رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الوضع في سوريا يزداد تعقيداً ويستعصي على إيجاد تسويات مقبولة النظام يستمر في القتل وسفك الدماء بلا هوادة أو تراجع محدودية المقاومة عبر الشبكات الاجتماعية وقدرتها على تحقيق تغيير السلطة
الانقسام حول الوضع في سوريا يتسع بدل من ان يتوحد، ورغم الموقف السعودي والقطري الصريح في إدانة النظام ورموزه والمطالبة بدعم المعارضة وحتى تسليحها، نجد المواقف المساندة المترددة والمتجاهلة للوضع والمتفرجة على مشهد القتل والدمار اليومي من قبل دول خليجية وعربية خرج بعضها من رحم الديكتاتورية وعلى رأسها العراق الذي استضاف القمة العربية الأخيرة وعمق الخيبة من استمرارها ووجودها وشرعيتها كمظلة تجمع الدول العربية والتي يعيش معظمها أوضاعا مزرية ومتردية ومصنفة عالميا كدول فاشلة.
(1)
الوضع في سوريا يزداد تعقيداً ويستعصى على إيجاد تسويات مقبولة. لا المواقف الدولية قادرة ان توقف العنف وآخرها مهمة كوفي عنان، المبعوث المشترك للأمم المتحدة ولا مبادرات وتحركات وبعثة مراقبي جامعة الدول العربية. النظام يستمر في القتل وسفك الدماء بلا هوادة أو تراجع أو استسلام وهو مسنود من أطراف دولية وإقليمية وعربية ومدعوم ماديا وعسكريا واقتصاديا من إيران والعراق وروسيا والفيتو الصيني. انها فعلا محرقة كبيرة يتعرض لها الشعب السوري الذي خرج مطالبا بالحرية والديمقراطية والانتهاء من حكم الاستبداد والديكتاتورية من حكم الأسد وعائلته التي مثلت حكاية نجاح المافيا العربية بامتياز في الوصول إلى الحكم في البلاد والتحكم في رقاب العباد. والذين خرجوا مؤمنين بالتغيير يتصدون لأكثر من نصف مليون عسكري وأمني مسلحين وشبيحة للنظام لا يتورعون عن قتل النساء والأطفال وكبار السن وسحق كل من يخرج إلى الشارع أمام أنظار العالم بلا خجل واستحياء وردع. لماذا لم يقع النظام كما حدث في تونس ومصر من الداخل او في ليبيا من الداخل والخارج صحيفة "التايمز" البريطانية ذكرت ان بشار الاسد استفاد من أخطاء المعارضة السورية المنقسمة ومن الموقف الدولي المتخبط، فمن ناحية المقاومة المسلحة. فان الجيش الحر مكون من منشقين عن النظام ممن لا يملكون الاسلحة والعتاد والقيادة الموحدة كما ان محاولات النظام للدفع بعسكرة الانتفاضة ادت الى احداث بلبلة في اوساط المتظاهرين الذين لم يكن كل واحد منهم مستعدا لحمل السلاح والدخول في مواجهة معه. اما بالنسبة للمعارضة فقد نجح النظام في تقسيمها، فهناك من طالب وبعبارات غامضة بإصلاح النظام وهناك طرف ثان رفع شعار انهاء حكم عائلة الاسد وطرف ثالث رفض انهاء الانتفاضة بدون تغيير للنظام بشكل كامل وليس الاطاحة بعائلة الاسد. ونتيجة لذلك نجح الاسد في استغلال الانقسام وقام بزرع ما يعرف بـ "الغواصات" داخلها وهم رجال النظام ممن دخلوا المعارضة واخذوا يتحدثون باسمها ويظهرون انهم معارضون للاسد ويسبون نظامه، مما ادى الى حرف المعارضة عن اهدافها وتأكيد انقسامها كما ان الموقف الدولي من النظام كان عاملا من عوامل استمراره ولمدة عام على الرغم من المطالب برحيل الاسد.
(2)
على الصعيد الخارجي والدولي فالمواقف متشتتة وغامضة وغير متحمسة فلا يوجد الكثير في سوريا لكي يحارب المجتمع الدولي من اجله وخصوصا في ظل غياب عنصر مادي فاعل كالنفط والغاز لتسديد فاتورة التدخل العسكري كما حدث في الكويت والعراق وليبيا. تقرير صحيفة "التايمز" البريطانية يشير الى ان الموقف الامريكي الذي كان داعما في بدايته لثورات الشوارع العربية ظل غامضا في سورية. الرئيس الامريكي باراك اوباما قال "على الاسد الرحيل" ولم يحدد الى اين يذهب فباستثناء إيران فالاسد ليس هناك مكان يرحل اليه كما حدث مع العقيد القذافي، ومن هنا لم يجد امامه سوى القتال وتدمير المدن مثل حمص وحماة وادلب وجسر الشغور ودرعا واتباع سياسة "الارض المحروقة". وتنبع اخطاء اوباما من اخطاء الامم المتحدة التي لم تكن قادرة على تقديم موقف متماسك، وخطة عنان لوقف اطلاق النار وحل الازمة انتهت بتحويل الموضوع الى "ازمة انسانية" يرتبط حلها بالحفاظ على الوضع القائم والسماح للخبراء وعمال الاغاثة بتوفير الاعانات للمناطق المنكوبة. ومن اخطاء الامم المتحدة وامريكا عدم قدرتهما على فهم المطالب الروسية وبالتالي تطمينها خاصة في ما يتعلق بقاعدتها العسكرية في طرطوس، كما يشير التحليل الى ان موسكو تخشى الآن من التحالف الامريكي الاخواني، حيث يسيطر الاسلاميون الان على تونس ومصر والمغرب وليبيا. ويرتبط موقف روسيا بالدعم الذي قدمه الاسلاميون للحرب في الشيشان.
(3)
النظام في سوريا يستهدف وسائل الإعلام والإعلاميين وقد تابعنا الضحايا من قبل المراسلين الشجعان الذين خاطروا بحياتهم لينقلوا المشهد الحقيقي من الداخل. الا ان الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام العربية الجزيرة والعربية والبي بي سي والغربية ضعيف ولا يرقى إلى حجم الدور الذي لعبته في الدول العربية الأخرى. والمواقع الاجتماعية لم تقم بالدور نفسه وانقسمت بين مؤيد للنظام ومعارض وغالبية كبيرة متفرجة دون مشاركة وتفاعل! تقرير صحيفة "ديلي تلغراف" اشار الى ان الثورة السورية اثبتت محدودية المقاومة عبر الشبكات الاجتماعية وقدرتها على تحقيق تغيير في السلطة وهو ما تم الحديث عنه في سياق الثورات الشعبية في تونس ومصر. صحيح ان الشبكات الاجتماعية فيسبوك، بودكاست جعلت قضية سورية حية في ضمير العالم وصحيح ان الصور المريعة على يوتيوب والقنوات التلفزيونية جعلت سورية حاضرة في النقاشات السياسية ومحفزة للجهود الدبلوماسية الدولية، وحلت محل الاعلام المحترف والممنوع من دخول سورية وتغطية الاحداث فيها. ولكن هذه النشاطات لم تؤد الى التغيير المنشود فما يزال الاسد ممسكا بكل خيوط اللعبة. وترى الصحيفة انه من اجل الاطاحة بنظام شرس وماهر في ادارة اللعبة تحتاج الانتفاضة السورية اكثر من التويتر، الفيديو، الرسائل الهاتفية، والنقاشات على الانترنت فما تحتاجه الانتفاضة دائرة منظمة ومركزية وتعمل من الداخل قادرة على اصدار الاوامر والتخطيط للاطاحة بالنظام، وعلى السوريين الا يضعوا الكثير من الاهمية على الوسائل الاجتماعية والعودة الى الطريقة القديمة التي اطاحت بانظمة ديكتاتورية وهي حرب الشوارع والعصابات. وتشير الى استراتيجية حركة التحرير الوطني الجزائرية التي تبنت استراتيجية الخلايا المستقلة (3 افراد في كل واحدة) في التجنيد والتي كانت قادرة على التناسخ حتى كان باستطاعة جيش التحرير اغلاق العاصمة الجزائر والقيام بعمليات نوعية وانجاح اضراب عام. وادت الاستراتيجية الى تعقيد مهمة الاستخبارات الفرنسية التي لم تكن قادرة الا على تفكيك خلية واحدة مكونة من القائد وشخصين آخرين. وفي الحالة السورية فان غياب التنظيم كالجزائري يعني ان تظل المقاومة السورية مخترقة وعاجزة عن تحقيق الاهداف فاعتمادها على الوسائل الاجتماعية يعطي الاستخبارات السورية الفرصة للتعرف على الاسماء والواجهات التي تتصل بالداخل مما يعني كشف كل خططها في الداخل ونقاط الاتصال بها، هذه سلبية اما الاخرى فان التكنولوجيا الحديثة وان سهلت الاتصال الا انها قابلة للتطويع والاستخدام ضد المعارضة من خلال خلق ناشطين وهميين، وسرقة اسماء ومواقع ونشر معلومات كاذبة. ومن هنا فان شبكات الاتصال الاجتماعي هي على النقيض من حرب الشوارع، ولو وجدت في الخمسينيات من القرن الماضي لاستمر الاستعمار الفرنسي لعقد او عقدين للجزائر. وكمثال معاصر على محدودية الثورة الشعبية العفوية ما حدث في ايران فيما عرف بالثورة الخضراء التي اندلعت احتجاجا على تزوير الانتخابات عام 2009 حيث اعتمدت على وسائل الاتصال الجماعي ولكن الاستخبارات الايرانية كانت قادرة على احباطها من خلال التعرف على قادتها واعتقالهم. وفي الحالات التي نجحت فيها شبكات الاتصال الاجتماعي تحقيق تغيير كانت عندما وقف الجيش مع الشعب وتردد النظام الديكتاتوري في استخدام القوة.
(4)
هل هناك ما نستطيع أن نقوم به حيال الوضع في سورية وقد تحول إلى مجازر تتفوق على ما قامت به سلطة الاحتلال في فلسطين وسيناء والجولان. وهل سنستمر في التفرج على مشاهد القتل اليومية والدمار من خلال المحطات الإخبارية ومشاهدة الفيديوهات على الانترنت. هل فعلا الحكومات العربية لا تملك الفعل ولا تعرف شعوبها الا النحيب والبكاء والتغني على الإطلال كقصيدة احمد مطر مع تبديل القدس إلى المدن السورية المدمرة وتقديم الاعتذار لها (يا شام معذرة معذرةً ومثلي ليسَ يعتذرُ).
مبادرة الأضاحي.. ومعاناة المضحين
تبذل حكومة بلادنا الرشيدة جهودا مقدرة ومشكورة، تثبت من خلالها اهتمامها وحرصها على تقديم أفضل وأجود الخدمات للمواطنين... اقرأ المزيد
87
| 26 مايو 2026
يوم عرفة.. حيث تتحقق الأمنيات
ثمة يومٌ في العام لا يشبه سائر الأيام، يوم تنزل فيه الرحمات كالمطر، وتُفتح فيه أبواب السماء. إنه... اقرأ المزيد
63
| 26 مايو 2026
دبلوماسية المُيسّر.. كيف رسخت قطر دورها في تسهيل الوساطات الدولية؟
في عالم تتزايد فيه الحروب وتتراجع فيه الثقة بين القوى المتصارعة، لم تعد الوساطة السياسية مجرد طاولة تفاوض... اقرأ المزيد
72
| 26 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1515
| 23 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1317
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1116
| 21 مايو 2026