رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ وجوده وممارسة حياته بوجوهها المختلفة، وخاصة القريبة من يومياته، والإنسان بفطرته يحاول قياس نشاطه الاجتماعي والانتاجي والأمني ليقرر إما باستمرارها على نفس النمط أو تطويرها لتلبية رغباته التي يتوق تحقيقها في أصل الممارسة، أو أخيرا إحداث تغيير داخلي جذري بصورة كلية، وخاصة عند مروره بظروف جغرافية جديدة لم يعهدها من قبل، بأن يصل هذا الانسان إلى حوض معطاء جديد مثلا أو ملاقاة مجموعات بشرية لم يكونوا قد ارتبطوا معها من قبل بمزاياهم الاجتماعية او الإنتاجية او الأمنية، فقد ازدادوا معرفة حول الحياة، بهدف تحقيق مصلحة مجموعتهم لاستمرارها وتجديدها، وهذه سنة الحياة، التغير الدائم والتقدم دون التأخر.
وتوالى القياس ليصبح اليوم من المهمات الرئيسة للدول، لمعرفة مدى تحقق الهدف لخطة اجتهدوا في رسمها، أو قطاع يحتاج إلى إعادة تأهيل وتنمية والتخطيط له لتغير الأولويات، أو قطاع لا نعلم عن أهميته النسبية مقارنة بقطاعات أخرى في الدولة، أو منطقة جغرافية بها أنشطة اقتصادية مختلفة يجب معرفة أهمية كل قطاع فيها بجغرافيتها الطبيعية والبشرية رغبة في تقديم دعم للمنطقة والاهتمام بها مقارنة بمناطق أخرى والاستفادة من مزايا مقوماتها النسبية والابتعاد عن التقليد وفقدان شخصيتها، من خلال القياس نتعرف على التوجهات الاقتصادية المقبلة. ولكن اعتماد القياس العلمي يدعو المجتمعات إلى توفير قاعدة البيانات المطلوبة كما ونوعا وتصنيفا دوليا للمقارنة ومعرفة مكانة الإقليم أو الدولة من نشاط صناعي أو زراعي أو استثماري أو خدمي وغيرها تحتم عليها الضرورة ان تعرفها وتدرسها عن كثب وواقعية.
وبمرور الزمن، تطورت أدوات القياس، ولم تعد اجتماعية او اقتصادية او سياسية بل تعدى الأمر القياسات المادية الى قياسات نفسية ومعنوية أكثر تعقيدا في القياس لإنسان المكان وسلوكياته تجاه مشاريع بلده وموقفه منها بين السلبية والايجابية. والقياس العلمي يؤدي بكل تأكيد بالمجتمعات الى الوصول الى الواقع الفعلي للوجه من الحياة أو القطاع المراد معرفة المزيد عنه، وتعدل الخطط دون شخصنة الأمر، أو تتبنى بناء على نتائجها على عكس الاعتماد على تقديرات المسؤولين والبناء عليه. فكم ما ارتكبته مجتمعاتنا في التنمية الاقتصادية وغيرها من أخطاء لابتعادنا عن السلوك العلمي في اتخاذ القرارات الصائبة، على عكس المجتمعات المتقدمة. وعليه فان القياس وسيلة مهمة جدا لمعرفة الحقائق وبطريقة علمية منهجية مشتركة ومستندة على أطر سليمة متفق عليها من قبل المختصين الدوليين والمنظمات الدولية والموضوعية أساسها، لتعم الفائدة ولو بعد حين، فالخطط بعيدة المدى لا تبنى لتحقيق أهدافها إلا على نار هادئة.
ومن المعلوم بأن عوامل ومعايير ومتغيرات القياس تختلف من قياس إلى آخر، ومن قياسات بسيطة أولية إلى قياسات أكثر تعقيدا، وبين تعدد المعايير وبين محدوديتها، وفيما بين القطاعات المتنوعة المدروسة. وكل المتابعين المتخصصين، يدركون بأن الأدوات الإحصائية لتحقيق الدقة في القياسات اليوم في تطور مستمر، ومن بينها اختيار عينات الدراسات القياسية والتي يلجأ إليها معظمها. فحتى تكون الدراسات صحيحة فلا بد ان تكون العينات عشوائية بكل تأكيد، ولكنها تطورت ولم تغفل عن ضرورة شمولها على كافة فئات ومكونات الحالة في كل دراسة، وأن تكون العينات ممثلة للموضوع المدروس بشكل منطقي، فكم من الأخطاء يرتكبها العديد من الدارسين عندما تكون أدواتهم القياس وخاصة بالعينة التي يهمل جانبها، وبالتالي تكون نتائجها غير ممثلة، وما يبنى عليها كارثة.
وانتقلت أداة القياس كما ذكرنا سالفا لتشمل جميع القطاعات ومن بينها وبشكل متكرر في التقييمات السياسية لدول العالم، بأن توصلوا إلى تقييمات بتصنيف دول العالم إلى ناجحة بدرجات وفاشلة بدرجات، بأدوات قياس موضوعية. ولكن في المجال الاقتصادي الذي استخدم القياس الكمي بشكل خاص على نطاق واسع منذ بدايات القرن العشرين في كل مجالاته حيث التنافس كان على أشده بين الدول ذات الايدولوجية الرأسمالية من جانب والاشتراكية من جانب آخر. ومن بعد بين دول العالم وخاصة النامية جميعها منذ نِشأة الأمم المتحدة.
وهناك نماذج من القياسات في المجال الإنتاجي ونوعيته ونطاقه الجغرافي، يستخدمها المحللون الجغرافيون الاقتصاديون في تقييم التجارب التي تقوم بها الدول وشركاتها والشركات العالمية والمحلية، من بينها على سبيل المثال، ما يطلق عليه معامل التوطن، وهو قياس دقيق بمعايير متعددة مبنية على إحصائيات دقيقة من مصدر واحد دولي مؤهل موثوق به. والهدف معرفة مكانة دولة ما من حيث مستوى صناعتها التي مارستها وتبنتها على سبيل المثال، ودرجته مقارنة بدول العالم. والمعايير هنا: نصيب الفرد من إنتاج الصلب، نصيب الفرد من استهلاك الطاقة، حصة القطاع الصناعي من الناتج المحلي، قيمة الاستثمارات وخاصة الدولية وأخيرا نسبة العمالة الصناعية. وبجمع نتائج هذه القياسات التي تنسب الى أفضل الدول أو الأقاليم المدروسة محليا في المعايير الأربعة لمعرفة مكانة الدولة الصناعية من متقدمة او صناعية او شبه صناعية أو غير صناعية.
وختاما يؤمن المخططون ومن في حكمهم من قيادات العمل الحكيمة والتطوير، بأهمية استخدام أدوات القياس المناسبة الشاملة والمقيمة على نطاق واسع، والشاملة لوحدات التقييم والمعتمدة على بيانات موثوق منها، ليس في نهاية أي مشروع تخطيطي اجتماعي كان أو عمراني واقتصادي، بل في كل مرحلة من مراحل المشروع بتغذيات راجعة، لتفادي تراكم الأخطاء الجمعية حيث لا ينفع الندم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستاذ الجغرافيا غير المتفرغ
جامعة قطر
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4494
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4245
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
3036
| 07 مايو 2026