رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان المستشفى هو أول ما يلفت نظر الغرباء في البلدة البعيدة، وكان للفت النظر هذا أسبابه العديدة، منها تلك الفخامة النسبية التي بنيت به.. بالطبع ليست فخامة مستشفيات المدن القائمة على أشكال وألوان وفلسفة هندسية، لم تسمع بها البلدة، لكن طلاءها الأبيض، ونجيلها الهزيل، وخزان الماء الذي يرتفع في غطرسة، والإضاءة المتقطعة التي يجود بها مولد محدود الإرادة يستر عورة الفقر قليلًا، كانت تعد فخامة. أيضًا وجود الطبيب في حد ذاته كان يعد فخامة، ففي ذلك الوجود يمكن أن تعثر على قميص وبنطال أنيقين، ونظارة طبية غالية الثمن، وحذاء يختلف عن أحذية البلدة التي تستعمر أرجلها «المراكيب»، وأحذية «التموت تخليه» المصنوعة من إطارات السيارات، وفي كثير من الأحيان عري الأرجل الصريح، ذلك بالإضافة إلى وجود سكن يتبع المستشفى يمكن أن يشكل فندقًا بلا نجوم, لكنه يسند حضور أولئك الغرباء، ويستضيفهم. لذلك كنا دائمًا ما نكون أول من يصافح الغرباء عند حضورهم.. وآخر من يصافحهم عند انغراسهم في سكة السفر.
حين جاء «التقلاوي» إلى البلدة سار على درب لفت النظر ذلك، وفوجئنا به بكل مستلزمات سفره من تعب، وإرهاق، وحقائب، يصب في المستشفى، ثم في السكن بعد ذلك، كان من أبناء الغرب، لكن مهنته الغريبة جعلت وجوده في السفر حتميًّا، فقد كان فنيًّا جوالًا يعمل في صيانة الآلات الكاتبة «تايب رايترز».. هكذا كان ينطقها عاضًا على لحمها الإنجليزي في إصرار حتى ينزف.. كان يلاحقها في المدن البعيدة، ولا بد أن تلك المهنة كانت مربحة.
كنت من المغرمين بالأسماء.. خصوصًا تلك التي تملك رائحة عجيبة، ولا تتكرر كثيرًا.. فقد أنفقت ظهيرة مشتتة وأنا ألاحق اسم الغريب، أحيله إلى مدن، وقبائل، وعائلات، ولا أجد له تربة صالحة أغرسه فيها، اسم «التقلاوي» يشبه «الدنقلاوي» والحلفاوي، و«الحلاوي»، لكنه بلا غطاء مثل تلك الأسماء، فليست ثمة قبيلة اسمها «تقل»، ولا مدينة كذلك، ولو افترضنا أنه اسم عادي مثل أي اسم.. فماذا يعني؟
أفقت على صوت الغريب يسألني.. وعندما التفت إليه رأيته يعبث بإحدى حقائبه التي لا بد أنها تحوي عدة العمل الصياني للآلات الكاتبة:
- كم «تايب رايتر» عندكم في المستشفى؟
قلت وأنا أتذكر الكاتب الوحيد بالمستشفى.. العم «شيبة شيبان».. وهو منكفئ على أوراقه ومراسلاته يركلها بخطه «الهيروغليفي»، ويرسلها إلى رئاستنا الإقليمية، ليقرأها كاتبهم القديم «بشرى» دون أي تذمر:
- ولا واحدة.
كان الغريب كأنه لدغ، لأن يده فرت من حقيبة العدة، كما تفر من شاي حار، أخرج ورقة من جيبه، وشطب على اسم مدون في أعلاها، استطعت أن ألمحه، كان اسم المستشفى الذي دون بجانب عدد من المرافق يبدو أنها شدت الغريب وتجواله إلى تلك البلدة.. بناءً على نصيحة خاطئة.
أخذته إلى سكن الأطباء، كان الغداء فقيرًا لكنه مشبع، وكان بعض العاملين في تلك المرافق التي دونها الغريب في ورقته، قد حضروا للغداء أيضًا، عثر على ضابط في الشرطة، وضابط في الجيش، ومفتش زراعي، ومفتش في الحكومات المحلية.. أراد أن يلاحق آلاتهم الكاتبة، فأخبرته أن ينتظر حتى ينتهي الغداء. كنت أخشى على شهيته من انسداد أو جلطة.
عندما انتهى الغداء جاءت الخيبة الكبيرة تعدو.
لم تكن توجد آلة كاتبة واحدة في البلدة كلها.. كانت الأيدي المحلية هي الـ«تايب رايترز».. تركل الورق، وتغلفه، وترسله، ولم يرد في ذهن أي مصلحة محلية أن تغير من ذلك السلوك.
في الصباح التالي كان «التقلاوي» يلم عدته، وإرهاقه وحبوب تهيج القولون التي زودته بها ويرحل.. صافحناه وقلنا.. إلى لقاء.. قال كأنه يشتمنا:
- لا أظن ذلك.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1749
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1269
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1044
| 07 يناير 2026