رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله بندر العتيبي

• أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر

aaletaibi@qu.edu.qa

مساحة إعلانية

مقالات

873

د. عبدالله بندر العتيبي

دبلوماسية المُيسّر.. كيف رسخت قطر دورها في تسهيل الوساطات الدولية؟

26 مايو 2026 , 12:18ص

في عالم تتزايد فيه الحروب وتتراجع فيه الثقة بين القوى المتصارعة، لم تعد الوساطة السياسية مجرد طاولة تفاوض يجلس حولها الخصوم، بل أصبحت عملية معقدة تحتاج إلى شبكة واسعة من الدول والقنوات والأدوار المساندة. هنا يبرز مفهوم المُيسر أو الداعم للوساطة، وهو الدور الذي لا يتصدر المشهد بالضرورة، لكنه غالباً ما يكون أساسياً في إبقاء المفاوضات حية ومنع انهيارها.

هذا النموذج يفسر جانباً مهماً من السياسة الخارجية القطرية خلال السنوات الماضية، حيث لم تسعِ الدوحة دائماً إلى احتكار دور الوسيط الرئيسي، بل عملت في كثير من الأحيان كقوة دعم وتسهيل للوساطات التي تقودها دول أخرى، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة، وشبكاتها الدبلوماسية، وقدرتها على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين أطراف متصارعة يصعب جمعها في مساحة واحدة.

وفي التطورات الأخيرة المرتبطة بالتحركات الباكستانية بين واشنطن وطهران، يبرز الحديث مجدداً عن الدور القطري في دعم جهود الوساطة الباكستانية، وليس الحلول محلها. وهذه نقطة مهمة لفهم طبيعة الدبلوماسية القطرية؛ فالدوحة تدرك أن نجاح الوساطة لا يرتبط فقط بمن يقودها رسمياً، بل بمن يهيئ البيئة السياسية والنفسية والأمنية لاستمرارها.

الوساطة الحديثة لم تعد عملاً فردياً لدولة واحدة، بل أصبحت أقرب إلى هندسة تفاوضية جماعية، تتوزع فيها الأدوار بين وسيط رئيسي، ودول داعمة، وقنوات خلفية، ومسارات غير رسمية. وفي هذا السياق، تمتلك قطر خبرة تراكمية جعلتها لاعباً مهماً في دعم مسارات التفاوض، حتى عندما لا تكون هي الواجهة الرسمية للعملية السياسية.

ظهر ذلك بوضوح في المسارات المرتبطة بالمحادثات الأمريكية الإيرانية خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في الفترات التي قادت فيها سلطنة عمان جهود الوساطة المباشرة بين الطرفين. ففي الوقت الذي كانت فيه مسقط تتصدر المشهد التفاوضي، لعبت الدوحة أدواراً داعمة في تسهيل التواصل، وتهيئة الأجواء، والحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة، ضمن مقاربة خليجية أوسع تقوم على منع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة.

كما أن الدور القطري في ملفات أخرى يعكس هذا النمط من الدبلوماسية المساندة. ففي أفغانستان، لم يكن الأمر مقتصراً على استضافة المفاوضات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، بل شمل أيضاً توفير بيئة تشغيلية ولوجستية وسياسية سمحت باستمرار التواصل حتى في أصعب المراحل. وفي ملفات غزة ولبنان والسودان، كثيراً ما تحركت قطر ليس فقط كوسيط مباشر، بل أيضاً كضامن للتفاهمات، أو كقناة اتصال بين أطراف ترفض الاعتراف العلني ببعضها البعض.

هذا النوع من الأدوار يمنح السياسة الخارجية القطرية مرونة كبيرة. فالدولة التي تعمل كمُيّسر للوساطة تستطيع الحفاظ على علاقاتها مع مختلف الأطراف دون أن تتحمل وحدها كلفة الفشل السياسي أو الانهيار التفاوضي. كما أن هذا الدور يسمح للدوحة بالمساهمة في إدارة الأزمات الإقليمية بطريقة تتناسب مع موقعها كدولة صغيرة الحجم جغرافياً، لكنها كبيرة التأثير دبلوماسياً.

الأهم من ذلك أن قطر نجحت خلال العقدين الماضيين في بناء صورة دولية ترتبط بفكرة فتح القنوات لا إغلاقها. ففي الوقت الذي تتجه فيه بعض القوى إلى سياسات الاستقطاب والعزل، بنت الدوحة جزءاً كبيراً من نفوذها على قدرتها في الحديث مع الجميع تقريباً: الولايات المتحدة، إيران، الحركات السياسية، الفاعلين غير الحكوميين، والقوى الإقليمية المتنافسة.

لهذا، فإن فهم الدور القطري الحالي لا يجب أن يكون فقط من زاوية: هل قطر هي الوسيط الرئيسي أم لا؟ بل من زاوية أوسع تتعلق بكيفية مساهمة الدوحة في إبقاء المسارات الدبلوماسية قائمة أصلاً. ففي كثير من النزاعات، لا يكون الإنجاز الحقيقي هو الوصول إلى الاتفاق النهائي، بل منع انهيار الحوار بالكامل.

وهنا تحديداً، تبدو قطر وكأنها تراهن على فلسفة دبلوماسية واضحة: في منطقة تعيش على حافة التصعيد الدائم، يصبح الحفاظ على قنوات التواصل بحد ذاته شكلاً من أشكال صناعة الاستقرار.

مساحة إعلانية