رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ضاع العرب في متاهات الأحداث، فمرة يتجهون لواشنطن ومرة لموسكو ومرة للصين.. لم يعرفوا ما يريدون، واضطرب الشارع العربي بتحليلات الإعلام، فمرة نسمع أن اليمن مقابل سوريا ونرى تخبطا في المواقف والسياسات العربية على كافة المستويات.. ونرى من يرى الحوار ومن يرى أن القمع والقتل والسجون هي الحل، ونرى رفض الكل لبعضهم البعض.
لم يعد أحد يطيق الآخر، ونرى الآخرين في العالم يحاولون ويبحثون القواسم المشتركة. أما نحن إما معي أو ضدي لا ثالث لهما، ولا توجد أي وسائل للحوار والتفاهم.. ولذا نجد أن الأوراق مختلطة أين تكون المواجهة وأين يكون الحوار وتشخيص الأوضاع. لذا نرى أن الحل أن نبدأ جهودا لرأب الصدع ولم الشمل، ولابد أن نعرف جيداً أن الولايات المتحدة لا تعرف العواطف، وإنما المصالح ولها سياستها التي تخدم مصالحها ومصالح حليفتها إسرائيل، ولذا وجدت أن إيران هي الحليف الإستراتيجي لتحقيق مصالحها فصداقات الولايات المتحدة والغرب لا تقوم على العواطف فلا صديق دائما ولا عدو دائما وإنما مصلحة دائمة.. لذا فمفاجأة العرب بمواقف أمريكية لاختلافها مع بعض القضايا فمثلاً الملف السوري مصلحة أمريكا هي أن تكون سوريا لا تهدد أمن إسرائيل ولا تشكل خطراً على مصالحها، لذا فليس هناك مشكلة ببقاء أو ذهاب الأسد وهنا تقاطعت مصلحتها مع إيران.. ولذا فإن ذهاب العرب لموسكو التي تعرف أن لها مصالح كبيرة وشراكة مع إيران فهي تريد الابتزاز وسوريا منطقة مصلحة ونفوذ لها في المنطقة وليست مستعدة للتنازل لخاطر عيون السياسة العربية.. ولذا فموسكو لا تعرف مثل واشنطن إلا ضغوطا قوية هل العرب مستعدون للتوحد والبحث عن حلفائهم الحقيقيين. لابد من وقفة شجاعة للعمل بموقف واحد وإصلاح ذات البين ووقف الخلافات العبثية التي لا معنى لها.
فنجد اليمن مثلاً يجب أن تتضافر الجهود إنهاء الملف اليمني وتوسيع التحالف وتحرير تعز وجعل صعدة منطقة آمنة خالية من الأسلحة وجعل حضرموت وشبوة مناطق محررة من التنظيمات الإرهابية ووقف الممارسات التي تعرقل عاصفة الحزم فلا حديث عن انفصال ومنع الجماعات التي تريد اللعب بهذه الورقة من جماعات لا دور لها في المقاومة وكانت سبباً فيما حصل واليوم بعد هذه الدماء تلعب بعواطف الناس في المناطق الجنوبية لتعود للحكم وتهدد أمن المنطقة وهي ورقة إيرانية لعرقلة عاصفة الحزم وجهود دول الخليج.
والملف العراقي والحركات البهلوانية لإيران من خلال العبادي ومحاربة الفساد وضرب القرى السنية وتشريد الناس ومنعهم من دخول بغداد ودور الأحزاب الكردية العنصرية التي تتحالف مع إسرائيل لتحقيق برنامجها في العراق وفيلم داعش لتصفية وتهجير السنة ومأساة الناس الذين يقتلهم داعش الإيراني والحشد الشعبي الإيراني بين فكي كماشة.
لذا يجب الحفاظ على هوية السنة العرب ووقف هذه المجازر والتهجير الذي هو أكثر بشاعة مما حصل عام 48 بفلسطين، ويجب على العرب عدم التهاون بذلك لخطورته على الجميع وعلى استقرار وأمن المنطقة، وما خلية الكويت وتسريب الجماعات الإرهابية للكويت والبحرين وغيرها إلا غيض من فيض.
والملف المصري وما يجب أن يكون من مصالحة وتهدئة الأوضاع وتكاتف الجميع ضد الإرهاب لأن دخول الإرهاب لمصر يضر بمصلحة العرب وقوتهم، ولذا فإن الاحتقان بمصر وقيام بعض الجهات بالتصعيد والتحريض يضر باستقرار هذا البلد الذي يُراد له أن يدخل في حرب استنزاف خطيرة، ولابد من تقديم تنازلات من جميع القوى السياسية ووقف المهاترات والتحريض الإعلامي بما يضر بالمصلحة الوطنية والعمل وفق الدستور، ولابد من جهود تقوم بها الدول ذات التأثير لإصلاح ذات البين وحل مشكلة سيناء من خلال التنمية والتعليم ومحاربة الفقر.
وكذلك الملف الليبي والضغط على جميع الأطراف بحكومة انتقالية تمهد لانتخابات نزيهة تشرف عليها الدول العربية والمؤتمر الإسلامي والجامعة العربية والضغط على جميع الأطراف بالعمل المشترك.. وكذلك الملف اللبناني ورفض الخلل بالدولة ولابد أن تتحرك القيادات الحكيمة.
نبحث اليوم عن ابن سودة وإسماعيل الأزهري ومحمد أحمد محجوب وعمر السقاف وأحمد خليفة السويدي وصباح الأحمد. رعى الله تلك الأيام.. الحل ليس في موسكو فلو ذهب العرب كلهم لبوتين ولافيروف فلن يجدوا شيئاً ولو ذبحوا له الخرفان وقدموا له الموائد وذبحوا فرس حاتم الطائي فذلك لن يحرك شعرة في بوتين فهو ليس من عبس ولا شمر ولا قحطان.
العرب أهملوا سندهم ((أفريقيا وآسيا)) ولا نرى تحركا دبلوماسيا في نيجيريا ولا تشاد ولا النيجر ولا السنغال وغينيا ولا نرى تحركاً عربياً في إندونيسيا وماليزيا وطاجيكستان وأوزبكستان وقرغيزيا وألبانيا لماذا؟ هؤلاء حلفاؤنا الحقيقيون، ورحم الله الملك فيصل بن عبد العزيز أدرك رحمه الله ذلك وطرد إسرائيل ونفوذها هناك. واليوم نسينا هؤلاء الذين هم حلفاؤنا وقوتنا من كل الجوانب.
ولذا لابد من الحفاظ على قوة مجلس التعاون كقوة اقتصادية وعسكرية وسياسية لما لها من تأثير عالمي ولابد من عودة الجامعة العربية لدورها. وتفعيل كافة المؤسسات، ولابد من موقف جماعي وحشد حلفاء لوقف المد الإيراني وسيفاجأ العرب قريباً بعلاقات إسرائيلية إيرانية تخرج للعلن كما تفاجأوا بذلك مع الغرب. فهم يعرفون جيداً أن السياسة لا تؤخذ من التصريحات التضليلية ولا من الإعلام الذي يخدم أجندات معروفة ولا من المواقع التي تثير الفتنة وإنما مما يجري في المطابخ فإيران وأمريكا وإسرائيل حلفاء، وهذا ما قاله ويقوله المحللون الإستراتيجيون وليس المهرجين المشعوذين الذي زوروا وضللوا الناس بأخبار وتحليلات بعيدة عن الواقع ومسربة من خصوم الأمة.
آن الأوان لأن يعرف الجميع أن الخلل من عندنا وأن العالم لا يحترم إلا القوي. كانت صدمة للعقلاء أن يجدوا العالم العربي يعود لصراعات طائفية وعرقية وتنشأ بينهم جماعات مسلحة وإرهابية ويتقاتل الناس على معارك وهمية وتتدخل دول مثل إيران لتقرر مستقبل ومصير اليمن ولبنان والعراف وسوريا. أليس هذا عارا ووصمة خزي في جبين هذا الجيل؟
هناك مشاكل ومصارحة تحتاج للقاءات وتشخيص واعتراف بالمشكلة وإصلاح البيت العربي عندها نستطيع أن تفاوض بوتين وحتى إيران والغرب من مركز قوي!! وليس من مركز ضعيف.. فالعالم لا يحترم إلا القوي وكذلك التمسك بهويتنا والعودة إلى الله والاستعانة به دون غيره، فالله هو من يسير الكون وليس بوتين ولا أوباما ولا غيرهم، فاستعينوا بالله واصبروا وتوكلوا عليه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4242
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3159
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1110
| 28 سبتمبر 2026