخارج في غذائها ودوائها تبقى عرضة للضغوط والابتزاز في كل أزمة.

وفي الجانب السياسي فإن إدارة العلاقة مع القوى السياسية المختلفة تحتاج إلى قدر كبير من التوازن والحكمة، لأنّ العراق بلد معقد التركيبة ولا يمكن إدارته بمنطق الغلبة وحده لكن الخطر يكمن في أن تتحول التوازنات السياسية إلى قيود تمنع الإصلاح الحقيقي، ولذلك فإن حكومة علي الزيدي مطالبة من قبل الشعب بالموازنة بين بناء التفاهمات السياسية وبين الحفاظ على استقلالية القرار الحكومي وعدم الخضوع لابتزاز المصالح الحزبية الضيقة.

كما أن اختيار الكفاءات المهنية سيكون اختباراً مبكراً لجدية مشروع الإصلاح، لأنّ الدولة لا تُدار بالمحاصصة ولا بالمجاملات السياسية، بل بالعقول القادرة على التخطيط واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، وكل إصلاح حقيقي يبدأ من بناء مؤسسة قوية يقودها أشخاص يمتلكون الكفاءة والنزاهة والإرادة.

أما خارجياً فإن العراق يمتلك فرصة مهمة لإعادة تموضعه الإقليمي والدولي، لأنّ الموقع الجغرافي والثقل التاريخي والسياسي للعراق يمنحانه القدرة على أن يكون لاعباً مؤثراً في المنطقة لا مجرد ساحة للصراعات، وإذا استطاعت الحكومة الجديدة أن تنتهج سياسة خارجية متوازنة تقوم على المصالح الوطنية والحياد الإيجابي فإن العراق سيكون قادراً على استعادة دوره الطبيعي كقوة استقرار إقليمية.

لكن كل هذه الملفات تبقى مرتبطة بعامل واحد حاسم وهو "الإرادة السياسية" لأنّ الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بالشعارات والبرامج وحدها، بل يحتاج إلى قرارات شجاعة تصطدم أحياناً بشبكات مصالح واسعة اعتادت الاستفادة من ضعف الدولة وترهل مؤسساتها.

ولهذا فإن حكومة علي الزيدي تقف اليوم أمام امتحان تاريخي حقيقي؛ فإما أن تنجح في إعادة إحياء مشروع الدولة العراقية القوية، وإما أن تتحول إلى محطة أخرى في سلسلة الأزمات الممتدة منذ أكثر من عقدين من الزمن.

والعراقيون لا ينتظرون المعجزات لكنهم ينتظرون دولة قوية تمتلك القرار والشجاعة والقدرة على إعادة البلد إلى أبنائه، ومن ينجح في تحقيق ذلك سيكتب بداية مرحلة جديدة في تاريخ العراق الحديث.

مساحة إعلانية