رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
واحد من أهم أهداف العدوان الإسرائيلي على غزة تمثل -وما زال- في تكريس حالة التقسيم بين الضفة الغربية والقطاع وإجهاض المصالحة الوطنية التي تحققت عبر تشكيل حكومة التوافق الوطني الأخيرة بعد اتفاق كل من حركتي فتح وحماس في شهر يونيو الماضي على إنجازها بعد سنوات من حالة مراوحة المكان الممزوجة باحتقان سياسي ساد العلاقة بين الحركتين على مدى السنوات السبع المنصرمة منذ استيلاء حركة حماس على القطاع وتشكيلها حكومة خاصة بها لإدارة شؤونه. وبوسعي القول على وجه اليقين إن المقاومة الصلبة التي أبدتها الفصائل الفلسطينية بالقطاع في مواجهة آلة الحرب الصهيونية المدججة بأشد العتاد فتكا مع أشكال المقاومة السلمية التي شاركت فيها فتح وغيرها من الفصائل في الضفة الغربية، نجحت في إسقاط هدف حكومة بنيامين نيتنياهو الموغلة في التطرف والرامي إلى وأد التوافق ومن ثم بقاء حالة التنائي بين جزئي الأراضي المتبقية من فلسطين التاريخية مشتعلة.
لقد بدا واضحا أن القيادة الفلسطينية ممثلة في الرئيس محمود عباس أبو مازن أدركت ما وراء العدوان، فسارع بعد بدئه بأيام إلى التعامل مع مع قطاع غزة بحسبانه جزءا لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية وهو ما تجلى في حرصه على التوجه إلى الدوحة للقاء خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية – حماس – والذي وصف بأنه إيجابي، الأمر الذي
شكل حائط صد في مواجهة محاولات المراهنة على تباين الموقف الفلسطيني.
وعلى الرغم مما كان واضحا في مطلع الأحداث من تباين موقفي كل من القيادة الفلسطينية وقيادة حماس إزاء المبادرات السياسية المطروحة، خاصة المبادرة المصرية، فإنه كان ثمة توافق على المطالب الفلسطينية الضرورية التي يتعين أن تلبيها أي مبادرة للحل أو لوقف العدوان وهو ما تجلى في المقترحات التي أعلنتها القيادة الفلسطينية عقب جولة أبو مازن في كل من مصر وقطر والكويت والتي لم تخرج كثيرا عن مطالب فصائل المقاومة، بل تبنى اجتماع منظمة التحرير الفلسطينية في رام الله -عقب عودة أبو مازن إليها من جولته العربية - هذه المطالب، خاصة فيما يتعلق برفع الحصار.
ثم تجلت الخطوة الأهم في هذا السياق في قرار القيادة الفلسطينية مؤخرا تشكيل وفد موحد يضم ممثلين لكافة الفصائل، بما في ذلك حماس والجهاد واللتان أبدتا اعتراضا على المبادة المصرية للمشاركة في مفاوضات وقف إطلاق النار بالقاهرة وهو ما جسد وحدة الموقف الفلسطيني بكل تياراته، ليس على جوهر مبادرة القاهرة فحسب، وإنما إزاء التعاطي مع قضايا ما بعد العدوان على نحو يحول دون تكراره في المستقبل ويفتح أفقا سياسيا مغايرا للتعامل مع القضية الفلسطينية.
وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن نتنياهو عقب تشكيل حكومة التوافق الوطني الفلسطينية الحالية وضع أبو مازن أمام خيارين لا ثالث لهما وهما إما السلام مع إسرائيل أو السلام مع حماس وفي ضوء الحسابات السياسية المعقدة في المنطقة وتوقعات ردود فعل حكومة هذا المتطرف المتحالف مع أحزاب المستوطنين والمتشددين اليهود كان بوسع القيادة الفلسطينية أن تتراجع عن المصالحة، ولكنها وفق الحسابات الوطنية والمبدئية، رفضت الاستجابة لضغوط نتنياهو وانحازت إلى خيار المصالحة، لأنه وحده هو الذي يحقق المصالح العليا للفلسطينيين، والتي تتجسد في الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، مع الإدراك بأنهم سيدفعون كلفة عالية، سواء من دمائهم وأرواحهم أو منشآتهم ومنازلهم وممتلكاتهم وبنيتهم التحتية ومزارعهم. وهو ما شاهدنا مظاهره في العدوان الشديد، والهمجية على قطاع غزة والقسوة المفرطة في مواجهة احتجاجات سكان الضفة الذين انتفضوا، ولو مؤقتا، على هذا العدوان.
إن فلسطين التاريخية تعرضت لمؤامرة التقسيم وتحديدا في أعقاب حرب العام 1948 بعد صدور قرار الأمم المتحدة بتقسيمها بين العرب واليهود، في قرار تجاوز كل حدود الشرعية الدولية وعكس توجها خطيرا في النظام الدولي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الثانية التي انتهت في العام 1945 مؤداه الانحياز إلى اليهود من قبل الدول الكبرى المؤثرة في صياغة محددات هذا النظام.
ومن اللافت أن كلا من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كانا أول دولتين اعترفتا بكيان إسرائيل بعد إعلانه في الخامس عشر من مايو 1948، بل سارعتا مع أطراف دولية أخرى في تقديم العون السياسي والعسكري والاقتصادي، والذي ما زال مستمرا، خاصة في ضوء الدعاية الصهيونية الخاصة بمحرقة الهلوكست في ألمانيا النازية على أيدي أدولف هتلر إبان الحرب التي شنها على العالم آنذاك ولاشك أن فلسطين كانت من أوائل ضحايا اتفاقية سايكس بيكو بين كل القوتين
الكبريين في مايو من العام 1916 وهما بريطانيا وفرنسا، فقد أدخلت ضمن منظومة النفوذ الإنجليزي، ثم خضعت لانتدابه بقرار من عصبة الأمم في أعقاب الحرب العالمية الأولى ولكن التطور الأخطر الذي تسبب في كل التداعيات التي يعاني منها الفلسطينيون حتى هذه اللحظة تمثل في وعد بلفور في السابع عشر من فبراير من العام 1917 والذي تضمن وعدا من الحكومة البريطانية – التي لا تملك الحق- بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين – الذين لا يستحقون - بعد تعثر أو فشل محاولات أخرى للمنظمة الصهيونية العالمية في مناطق أخرى من العالم. وثمة حقيقة يتعين أن يتوقف لديها من يتعاملون مع العدوان الصهيوني على غزة باستخفاف ويدخلونه ضمن دائرة الاستقطاب السياسي والأيدلوجي إلى حد إعلان التشفي في حركة المقاومة الإسلامية - حماس – وغيرها من فصائل المقاومة مؤداها أن إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين استهدفت أول ما استهدفت - وما زالت - الفصل بين مصر ومشرقها العربي، ثم مقاربة الحدود المصرية، بل وتجاوزها مثلما حدث في عدواني 1956 و1967 عندما اخترقت قوات هذا الكيان أراضي سيناء أي.
المسألة بوضوح مرتبطة بمحددات الأمن القومي المصري، واللافت أن هذا الكيان، رغم اتفاقية السلام الموقعة في العام 1979، ما زال ينظر إلى مصر بحسبانها الخطر الرئيسي، إن لم يكن الأوحد، وما زالت عقيدة جيشه القتالية ترتكز على هذا المفهوم. وبالتالي فإنه من الضرورة بمكان إدراك هذه الحقيقة وغيرها من الحقائق الواضحة وغير الملتبسة في الصراع العربي الصهيوني، حتى يمكن تحديد اتجاه البوصلة وينأى البعض الذين ظهروا في المشهد الإعلامي مؤخرا من السقوط في مستنقع الارتماء في خانة العدو، سواء بقصد أو دون قصد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
13179
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1296
| 10 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع مرور الوقت، ولا مجرد فصل جديد في صراع اعتدنا على تكراره. ما جرى كان لحظة فاصلة، كشفت الكثير مما كنا نفضّل تجاهله، ووضعت الجميع أمام واقع لم يعد من السهل الهروب منه. بعد الطوفان، لم تعد اللغة القديمة صالحة للاستخدام. لم يعد من الممكن ترديد العبارات نفسها، أو التظاهر بأن الصورة غير مكتملة. الصورة كانت واضحة، وربما كانت هذه أوضح لحظة شهدها هذا الجيل. أول ما سقط بعد الطوفان هو وهم الجهل. لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأنه لا يعرف، أو أن الأمور بها لبس. كما سقطت فكرة النظام الدولي العادل. القانون الذي يعمل بانتقائية، وحقوق الإنسان التي تُفعّل حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تكون ضدها. والأهم انتهت اخطر كذبة كنا نكررها "ما باليد حيلة". وسقط أيضًا خطاب العجز الذي اعتدنا ترديده. ذلك الخطاب الذي يبرّر الصمت بحجة غياب القدرة، ويتعامل مع المأساة وكأنها قدر لا يمكن الاقتراب منه. ان تكون عاجزاً بعد الطوفان فهذا ليس بسبب الاوضاع بل بسبب اختيارك ان تكون عاجزاً. الطوفان لم يخلق قسوة العالم، لكنه كشفها بوضوح. كشف ازدواجية المعايير، وصمت المؤسسات، وبرود الخطاب السياسي أمام مشاهد لا تحتمل البرود. لكنه في الوقت نفسه كشفنا نحن، بطريقة ربما كانت مؤلمة أكثر. كشف سرعة انفعالنا، وسرعة تراجعنا. كشف كيف نغضب، ثم نتعب ثم نعتاد. كيف تتحول المأساة إلى صور، ثم إلى مقاطع، ثم إلى ذكرى بعيدة. كشف عدم قدرتنا على تحمل المناظر المؤلمة التي نراها في غزة عبر الفيديوات.. بينما اهل غزة يعيشون هذه المناظر فعلياً كل يوم ترك الطوفان أثرًا نفسيًا ثقيلًا. تعب عام، شعور بالعجز، وتقلّب مستمر بين الأمل واليأس. هذا التعب لا يُقاس بالأرقام، لكنه ينعكس في طريقة التفكير، وفي قبول الظلم باعتباره جزءًا من المشهد المعتاد. الخطر هنا ليس في الغضب، بل في الاعتياد. أن نصبح أقل دهشة، أقل صدمة. وضوح العدو لا يُعفي من مراجعة الذات. فالطوفان كشف ضعفنا في البناء الطويل، واعتمادنا المفرط على ردود الفعل. الغضب حاضر، لكن تحويله إلى مشروع مستمر، ما زال محدودًا. كما كشف تردّد النخب في تحمّل كلفة المواقف، وارتباك الجمهور بين الرغبة في الحقيقة والخوف من تبعاتها. النخب التي قال عنهم ابوعبيدة رحمه الله: انتم خصومنا امام الله. ما بعد الطوفان ليس مرحلة شعارات ولا خطابات حماسية. هو مرحلة أسئلة ثقيلة: كيف نفهم القوة؟ كيف نبني وعيًا ينهض بنا؟ إما أن يكون الطوفان نقطة تحوّل حقيقية، أو مجرد محطة أخرى في سلسلة صدمات اعتدنا أن نمرّ بها دون أن نتعلّم منها ما يكفي. ما بعد الطوفان يفرض مسؤولية أبعد من الغضب وأثقل من التعاطف. يفرض انتقالًا من حالة المشاهدة إلى موقع الفاعلية، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي طويل النفس. لم يعد السؤال: ماذا نشعر؟ بل ماذا سنفعل بهذا الشعور؟ لأن المشاعر التي لا تتحول إلى وعي، والوعي الذي لا يتحول إلى سلوك، ينتهي بهما الأمر وقودًا لجولة إحباط جديدة. أخطر ما قد يحدث بعد الطوفان ليس أن نُقهر، بل أن نقتنع أن أقصى دورنا هو أن نتألم ثم نعود إلى حياتنا كما كانت، وكأن الدم الذي رأيناه لم يكن اختبارًا أخلاقيًا مباشرًا لنا نحن، قبل أن يكون إدانة للعالم. بعد أن وقف اطلاق النار "الوهمي" حيث ان القصف لازال موجودا والقتل لازال موجودا ولكن الفرق هو ابتعاد الكاميرات عن غزة، بقيت الأسئلة بلا إجابات سهلة، يظل السؤال الأهم قائمًا: هل تغيّر العالم فعلًا، أم أنه كشف فقط حدود قدرتنا على التغيير؟ والأهم من ذلك.. هل تغيّرنا نحن بما يكفي؟ أم أننا ننتظر طوفانًا ودماء اكثر كي نتحرك فعلياً؟
795
| 10 فبراير 2026