رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حالة الاستقطاب السياسي والفئوي الحاد في لبنان وتغلغل الحالة السورية في أخص خصوصياته الأمنية والسياسية إضافة للتهديد الصهيوني والحرب الأهلية التي استمرت أكثر من خمس عشرة سنة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي والتي لم تجف ذكرياتها وإفرازاتها الحزبية والولائية وما وصلت الأحداث إليه من اغتيالات مستهدفة وتمردات على الجيش واشتباكات على الحدود مع سوريا وأخيرا سقوط حكومة "نجيب ميقاتي" بعد انتقال الأكثرية إلى أقلية وبالعكس.. على خلفية هذا الكم الهائل والمعقد والشائك والمفتوح على كل وعلى أسوأ الاحتمالات اعتمد البرلمان اللبناني بأغلبية 80 عضوا من الـ128 السيد "تمام سلام" الذي ينتمي لتيار المستقبل لتشكيل ورئاسة الحكومة القادمة.
السيد "سلام" صدرت عنه تصريحات يمكن أن تكون مطمئنة، وأن تفتح نافذة أمل في أن يستطيع المرور بلبنان إلى بر الأمان شريطة أن يظل مقبولا لدى الفريقين وأن يكون قاصدا ما صرح به ويصر عليه.. فقد أعلن أنه يميل إلى التوافق وأنه يأخذ بالحسبان خطورة الحالة الراهنة.. لكن وفي كل الأحوال لا يمكن أن يكون رئيس الوزراء الجديد وحده ومهما كانت وسطيته وحرصه على التوافق الرهان الوحيد لهذا المرور الآمن ما لم يحسن الفرقاء اللبنانيون المختلفون والمتداخلون الإقليميون والخارجيون المتناقضون تقدير الموقف ويتنبهوا لخطورة الحالة اللبنانية وأولوية الاستقرار في هذه المرحلة وما لم يتجنبوا الانزلاق إلى مستنقع الكيدية السياسية في تشكيل الحكومة وفي التعاطي معها ومع الملفات المتفجرة بين يديها.. وأقول:
أما السيد "سلام" وبصفته ودوره الجديد فإن عليه أن يخرج من كولسات تياره السياسي "المستقبل" ومقتضيات تحالفاته الإقليمية غير البريئة.. وأن يتجنب المنازعات وتصفية الحسابات القديمة مع المقاومة وسلاحها مهما كان موقفه السابق وقناعاته تجاه هذه القضية.. وذلك لسببين؛ الأول؛ أن ملف المقاومة وسلاح الحزب ملف تناقض لا توافق، والثاني: أن هذا الملف يمكن تأجيله بالأخص مع وجود العدو الصهيوني وغدراته واختراقاته المستمرة.. فلا يجوز أن يسقط هذا العدو من الاعتبار في أي وقت وتحت أي ظرف لا مع لبنان ولا مع غيره وقد أثبتت التجربة والتاريخ القريب أن ما يستطيع أن تقوم به المقاومة الشعبية كحماس وحزب الله في مواجهة العدو لا تستطيعه لا الدولة اللبنانية ولا السلطة الفلسطينية وربما ولا غيرها من الدول والجيوش الرسمية.. هذه المعادلة التي جمعت حزب الله بالوطنية اللبنانية ثم بمواجهة العدو الصهيوني لا يجوز أن تمس مهما ادعى رافضو سلاح الحزب غير ذلك ومهما رفعوا من اللافتات التي تتجاهل هذه الخصوصية
التخوف أن تغري تبدلات الوزن السياسي والشعبي لصالح فريق رئيس الحكومة الحالي في لبنان، وظواهر تحالف تيار المستقبل مع الثورة السورية، ونشوة ما تحقق من انتصارات وربما تسقط النظام السوري قريبا، إضافة للضغوطات من هنا وهناك "من أمريكا وإسرائيل ومن تبقى من دول الاعتدال العربي تحديدا"، أن تغري السيد "سلام" بالاحتكاك بسلاح الحزب، غافلا عن خصوصية الحالة اللبنانية، ومتجاهلا قوة الحزب الحالية واحتياج لبنان لها في هذه المرحلة على الأقل.. فإن انهزم الحزب فلن يكون إلا لصالح إسرائيل في المنطقة، وإن تكن الأخرى فهي الفتنة والحرب الطائفية التي قد تمتد تداعياتها وتفاعلاتها خارج لبنان.
هذا ما على رئيس الحكومة الجديد وعلى فريقه، وفي مقابله فإن على الحزب وفريقه وداعميه في المقابل ألا يعطوا مبررا لأحد أن يتآمر عليهم أو أن يستهدفهم، وعليه أن يخرج سلاح المقاومة من نتن الصراع المذهبي، ومن مكرهة المناكفات الحزبية، ومن مغامرات الرهان على طول عمر النظام السوري الفاسد البائد الفاشي المتلاشي، وألا يجعل سلاحه الثوري المقدس أداة لتهديد الداخل اللبناني أو التأثير على نسبه ومقوماته.. هذا وإلا فما رأيناه حتى الآن من خسارة الكثير من الوجاهة الوطنية والثورية والإسلامية ومن تفرق الحلفاء والرأي العام عنه خير شاهد ومحذر..
على الحزب إن شاء أن يحتفظ بسلاحه أن تكون نظرته أبعد مدى، وأن يحتفظ ببقية من قيم الوطنية واللياقة الثورية، وأن يعتزل التطرف الشيعي الذي جمع إيران والنظام السوري ونظام نوري المالكي العراقي، وعليه أن يرى هذا التحالف الشيطاني الاستبدادي العفن كما هو عليه من الحقيقة وعلى أرض الواقع، وعليه أن يكون صريحا في إعلان نفسه جزءا من الحالة اللبنانية ثم القومية، وأن يستعيد خطاب المقاومة، وأن يرمم علاقته مع الثورات العربية وطموحات الثوار.. فالمفاهيم الثورية لا تتجزأ ولا يمكن أن يكون أحد أو حزب ما ثوريا ضد ظلم ومتعاطفا، بل متحالفا مع ظلم آخر.
سيكون الحزب ساذجا إذا توهم أن دعمه للنظام السوري سيطيل عمر هذا النظام، أو سيؤخر سقوطه في مواجهة الشعب السوري وثورته الممتدة في طول وعرض سوريا ومدنها ومحافظاتها، وبعد أن وصلت إلى المزة وجوبر والمهاجرين والحجر الأسود بدمشق.. ويجب أن يفهم أن النظام السوري لا تنقصه العدة العسكرية ولا البشرية ولكن تنقصه الشرعية الوطنية والأخلاقية، وعليه فلو قدم الحزب للنظام كل العشرة أو العشرين ألف مقاتل الذين لديه فلن يغير قدره وما بات يحيق به.
يجب أن يفهم الحزب أن قوة منطقه في الدفاع عن سلاحه ومقاومته إنما تحصلت من أخلاقية مواجهته الاحتلال الصهيوني، وأنه سيبددها ويخسرها إذا نقلها من هذه المواجهة المقدسة إلى مواجهة نتنة عفنة ظالمة مدسسة – كما نرى - ضد شعبه وضد الشعب السوري وضد الثورات المصرية والليبية والتونسية واليمنية وضد الربيع العربي وضد نتائجه وفكرته، وكما نرى في الافتراءات على "الإخوان المسلمين" التي صار لا ينفك يرددها ويخترعها ويحرك فيها إعلامه ليل نهار.. فإن أصر إلا الاعوجاج وإلا الجري وراء الطائفية وولاءاتها وأزماتها فإن عليه أن يلاحظ فروق الوزن النسبي في الدعم والتأييد السياسي الذي أسقط حكومته "ميقاتي" وأن يقارن ما آل إليه حاله بما كان عليه عامي 2000 و2006.
آخر القول: يجب أن يمر لبنان من المرحلة الحالية دون خسارات أكبر.. وليس أمام رئيس الوزراء الجديد "تمام سلام" إلا أن ينجح في مهمته، وعلى الفرقاء اللبنانيين أن ينجحوا في توفير أجواء التفاهم وأن ينعزلوا بهموم لبنان وحاجاته عن التجاذبات الداخلية والتناقضات الخارجية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4671
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3318
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026