رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبير محسن

كاتبة عراقية

مساحة إعلانية

مقالات

189

عبير محسن

الإنسان بين متناقضتين: الحضارة والوحشية

11 يونيو 2026 , 10:58م

هنا يقف الإنسان منذ آلاف السنين بين قوتين متناقضتين: الحضارة والوحشية، الحرية والفوضى، العقل والغريزة. ورغم كل ما حققته البشرية من تقدم علمي وتقني، يبقى السؤال القديم حاضرًا بقوة: هل يستطيع الإنسان أن يعيش بحرية كاملة دون أن ينزلق إلى الفوضى؟

لا أعرف كيف سيكون شكل الأجيال القادمة، لكن ما أعرفه حقًا أن التاريخ يعيد نفسه بطرق سريعة ومخيفة. نحن نعيش في زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتشابك فيه المصالح، وتتزايد فيه الانقسامات، حتى أصبح الإنسان أكثر قدرة على التواصل من أي وقت مضى، وأكثر عرضة للصراع في الوقت نفسه.

وهنا يبدأ سؤال فلسفي قديم:

الفوضى أم النظام؟

من أكثر الفلاسفة الذين حاولوا الإجابة عن هذا السؤال كان الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز في كتابه الشهير «اللفياثان». فقد طرح فكرة العقد الاجتماعي، وهي أن البشر يتنازلون عن جزء من حرياتهم لصالح سلطة قادرة على تحقيق الأمن ومنع الفوضى. فبرأيه، لا يمكن للمجتمع أن يستقر ما لم توجد قوة تنظّم العلاقات وتحمي الناس من انهيار النظام.

ولشرح فكرته، قدّم هوبز تجربة فلسفية تُعرف بـ «حالة الطبيعة». تخيّل عالمًا لا توجد فيه دولة، ولا قوانين، ولا محاكم، ولا سلطة تُلزم الناس بشيء. في هذا العالم يصبح كل فرد مسؤولًا عن حماية نفسه ومصالحه، ويعيش الجميع في خوف دائم من الجميع. وصف هوبز هذه الحالة بأنها «حرب الكل ضد الكل»، حيث تتحول الحياة إلى صراع مستمر من أجل البقاء.

ومن هنا رأى أن الفوضى لا تبدأ بالسلاح، بل تبدأ عندما يختفي القانون وتضعف هيبة الدولة. فعندما يغيب النظام، ينشغل كل إنسان بحماية نفسه ولو على حساب الآخرين، وتصبح النجاة أولوية تتقدم على القيم والمبادئ.

ولهذا اعتبر هوبز أن وجود سلطة قوية ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة اجتماعية تمنع المجتمع من السقوط في الفوضى. فالحرية بلا حدود قد تتحول إلى فوضى تلتهم الجميع، بينما يوفّر النظام مساحة آمنة يستطيع الإنسان أن يعيش فيها ويطوّر حضارته.

ورغم أن كثيرين انتقدوا هوبز واعتبروا نظرته متشائمة للطبيعة البشرية، فإن الواقع كثيرًا ما يعيد أفكاره إلى الواجهة، خاصة في الأزمنة التي تنهار فيها الدول وتضعف فيها القوانين. فعندها يظهر الوجه الحقيقي للخوف البشري، ويصبح الاستقرار حلمًا يبحث عنه الجميع.

لقد أراد توماس هوبز أن يقول إن الحضارة ليست أمرًا ثابتًا أو مضمونًا، بل هي اتفاق هش بين البشر، وإن القانون ليس مجرد قيد على الحرية، بل الجدار الذي يمنع الإنسان من العودة إلى حالة الصراع الأولى.

ويبقى السؤال حتى اليوم:

هل الإنسان بطبيعته كائن متحضر، أم أن الحضارة مجرد طبقة رقيقة تخفي تحتها غرائز قديمة تنتظر لحظة الفوضى؟

مساحة إعلانية