رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قررت أن أفض الاشتباك مع الحيرة التي باتت تسكن عقول المصريين والمتجسدة في سؤال الساعة لمن تدلي بصوتك في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية يومي السبت والأحد المقبلين لمحمد مرسي أو لأحمد شفيق؟ فقد غادرتني هذه الحيرة بعد أيام من التفكر والدراسة ومتابعة الرؤى المطروحة في المشهد السياسي والأهم من كل ذلك بعد متابعة حثيثة وحميمية لطروحات كل من المرشحين سواء في برامج تلفزيونية أو عبر مؤتمرات وتصريحات صحفية وفي ضوء ذلك تيقنت أنني إذا كنت في حاجة إلى استمرار ثورة الخامس والعشرين من يناير فعلي أن اختار الدكتور محمد مرسي وليس الفريق أحمد شفيق وإليكم معطياتي
أولا : مرسي هو بشكل أو بآخر جزء من منظومة الثورة صحيح أن جماعة "الإخوان المسلمون " لم تساهم في تفجيرها لكنها لعبت دورا شديد الأهمية في عمليات الإسناد لها خاصة يوم الثامن والعشرين من يناير وهو يوم الغضب المصري والذي قدم الإشارة الأولى على نجاح الثورة وكذلك في موقعة الجمل التي احتشد فيها شباب الإخوان جنبا إلى جنب شباب القوى والحركات الأخرى في مقاومة الهجوم المضاد الذي قادته مجموعات الحزب الوطني مستعينين في ذلك بالجمال والبغال والخيول فضلا عن السلاح الحي في محاولة مستميتة للقضاء على الثوار بميدان التحرير وهي الموقعة التي حدثت في الوقت الذي كان فيه شفيق يتولى رئاسة الوزارة باختيار من الرئيس السابق حسني مبارك عندما لجأ إليه ليحسن شكل النظام ولم يتحرك ساكنا بل يمكن اتهامه مع دوائر أخرى بالتواطؤ لقتل الثوار على النحو الذي جرى به ولاشك أن دور شفيق في هذه الموقعة سيكشف عنه بشكل واضح عندما تظهر كل الملابسات بهذه الواقعة الفريدة.
ثانيا : إن محمد مرسي بالرغم من أي ملاحظات أو تحفظات عن دور أو أداء جماعة "الإخوان المسلمون "يجسد الرغبة الحقيقية في إجراء تغيير حقيقي في جوهر النظام السياسي المصري بينما صعود شفيق إلى الموقع رفيع المقام يؤشر بالضرورة إلى إعادة إنتاج النظام الذي ثار الشعب المصري وفي طليعته شبابه لإسقاطه وإزالته أيا كانت الطروحات والرؤى التي يسعى شفيق نفسه إلى تسويقها وآخرها خطابه المتهافت لشباب ميدان التحرير يوم الجمعة الفائت والذي حاول فيه استمالتهم إلى مشروعه الذي هو بالأساس محاولة لتحسين آليات نظام مبارك لأنه هو نفسه إفراز حقيقي لهذا النظام وظل لآخر لحظة يدافع عنه "وكان يعلن بعد سقوطه أن حسني مبارك أستاذه ومثله الأعلى.. فهل هذا الرجل يصلح أن يكون رئيسا لمصر خلفا للرئيس المخلوع، وهل ضحينا بأبنائنا وأحفادنا ومستقبل أبنائنا من أجل أن نعيد إنتاج النظام السابق" هذا الاقتباس من مقال للمستشار محمود الخضيري "
ثالثا: إن فوز مرسي بموقع رئيس الجمهورية يعكس انتصار الثورة ووصولها إلى واحد من أهم أهدافها وهو تغيير واجهة النظام وهو ما سيقود بالضرورة إلى تغيير جوهره ومكوناته الأساسية , صحيح أنني في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية أدليت بصوتي لحمدين الصباحي بحسبانه يجسد روح ثورة يناير وأهدافها الأساسية الحرية والكرامة والعيش والعدالة الاجتماعية ولأنه لم يعد متاحا لي التصويت له بعد أن خسر ولكن بنتيجة أكدت أنه بات واحدا من رموز التغيير والثورة فى المحروسة ليس بوسعي إلا أن أمنح صوتي لواحد أكد انتماءه للثورة ولمبادئها وإن كانت منهجيته في تطبيقها مغايرة لمنهجية الصباحي في ظل ضمانات قدمها أكد فيها – مرسي أنه لن يعمل على إقامة نظام سياسي ديني التوجه أو بمعنى آخر دولة دينية وإن كان الإسلام سيشكل المرجعية لحكمه فضلا عن تقديم تطمينات للأقباط والمرأة وتأكيد حرصه على المواطنة ولكني أدعوه إلى أن يعلن ذلك من خلال برنامج واضح القسمات والمعالم ومحدد الخطوات والآليات حتى يقنع المتوجسين والخائفين من صعود مرشح جماعة "الإخوان المسلمون " إلى أعلى مواقع السلطة السياسية في مصر وذلك حتى يحرك المترددين باتجاهه ولإجهاض المحاولات القوية التي يبذلها شفيق لتقديم نفسه باعتباره مرشح الدولة المدنية.
رابعا: أن شفيق يحاول أن يرتدي مسوح الثورة ويردد شعاراتها وخطابها المتهوج وقد حاولت أن أقنع نفسي به خاصة بعد أن عبرت الدكتورة هدى عبد الناصر ابنة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر عن تأييدها له فضلا عن مقال الدكتور أسامة غزالي حرب المفكر السياسي اللييرالي والذي أيده رئيسا للجمهورية لكنه فشل- خاصة عبر حواراته التفلزيونية – فى استمالتي إليه لقد وجدت نفسي وجها لوجه أمام رجل يظهر غير ما يبطن وأظن أن الجماهير لم تعد قابلة للغواية من خلال الكلام المعسول أو اللغة الفجة التي يستخدمها على نحو هابط متجليا ذلك في مفردات سيئة الدلالات والإشارات ناهيك عن تهديده لخصومه بأساليب أمنية مريبة بالإضافة إلى أنه شديد القابلية للاستفزاز وهو ما يعني قابليته لإصدار قرارات غاضبة.
خامسا: إن الثورة ليست في حاجة إلى أحمد شفيق لأن الذين يقدمون له الإسناد اللوجستي والسياسي والإعلامي هم المنتمون للنظام السابق قلبا وقالبا وشكلا ومحتوى وجسدا وروحا وبعضهم ما زال قابضا على مفاصل الدولة المصرية بتجلياتها المختلفة وبعضهم الآخر يوجه من خارج المؤسسات الرسمية مستعينا بخبراته السابقة سواء في الحكومة أو في الحزب الوطني المنزوع الشرعية فضلا عن قبائل وعائلات في الوجهين البحري والقبلي كانت مصالحها خاصة الاقتصادية وصعود رجالاتها إلى سلطات الدولة مرتبطة بشكل أو بآخر بنظام مبارك فهل يمكن للمرء أن يمنح صوته لمنظومة ثرنا عليها ونعمل على استئصال جذورها في الواقع المصري بعد أن أودت بالوطن إلى مهالك السياسة والأمن والاقتصاد وغياب فعالية الدور الإقليمي؟
سادسا : سألجأ مرة أخرى إلى الاقتباس من مقال أخير للمستشار محمود الخضيري رئيس اللجنة التشريعية في مجلس الشعب وهو بالمناسبة ليس إخوانيا ولكنه ليبرالي التوجه فهو يقول في معرض إضافة مبرر جديد لرفض منح المصريين لأصواتهم لأحمد شفيق: هل ضحينا بأبنائنا وأحفادنا ومستقبل أبنائنا من أجل أن نعيد إنتاج النظام السابق، وهل بلغ بنا كره الإخوان المسلمين إلى درجة أن نضحي بأبنائنا من أجل راحة إسرائيل.. هل تعلم يا أخي العزيز الدكتور أسامة – يقصد الدكتور أسامة غزالي حرب - أن أكثر الناس سعادة بانتخاب أحمد شفيق هم أهل إسرائيل وليس أهل مصر وإليك التعليقات الآتية من الزعماء الإسرائيليين على انتخاب أحمد شفيق تدليلا على صدق كلامي:
-إعلان موشى يعلون نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه يريد انتخاب أحمد شفيق رئيسا لمصر لأن ذلك معناه استعادة الشراكة الاستراتيجية بين إسرائيل ومصر وأنه يجب على العالم تعزيز حظوظه في النجاح في انتخابات الرئاسة.
- بنيامين بن أليعازر الوزير السابق والنائب الحالي في الكنيست الإسرائيلي يؤيد انتخاب أحمد شفيق رئيسا لمصر ويعلن في القناة الأولى في التليفزيون الإسرائيلي الساعة 8 مساء الجمعة 25/5/2012 أن: «تراجع المصريين عن إلغاء صفقة الغاز أصبح احتمالا واقعيا واردا بعد تقدم شفيق».
- شاؤول موفاز الوزير الإسرائيلي يؤيد انتخاب أحمد شفيق رئيسا لمصر ويعلن في إذاعة الجيش الإسرائيلي الساعة العاشرة صباح يوم السبت 26/5/2012 بعد صعود شفيق أنه يجب عدم الاستسلام لليأس وأنه بالإمكان تدارك ما فقدناه بخلع مبارك.
أكتفي بهذا القدر ولعل الرسالة تصل إلى من يهمه الأمر
السطر الأخير:
أقيمك مملكة في فضاء الروح
وبساتين القلب
صانعة البهجة أنت
تطلين على جسدي
أتمدد في البلاد نورسا
أتمدد في الأفق البعيد
منتصرا عشقي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4899
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4293
| 23 سبتمبر 2026