رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
استمرار الرئيس سيحول اليمن إلى دول صومالية متناحرة ضرورة الاستجابة للمطالب الشعبية في سوريا الخيار العسكري للتعامل مع الأزمة يفقد الشرعية عن أي نظام
سأل المدرس الطالب: الثعلب يلد أم يبيض؟ قال الطالب: الثعلب مكار توقع منه أي شي؟! هذه النكتة السمجة تنطبق على تصرفات رئيس المراوغات العربية علي عبد الله صالح الذي وافق على التنحي أمس ويرفض اليوم ليوافق غدا ويرفض بعد غد وهكذا دواليك.. في محاولة مستميتة لقتل الوقت وزرع الملل والضجر والقهر واليأس من التغيير السلمي في نفوس الملايين الذين يفترشون شوارع العاصمة اليمنية وضواحيها، مطالبين برحيل نظامه بطريقة حضارية إلى الآن، في رفض كامل لاستخدام العنف واللجوء إلى خيار المواجهة المسلحة، وخصوصا أن الأسلحة تباع في الدكاكين والمحلات التجارية وموجودة في كل بيت يمني، وهو ما يذكرنا بأصالة الحكمة اليمنية التي لم تمت رغم كل المحاولات لضربها واستئصالها وطعنها خلال العقود الثلاثة الماضية من قبل النظام المنتهية صلاحيته؟! نظام علي صالح استطاع ـ وبجدارة ـ أن يحرق جميع الأوراق التي يستطيع أن يلعب بها في الساحة، ولم يَسْلَمِ الأشقاء والأصدقاء في الداخل والخارج من النيران التي يطلقها نظام صالح في تصريحاته النارية العشوائية التي مازالت مستمرة، من التضحية بالموالين، واستخدام القيادات اليمنية وزعماء القبائل ورجال الدين، إلى ضرب المبادرة الخليجية، والهجوم على قطر التي اتهمها بالمحاولة لإسقاط نظامه، واللجوء إلى المماطلة والتسويف من خلال الحديث حول التفاصيل والضمانات لتعطيل التوقيع وإنهاء الأزمة؟!
المشهد السياسي المطالِب برحيل الرئيس ونظامه وحَّد اليمنيين من الشمال إلى الجنوب، في زخم جماهيري وصدى إعلامي والتفاف شعبي منقطع النظير، ولن يتوقف إلا بعد تحقيق المطالب المشروعة التي ترفعها اليوم مسيرات مليونية من الشباب والشيوخ والنساء والأطفال.. إن لعبة المتاجرة بالمواقف لم تعد تفضي إلى شيء.. والوضع يزداد تعقيداً وتأزماً، وقد يُقبِل على انفجار لا يعرف مداه واتساعه. والاستمرار في العناد والمكابرة من قبل النظام قد يدفع البلاد إلى حرب أهلية تتحول فيها اليمن إلى دول صومالية متناحرة. وبدت البوادر في التصريحات الهجومية الأخيرة لصالح في قوله: إن المشروع الذي تتبناه المعارضة اليمنية هو "مشروع الإرهاب". ووصف المعارضين بأنهم "نفر من الخارجين على القانون، الذين يقتلون النفس المحرمة، وهم متخلفون، وقطاع طرق!!". خبراء اقتصاديون حذروا من انهيار متوقع للاقتصاد اليمني في ظل تصاعد موجة الاحتجاجات الشعبية المطالبة بإسقاط النظام، وتوقعات تقرير معهد التمويل الدولي للنمو في العالم العربي تشير إلى أن اقتصاد اليمن سيكون الأكثر انكماشا في المنطقة العربية بنسبة 4 % مقارنة بالانكماش في الاقتصاد السوري بنسبة 3 % وفي مصر بنسبة 2،5 % وفي تونس بنسبة 1،5 %. وعلى الرغم من أن الشعب اليمني يتحلى بالحكمة في هذه الأزمة فإن الرئيس ونظامه على نقيض من ذلك، وهو ليس له خيار إلا أن يرحل بكرامة ونهاية مشرفة، ويبين أنه حريص على أمن اليمن ومستقبله واستقراره أو يزج البلاد في طريق العنف والدماء والموجة المسلحة كما يحصل من النظام الليبي المحاصر دولياً، والمطالَب بملاحق رئيسه وأتباعه ومحاكمتهم دوليا كزعماء حرب، والمجمدة أصولهم وأموالهم في البنوك العالمية. فدرءاً للدماء التي سالت.. وشلالات الدماء التي قد تسيل.. نطالبك اليوم بأن ترحل يا صالح فاليمن يستحق مستقبلاً أفضل بدونك.
سوريا ونقطة اللاعودة
يوماً بعد آخر تتصاعد موجة انتفاضة الشعب السوري ضد النظام في حمص وحلب ودمشق بعد درعا، ويزداد عدد الضحايا من المدنيين ورجال الجيش، فالنظام اختار المواجهة بالسلاح والقوة لتبديد المظاهرات، والخيار العسكري للتعامل مع الأزمة، وهو ما يفقد الشرعية عن أي نظام وقد يؤدي إلى الانتحار السياسي. جماعات حقوق الإنسان تشير إلى أن قوات الأمن قتلت بالرصاص 560 مدنياً على الأقل في هجمات على المحتجين، ولا يزال المئات مفقودين، ويخشى أن يكون كثيرون منهم قد قتلوا، كما ألقي القبض على الآلاف لينضموا إلى آلاف السجناء السياسيين. تقرير صحيفة "ذي غارديان" أشارت إلى أن الوضع في سورية يتماهى مع الحالة في مصر وتونس، حيث ظلت عوامل الغضب تتفاعل لسنوات بسبب البطالة والفساد والمحسوبية والقمع السياسي على أيدي قوات الأمن، التي لا تخضع للمساءلة، وارتفعت الأسعار خلال السنوات الثلاث الفائتة لتزيد من الصعوبات الاقتصادية، في ذات الوقت الذي كان جيل الشباب الواعد يشاهد الحياة خارج حدوده عبر شاشات التلفزيون والانترنت. وذكر التقرير أن سوريا دولة تضم أكثر من 20 مليون نسمة. وقد تكون فيها أعداد من الموالين للأسد مساوية لما فيها من المحتجين، وبقدرها، والذين يؤيدون الرئيس إما لما يكنونه له من إعجاب حقيقي أو خشية من البديل. وفي خضم الجمود بين المتظاهرين والحكومة، فان ما ستحمله الأيام سيعتمد على الغالبية الصامتة الكبيرة، بما فيها رجال الأعمال ورجال الدين من السنة. ويكاد الكل يُجمع على التطلعات ذاتها في الحياة بكرامة، ومن دون كبت وبأن تكون لديهم سيطرة أوسع على شؤون حياتهم ودولتهم. من جانبها حذرت صحيفة (الواشنطن بوست) من ان عملية تغيير النظام في سوريا قد تبدو أقرب إلى النموذج العراقي منها إلى النموذج المصري"، إذ إن الجيش السوري موالٍ للنظام، أي إن "سقوط النظام يعني انقسام الجيش، مما يمهد لانفجار داخلي على الطراز العراقي، حيث تسعى الغالبية للانتقام من الأقلية، بينما تسعى القوى الإقليمية لحماية مصالحها. وانهيار النظام سيشعل حرباً أهلية تنتشر في أرجاء المنطقة"، بما في ذلك لبنان والعراق والسعودية وأبعد، وهو سيناريو يوم القيامة بالنسبة للشرق الأوسط برمته. ويرى جوشوا لانديز المحاضر في جامعة اوكلاهامو ان سورية هي ميدان الصراع في المنطقة، فمن ناحية تقدم نفسها على أنها مركز العروبة والوحدة العربية والعلمانية، ومن ناحية أخرى تعتبر دولة مفككة تحكمها أقلية دينية.
هل هناك مخرج مشرف قبل فوات الأوان؟، الجميع يريد الخير لسوريا ويريدها أن تعود قوية حرة مستقلة، لكي تمارس دورها القيادي في العالم العربي، لذا على النظام السوري أن يفتح الأبواب الموصدة لأكثر من خمسة عقود من حكم حزب البعث بالقبضة الحديدية، وإطلاق مسيرة الإصلاح والتغيير في العملية السياسية، والدخول في حوار حقيقي لتلبية المطالب الوطنية الشعبية، يجب وقف إطلاق النار على المتظاهرين والسماح بالتظاهر السلمي، وخلع جميع صور الرئيس وأبيه في الشوارع، والإفراج عن جميع معتقلي الرأي، وفتح قنوات التواصل والتعبير، والسماح بالتعددية الحزبية، وتنظيم انتخابات حرة وديمقراطية بعد ستة أشهر!! من الحكايات الطريفة التي يتم تناولها في البريد الالكتروني أن المارة اكتشفوا وجود حفرة في أحد شوارع دمشق تكونت بعد هطول المطر، فقاموا بكتابة شكوى للجهات المعنية مطالبين بردم الحفرة أو وضع لوحة إرشادية، ولكن المسؤولين قاموا بإرسال ممرضة وسيارة إسعاف؟!، وحين تفاقمت الأزمة اشتكى الأهالي إلى فرع حزب البعث في دائرتهم، فتم تحويل القضية إلى حزب البعث الحاكم، وبعد مرور أعوام من الأخذ والرد قررت الحكومة بناء مستشفى يحمل اسم ابن الرئيس الراحل إلى جوار الحفرة، وعندما لم يفلح هذا الحل في امتصاص غضب الأهالي، قرر حزب البعث حفر الشارع بكاملة وهدم كل ما حوله! إن حقيقة الصراع في العالم العربي الذي تحكمه أنظمة شمولية تتمثل في الحرية للحصول على العنب، في مواجهة ناطور يحمل بندقية ويعتقد أنه يملك البستان والأرض والماء والهواء؟!
Aljaberzoon@gmail.com
Aljaberzoon.blogspot.com
رحيل الأمير الوالد... حين يغيب القائد ويبقى الأثر
ليست كل حالات الرحيل متشابهة، فهناك من يغادر الحياة فيطوي الزمن صفحته، وهناك من يرحل ويبقى حاضرًا في... اقرأ المزيد
276
| 14 يوليو 2026
هل ترجل الفارس؟
هل ترجَّل الفارس بعد أن أدى الأمانة وصان الأمة؟... هل ترجَّل الفارس الأب الذي لم يبخل على هذا... اقرأ المزيد
117
| 14 يوليو 2026
الأمير الوالد حمد بن خليفة.. أمير الإنسانية
يُعد صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، مهندس النهضة القطرية الحديثة والأب... اقرأ المزيد
156
| 14 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
5802
| 07 يوليو 2026
عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، لا تحتاج التجارة العالمية إلى إغلاق الممرات البحرية حتى ترتفع تكاليف الشحن. فمجرد عودة التوترات كفيل بزيادة أقساط التأمين وارتفاع ما يُعرف بعلاوة المخاطر، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة نقل البضائع، حتى لو استمرت السفن في العبور بصورة طبيعية. وهذا ما نشهده اليوم مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، حيث بقيت الملاحة مستمرة، بينما لم تعد تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها السابقة. فالمشكلة اليوم لم تعد تتمثل في احتمال إغلاق المضيق بقدر ما تتمثل في استمرار حالة عدم اليقين، وما تفرضه من تكاليف إضافية تنتقل تدريجياً عبر سلاسل الإمداد إلى المستوردين، ثم إلى الأسواق، وصولاً إلى المستهلك النهائي. وفي قطر، لا يقتصر أثر هذه الزيادات على شركات الاستيراد، بل يمتد إلى قطاعات واسعة تعتمد على الواردات، مثل مواد البناء والتشطيب، والأثاث، والأجهزة المنزلية، والسيارات وقطع الغيار، وغيرها من السلع التي تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة المشروعات وتكلفة المعيشة. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن الحد من هذه الأعباء إلى أن تستعيد أسواق النقل البحري والتأمين استقرارها الكامل؟ قبل الإجابة، من المهم التفريق بين نوعين من الحلول. فهناك حلول استراتيجية بعيدة المدى، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز الأمن اللوجستي، وتقليل الاعتماد على أي ممر بحري واحد، وهي خيارات ضرورية لكنها تحتاج إلى سنوات من التخطيط والاستثمار. أما المرحلة الحالية، فتتطلب إجراءات تشغيلية سريعة ومؤقتة تحد من ارتفاع التكلفة وتحافظ على انسياب الواردات. ولعل أسرع هذه الإجراءات يتمثل في تشغيل ميناء حمد، والجمارك، والجهات الرقابية على مدار الساعة خلال الفترة الحالية. فكل يوم إضافي تقضيه الحاوية داخل الميناء يعني ارتفاعاً في تكاليف التخزين والتمويل، وتأخيراً في وصول البضائع إلى الأسواق. ولذلك، فإن تسريع دورة الإفراج عن الشحنات يعد من أكثر الوسائل فعالية في خفض التكلفة. ويأتي بعد ذلك تخفيض رسوم المناولة والخدمات المينائية بصورة مؤقتة لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، حتى تستعيد أسواق النقل البحري توازنها. كما يمكن إعفاء الحاويات التي تأخرت بسبب اضطرابات الملاحة من رسوم الأرضيات والتخزين، لأن هذه الرسوم ترتبت نتيجة ظروف استثنائية لم يكن المستورد مسؤولاً عنها. ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أيضاً تشجيع المستوردين على حجز سعات الشحن بصورة جماعية. ولا يعني ذلك توحيد البضائع أو الموردين، وإنما توحيد القوة التفاوضية مع شركات الملاحة. فكلما ارتفع حجم الحجوزات، زادت القدرة على الحصول على أسعار أفضل، وأولوية في الحجز، وشروط نقل أكثر مرونة، وهو ما يفيد على وجه الخصوص الشركات الصغيرة والمتوسطة. كما قد ينعكس ذلك إيجاباً على تكلفة التأمين نتيجة تحسن شروط التفاوض. أما التأمين البحري، فقد أصبح يمثل جزءاً متزايداً من تكلفة الاستيراد. ومن هنا، يمكن لشركات التأمين المحلية أن تؤدي دوراً أكبر عبر التفاوض الجماعي مع شركات إعادة التأمين العالمية للحصول على شروط أكثر ملاءمة، مستفيدة من متانة الاقتصاد القطري واستقرار بيئته التشغيلية، بدلاً من تفاوض كل مستورد بصورة منفردة. ومن المناسب كذلك تشكيل فريق عمل لوجستي مؤقت يضم وزارة التجارة والصناعة، والجمارك، وميناء حمد، وغرفة تجارة وصناعة قطر، إلى جانب ممثلين عن شركات الملاحة والتأمين، لمتابعة تطورات سلاسل الإمداد بصورة يومية، والتدخل السريع لمعالجة أي اختناقات تشغيلية قبل أن تتحول إلى أعباء اقتصادية أكبر. وجميع هذه المقترحات يجمعها هدف واحد؛ فهي إجراءات استثنائية لمعالجة ظرف استثنائي، وليست تغييرات دائمة في السياسة الاقتصادية، وتنتهي تلقائياً عندما تعود تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها الطبيعية. أما الحلول الاستراتيجية، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، فهي تستحق نقاشاً مستقلاً، لأنها تعالج جذور المشكلة، بينما تعالج الإجراءات السابقة آثارها المباشرة. لقد أثبتت قطر في أكثر من مناسبة قدرتها على التعامل بكفاءة مع التحديات اللوجستية، بفضل بنيتها التحتية المتطورة ومؤسساتها القادرة على اتخاذ القرار بسرعة. واليوم، لا يحتاج الاقتصاد إلى برامج دعم واسعة، بقدر ما يحتاج إلى إجراءات تشغيلية ذكية ومؤقتة تخفف تكلفة وصول السلع إلى السوق المحلية، وتحافظ على تنافسية الشركات، وتحد من انتقال الضغوط التضخمية إلى المستهلك. فكل ريال يُوفَّر في تكلفة النقل أو التخزين أو التأمين ينعكس في النهاية على تكلفة المعيشة، ويعزز قدرة الاقتصاد على تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر، إلى أن تستعيد أسواق الشحن العالمية استقرارها الكامل. فالتعامل مع الأزمات لا يكون بردود الفعل فقط، بل بالاستعداد لها، وتقليل كلفتها، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز كفاءة الاقتصاد ومرونته.
1545
| 11 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون. وهي حالةٌ تقوم على التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وكأنه دولة في القرون الوسطى يحكمها فرد كما يشاء دون اهتمام بقوانين أو أعراف أو مشاعر ومصالح وآمال الآخرين. فرغم ما كانت تتعرض له الفيفا سابقاً من انتقادات، إلا أنها ظلت محافظةً على الحد الأدنى لمظهرها كمنظمةٍ ترعى رياضة كرة القدم دولياً، وحرصت دائمًا على أن تكون الحكم العادل في الخلافات بشأن اللعبة ومبارياتها. ولم يكن أحدٌ يتوقع أن تبلغ التجاوزات حد الاستهانة العلنية بقوانين اللعبة وأخلاقياتها كما فعل رئيسها جياني إنفانتينو. كان على إنفانتينو، قبيل انطلاق البطولة، التأكيد على أن الرياضة هي النقطة التي تتوقف عندها التأثيرات السياسية، وهي المظلة التي تلتقي تحتها الشعوب وتتنافس بنديةٍ. ولكنه صمت عن التجاوزات بحق الحكام والإعلاميين والإداريين الذين منعوا من دخول الولايات المتحدة. وكان هذا الصمت ثم تبرير ما حدث بحجج واهية هو السبب في الانهيار النسبي لشعبية البطولة دوليًا، لأن معظم عشاق اللعبة أدركوا أن طعنةً أصابتها في صميم أخلاقياتها التي تجمعهم. يجب علينا القول إن الفيفا في عهد إنفانتينو أصبحت مظهراً للفردية الديكتاتورية في مجال كرة القدم، فكان إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه ليشارك في مباراة بلجيكا هو المظهر الأبرز لتلك الفردية. ومناقشة ذلك كمخالفةٍ قانونيةٍ هو أمرٌ يبعث على الملل والشعور بعدم احترام عقولنا، لأن رئاسة الفيفا هي الجهة التي ارتكبت المخالفة. ورغم الاحتجاجات الدولية، لم يقم إنفانتينو بتبرير الأمر أو تقنينه، وكأن قراره لا يمكن لأحد مناقشته أو الاعتراض عليه. ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتخبرنا بأن هناك مسارات غير رياضية أدخل فيها إنفانتينو كرة القدم، والتي تتمثل في جماعات ضغط اقتصادية تعمل في مجال المراهنات الدولية، وتعتمد على وجوب استمرار منتخبات بعينها في المنافسة بغضِّ النظر عن خسارتها الفعلية لو خضعت مبارياتها لتحكيم نزيه غير خاضع لإملاءات إنفانتينو الخاضع بدوره لجهات لها مصالح عظمى في عدم نزاهة التحكيم. المخالفات علنيةٌ وكثيرةٌ جدًا، وليست المشكلة في السكوت أو عدم السكوت عنها، وإنما هي أن الشكوى ترفع للفيفا، وتكون على الحكام، ولا توجد آلية تخضع رئاسة الفيفا نفسها للمحاسبة القانونية. ومع وقوفنا مع الاتحاد المصري في شكواه، وانتظارنا لما ستسفر عنه مطالبات أعضاء في البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع إنفانتينو، لكننا، للأسف، ندرك جيداً أن الحالة البالوجونية ستستمر، ولا يمكن التحكم فيها. الحل، ليس في الشكوى وإنما في العمل على توسيع دور المحكمة الرياضية الدولية ليشمل النظر والحكم في الخلافات مع الفيفا والشكاوى ضدها. وهذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجبٌ على المختصين القانونيين في الرياضة لمنع استفحال الحالة البالوجونية التي تهدد لعبة الجماهير الأولى في العالم. كلمة أخيرة: البالوجونية، ليست سلوكياتٍ فرديةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ فاسدةٌ تقتل الروح الرياضية، وتدمر الأمل في كون الرياضة عنصرًا يجمع الشعوب.
1515
| 12 يوليو 2026