رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
جلسات محكمة الإسماعيلية في قضية اقتحام السجون المصرية أيام 28ـ 30 يناير 2011، أثناء الثورة المصرية تتجاوز بآثارها مبنى مجمع المحاكم، وحتى القضية المنظورة ذاتها. وإن اختار البعض تعبير محاكمة القرن لإجراءات محاكمة حسني مبارك ووزير داخليته، فقضية اقتحام السجون المصرية تذهب أبعد من مصر إلى عصر عربي اختلطت فيه الأوراق بشدة، وانهار فيه المشروع "العربي واحد يمكن أن يعبر عن الوجود العربي"، وفتحت آفاق الاقتتال الشعوبي والطائفي والمذهبي، وتكاد أن تدين حركات للمقاومة ضد العدو الصهيوني، عندما استحلت هذه الحركات أفعال انتهكت بها الأرض المصرية، وفي لحظة خرج فيها الشعب ليصنع ثورة أذهلت كافة المراقبين، بعمق انتشارها وبحالة المفاجأة في حدوثها، وبغياب التنظيم والقيادة، مما جعلها ثورة شعبية بجدارة.
هي محاكمة للقيم والمفاهيم والمقاومة والحالة العربية، قبل كونها محاكمة لأجهزة ومؤسسات ونظام حكم وجماعات سياسية داخل مصر، بل إنها محاكمة لكافة التكوينات السياسية داخل مصر.
هي محاكمة لغياب مفهوم وعقيدة حرمة الدم العربي على الإنسان العربي تحت أي راية كانت وأيا كان الشعار الذي ترفعه هذه الراية.
ثم هي كاشفة لأمرين تاها وسط خضم الضجيج السياسي الانفعالي بعد الثورة في مصر، ضجيج عالي الصوت، ولكن بلا طحن، الأمر الأول معني ودور القضاء، والقضاء المصري بالذات، ثم مكنون اليقين الوطني للشعب المصري من جسارة عندما يجد أمامه حالة من الصدق واضحة للعيان.
هي محاكمة للمصداقية والشرف لدى ثلاث جهات مباشرة حزب الله وحماس وجماعة الإخوان، فإن كان وزير الداخلية المصرية الحالي استحل أن يكذّب الأعين والفضائيات ويقول إنه ليس لديه أسماء أعضاء جماعة الإخوان (33 هاربا من السجون) ولم يجد من يحاسبه، وصارت الكلمات تخرج من الأفواه على الهوى دون مسؤولية، وإن كانت جماعة الإخوان تستخدم الترهيب والتشويه في حملات منظمة ضد القاضي الشاب "خالد محجوب" رئيس الدائرة، ويصل الأمر إلى التهديد بالقتل، والهجوم على المحكمة، فهؤلاء لا عتب عليهم فيما يفعلون، فالذين يستحلون دم الشعب وأرض الوطن وأمنه، لا طائل من أن تطلب منهم الارتقاء إلى قيم غابت عنهم وتكاد تكون عودتها إليهم مستحيلة، الابتسامات الصفراء على وجه قيادات حماس تضعهم موضع الاتهام غير عابئين بالآثار المترتبة على ذلك مستقبلا، إن كان ذلك مقبولا من كل هؤلاء غير أنه غير مقبول من السيد حسن نصر الله ومن حزب الله، وهو حديث له شجونه.
نحن أمام وقائع وقاضي وقوى إقليمية وتنظيمات داخلية وأجهزة سيادية وكرسي رئاسة يحتله أحد الهاربين من السجن، وعناصر تحتل المسؤولية واستحلت أمن الوطن.
هذه الدائرة القضائية تحاكم العصر العربي والمصري كله. بل إنها تضرب مثالا تعليميا لوقائع جرت الأسبوع الماضي حول أن هناك ضرورات حتى في التقاضي أن يحيل القاضي المحاكمة إلى السرية لأنه يرى أهمية الحفاظ على الشهود من أي تهديد، اعتبر القاضي أن أمن الشاهد مسؤوليته، بينما عقد محمد مرسي اجتماعا مع مجموعة دعاها إلى قصر الرئاسة ليناقش معها أمر قضية "سد النهضة" على النيل الأزرق والموقف تجاهه ووضع الجلسة بكل ما حوت من أحاديث على الهواء، وكأنه يقدم مبررا لمن لا نعلم، بأنه هو الأكثر التزاما بما يؤمر منهم!
محكمة جنح مستأنف الإسماعيلية، برئاسة المستشار خالد محجوب، وعضوية المستشارين، وليد سراج الدين، وخالد غزي، فتحت باب محاكمة عصر بأكمله، قيمه وأفعاله والمسؤوليات التائهة فيه، حتى أن محمود وجدي وزير الداخلية أثناء عملية الاقتحام عندما سألته المحكمة، عن اتخاذ ثمة إجراءات تجاه المعتقلين بعد هروبهم قال «وجدي» إن «الشرطة كانت ضعيفة جدا، وكنا نحاول فك حالة الاحتقان، وكان فيه اجتماع في رئاسة الجمهورية حضره نائب الرئيس ومنهم ناس كانوا موجودين في اللقاء»، من السجن إلى حوار، وانتهاك شرف وطن وأمنه القومي أمر ملقى في عرض الطريق.
قال المستشار خالد محجوب، إن عضوي اليمين واليسار في هيئة المحكمة "أسود" على حد تعبيره، لأن غياب واحد منهم يوقف نظر الدعوى، وهنا يكمن أمر القضاء، وما يدبر له، فهيئة المحكمة تمثل بالقطع إرادة القضاء المصري وأداءه لدوره، وأيا كانت موجبات أن تنظر عين القضاء إلى داخل القضاة، فهذا أمر واجب عليهم هم، ووفق آلياتهم، ولا يمكن إفساح الباب لسلطة أو مجالس أو قوى سياسية أن تقوم به.
هذه هي النتيجة الأولى، قضاء مصر يتحمل عبء كشف الحقيقة وإلزام مؤسساتها التنفيذية والسيادية بعرض ما لديها، وليس أدل على مصداقية المسار وصحته واحتمالات كشفه للحقيقة سوى تلك الحملة المحمومة على شخص القاضي، ومن المواقع الإخوانية، ويصل الأمر بهم بدفع أحد المحامين لرد المحكمة، والسبب أن هيئة المحكمة لم تسلم بما وصل إليها من تحقيقات بل باشرت مهمة التحقيق بذاتها.
التهديد بالقتل وحملات التشويه ورد المحكمة، كلها إشارات تؤكد على أن هناك ما لا يريدون كشفه.
ولكن هذه التهديدات كشفت أمرا إيجابيا في معدن الشعب المصري، تجسد في مشهدين الأول بالإسماعيلية والثاني في أحد أحياء القاهرة حيث يقطن المستشار الشاب خالد محجوب. عندما بلغت التهديدات بالقتل للرجل أبلغ رؤساءه وجرى تعيين حراسة له، وواكب ذلك محاولات لاقتحام المحكمة، فالتف أهل الإسماعيلية من حول المحكمة وشكلوا درعا بشريا لمبانيها ولأعضائها، صدق هيئة المحكمة استدعى جسارة الشعب، فحماها. وفي القاهرة كان الرجل ينوي إجراء زيارة عائلية مع أسرته وطلب من رجال الأمن ألا يصطحبوه، وفوجئ عند خروجه من منزله، بالتفاف مجموعة من الشباب، من حوله يسألونه إن كان هو المستشار خالد محجوب قاضي محاكمات الهروب من سجن وادي النطرون، فأجاب بالإيجاب وهو لا يعلم قصد السؤال، لتنهال عليه التحية منهم، والإكبار ويصر الشباب على اصطحابه وأسرته إلى حيث هو ذاهب لحمايته، وأمام إلحاحهم يقبل، ولكن المفاجأة أن هؤلاء الشباب يصرون على انتظاره حتى ينتهي من زيارته ليصطحبوه عائدا لمنزله، وهو ما حدث. مشهدان يؤكدان أن الشرف والأمانة والوضوح في الحق، ينتجان الأمان.
محاكمة العصر تلف حبالها حول رقاب كثيرة، وتفتح الباب على مصراعيه أمام ضرورات إعادة تقييم الأحداث، وتضع سؤالا هاما أمام الشعب المصري، من يمكنه أن يحمي الأمن القومي لمصر؟ وهل من يقبل باختراق للوطن من عناصر خارجية لصالح أن يخرج من زنزانته يمكن أن يؤتمن على أمن الوطن؟
محاكمة العصر وقائع مستمرة تستدعي اليقظة تجاه قضايا الأمن القومي المصري، أمن الأرض "سيناء وحلايب وشلاتين"، والمياه "من الكونغو الديمقراطي وكينيا حتى دلتا النيل"، والطاقة "في شمال المتوسط التي تستولي عليها إسرائيل"، والشعب وقدراته المسلحة والحفاظ على أسرارها، وآخر مؤشر للاختراق هو قتل أحد ضباط العمليات الخاصة في العريش، وتحديد هويته لا يتم بغير اختراق للستار الأمني من حولهم.
ومحاكمة العصر تفرض مراجعة لاستهداف القضاء المصري والأجهزة السيادية المصرية وطبيعة إدارة ملفات الدولة المصرية، خاصة تلك العلاقة مع أمريكا وإسرائيل، ثم الموقف من القضايا العربية، وهل استحالت القضية الفلسطينية إلى قضية تجارة الأنفاق وتأمين لإسرائيل، وصارت القدس مجرد مظاهرة بزي نمطي.
اتصل صديق متسائلا عن التوقعات ليوم 30 يونيو حيث الدعوة للمطالبة برحيل مرسي وإجراء انتخابات مبكرة وفق عدة اقتراحات ببدائل، وقبل أن أجيب قال إنه يخشى حمامات الدم، واستطرد أن الإخوان يرتبون للنزول في نفس اليوم، ومعهم جماعات جهادية مسلحة، ودون سؤال مني قال، إن الإخوان قد لا يقتلون، ولكن حماس تقتل، كان الحديث غريبا، ولكنه يشير أن هناك أمورا يجري ترتيبها، فالصديق كان أحد العناصر في الإخوان، وتركهم، وهم لا يريدون الاعتراف بتركه لهم، حتى أن أحدهم اتصل به يوم أحداث الاتحادية 5 ديسمبر 2012 ليتابع معه الاستدعاء إلى الاتحادية،
ويبقى حديث ذا شجون إلى السيد حسن نصر الله، إذا كنا معا نرى أن العدو الرئيسي هو إسرائيل، وأنت تعلم موقف مصر والمصريين من وقائع حرب 2006، وأن الشعب المصري كان ظهيرا معنويا وسياسيا لموقفكم، وإننا وجدنا في حركة المقاومة اللبنانية بقيادتكم ظاهرة كما تحدثت أنت كسرت مشروع الشرق الأوسط الجديد والكبير، أفلا ترى أن حديثا منك حول وقائع اقتحام السجون المصرية وإخراج سامي شهاب من السجن والاحتفال به أنه الأسير المحرر، صار واجبا وأنت تملك شجاعة المكاشفة دائما؟ ثم إن قبلنا أن تتحرك أي حركة للمقاومة للإفراج عن أسراها وبكل الوسائل، فهل مصر أرض معادية؟ وإن كانت لديك رؤية تجاه النظام السابق في مصر، فهل يعطيك هذا الموقف الحق لاختراق الحدود المصرية في أكثر لحظات مصر جلالا، لحظة تحرك الشعب المصري لتحرير إرادته من نظام يرفضه؟ إن إجاباتك عن هذه الأسئلة ضرورية علها ترأب الصدع.
كافة المؤشرات تؤكد أن محاكمة العصر ستكون نقطة فارقة في مسار الأحداث في مصر ومحيطها العربي، وسيكون هناك ما قبلها من معايير وقياسات وسيكون هناك ما هو بعد أن تنتج نتائجها. لعل الجميع يدرك أن مصر ستبقى مهما كانت المعاناة، وأن الدم المصري كما هو الدم العربي له حرمته، وهو دم محرم، وله ثمنه.
السيدة خديجة بنت خويلد.. السند الأول والحب الخالد
لم تكن السيدة خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- مجرد زوجة في حياة النبي ﷺ، بل كانت وطناً... اقرأ المزيد
129
| 12 أغسطس 2026
فصول السنة التي تسكننا
يقال إن فصول السنة لا تغير الطقس فحسب إنما تؤثر على مزاج الانسان وإيقاع الحياة لديه، إضافة لذلك... اقرأ المزيد
87
| 11 أغسطس 2026
بياناتنا في خوادم لا نملكها
في عام 1973، فرضت الدول العربية المنتجة للنفط حظراً على تصدير النفط، واهتز الاقتصاد العالمي. كان النفط سلاحاً... اقرأ المزيد
252
| 11 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4905
| 05 أغسطس 2026
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
1614
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1518
| 09 أغسطس 2026