رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

ialsada63@gmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

441

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

العمل حين يصبح إنسانيًا

28 يناير 2026 , 02:22ص

بعد سنوات من العمل في مناصب إدارية متعددة، تعرفت من خلالها على أنماط وبيئات عمل مختلفة بين القطاع الحكومي، والمؤسسات المملوكة للدولة، والمؤسسات الخاصة، والهيئات الرقابية، كانت هذه الرحلة فرصة لاكتساب العديد من المهارات، ولفهم تعقيدات إدارة المشاريع الكبرى، وإتقان توزيع الموارد واتخاذ القرارات في بيئات متنوعة، ومواجهة التحديات بمزيج من الحزم والمرونة، مع الحفاظ على نتائج ملموسة وفاعلية واضحة في كل موقع عمل.

كانت كل خطوة تُقاس بمؤشرات الأداء، وتتابع بالتقارير، وبالرقابة الصارمة على التنفيذ، ومع ذلك، سرعان ما أدركت أن أثر كل قرار يتجاوز الأرقام والجداول ليصل إلى حياة الناس واحتياجاتهم اليومية الملحة، لقد علّمتني هذه السنوات درسًا واحدًا واضحًا: أن الإدارة الناجحة ليست مجرد ضبط العمليات، إنما وعيٌ بأن لكل قرار أثرًا يمتد خارج المكاتب، ويصل إلى أرض الواقع حيث تتقاطع الأعمال مع حياة البشر.

في كل قرار نتخذه، تظهر الحاجة لأن يكون العقل حاضرًا والعاطفة أيضًا، بحيث يُؤدى الواجب دون أن يفقد الإنسان حسه بالآخرين، هذا التوازن الدقيق بين مقتضيات الوظيفة والعاطفة هو جوهر أي عمل مسؤول، سواء في المؤسسات أو في المجتمع.

هذا التداخل بين “الواجب” و“البعد الإنساني” ليس أمرًا جديدًا، فمنذ صدر الإسلام ظهرت قيادة تدرك بوضوح أن العمل العام شيء، وأن الحياة الاجتماعية شيء آخر. وعند قراءة السيرة النبوية قراءة تتوقف عند المعاني لا عند الأحداث فقط، نجد أن النبي ﷺ فرَّق بجلاء بين المقامين، ففي مقام الشأن العام ظهر الحزم والعدل وتقديم أهل الكفاءة، أما في مقام الحياة اليومية فبرزت الرحمة وقرب المسافة ودفء المشاعر.

في الشأن العام كان الحق والبرهان هما أساس القرار، فلا قرابة ولا محاباة تُقدَّم على العدل، واستُشير أهل الحل والعقد لخبرتهم لا لقرابتهم، وفي المقابل، في البيت والمسجد والمجتمع ظهرت الرحمة وحسن التعامل وقرب المسافة من الناس، كان النبي ﷺ قريبًا من مشاعر من حوله، يراعي أحوالهم ويحافظ على دفء العلاقة الإنسانية، إن وعيه بتعدد المقامات هو الذي صنع توازن القيادة، ومنحها القدرة على أداء الواجب دون أن تفقد بعدها الإنساني.

واليوم، حين يدخل القرار الإداري في مجال العمل الإنساني، يصبح حساب الأثر أوسع من جدول الموارد والموازنات، لأن أي إجراء أو قرار قد يتحول إلى خيمة تُنصب، أو دواء يُرسل، أو ماء يُشرب، أو مأوى يُجهز لمن يحتاجه، هنا لا يستطيع المسؤول أن يكتفي بمقاييس الأداء وحدها، لأن أثر القرار يتجاوز الورق إلى حياة الناس في الميدان.

العمل حين يكون إنسانيًا لايمكن أن يُدار بالعقل وحده ولا بالعاطفة وحدها، إنما يدار بالقدرة على جمعهما دون إفراط أو تفريط، والمؤسسات التي تتعامل مباشرة مع حياة الناس واحتياجاتهم اليومية لا تحتاج إلى نظام يحسن التدبير قدر ما تحتاج إلى قلب يدرك أن كل قرار يُتخذ في المكتب له أثر ملموس على الواقع.

ختامًا، لا يكتمل معنى العمل الإداري، في المجال الإنساني، إلا حين يتجاوز حدود المكاتب والملفات، ويتجسد في أثر يصل إلى الناس مباشرة؛ في المخيمات البعيدة، وعلى خطوط المواجهة، وعند بوابات المستشفيات الميدانية، هنا تتحول القرارات إلى أفعال تخفف المعاناة وتمنح المحتاجين الأمان والكرامة، يكتسب العمل بعده الإنساني الحقيقي، ويصبح المسؤول شاهدًا على قيمة الإدارة حين تُقاس بأثرها في حياة البشر، لا فقط بما تحققه من مؤشرات وأرقام.

مساحة إعلانية