رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رغم أننا لا نعرف نهاية للشوط الأول من مباراة ما بعد الثورة، فإن خبرة الأسابيع الثلاثة الأخيرة زودتنا بكم من الإشارات والملامح الدالة التي تستحق القراءة، قبل أن ننتقل إلى الشوط الثاني الذي أرجو أن يكون أفضل.
(1)
لا مفر من التذكير بأن ما تشهده مصر من توتر وتجاذب وصراعات يظل قليلا من كثير عرفته مختلف الثورات على مدى التاريخ، بالأخص في فترات الانتقال التي يخرج خلالها المجتمع من تحت أنقاض النظام القديم، ويسعى جاهدا للخلاص من أصدائه وتشوهاته، وهي معاناة تزداد آلامها حين يصبح النظام الجديد حلما لا ترى ملامحه، وروحا تسري في جسد مثخن بالجراح. لكنه يظل مفتقدا للطبيب الثقة الذي يداويه. ينطبق ذلك على الثورة المصرية التي لا تزال جسما بلا رأس، بعدما فشلت محاولات زراعة رأس له. وأثبتت تجربة العشرين شهرا الماضية أن كل الرؤوس التي ركبت على الجسد كانت أصغر منه.
لقد أثبتت التجربة أن المعركة ضد النظام المستبد أسهل وأهون وأقل كلفة من العراك بين الرفاق.
إذ كان من اليسير حسم الأمر مع نظام مبارك خلال 18 يوما، لكننا فشلنا في أن نسوي ما بيننا منذ نحو عشرين شهرا. إذ في حين بدأنا بحماس عارم عبرت عنه يد واحدة، فإننا تحولنا خلال تلك الأشهر إلى فكر مشتت وعضلات تتصارع. وليت الأمر وقف عند حد الاختلاف، لكنه تطور وتحول إلى ما يشبه الطلاق. الذي قد يتعذر في ظله استمرار العيش تحت سقف واحد. الأسوأ من ذلك أن الخلاف لم يكن سياسيا، لكنه بدا أعمق وأكثر تجذرا، حين اصطف الإسلاميون في جانب، واحتشد الآخرون باختلاف هوياتهم الفكرية السياسية والدينية في الجانب المقابل.
وبلغ الاستقطاب حدا ألغى كتلة الوسط. الأمر الذي قسم البلد بلدين على الصعيدين الفكري والسياسي.. وصرنا أقرب إلى الواقع اللبناني بنظامه الطائفي المهيأ للانقسام، الذي توزع الناس فيه بين فريق استظل بجماعة 14 آذار وأخرى انتسبت إلى ما سمي تجمع 8 آذار. ولأنه لا تكاد توجد مؤسسات أو أوعية حقيقية للحوار المجتمعي في مصر، فإن التجاذب انتقل إلى الشارع وإلى شاشات التليفزيون.
(2)
لأن الأجواء الإيجابية تستخرج من الناس أفضل ما فيهم، فإن الانقسام المختلط بالاحتقان أحدث العكس، حيث استخرج من المجتمع سيئات لم تكن تخطر على البال. إذ استسلمت النخبة للاستقطاب وتوزعت على المعسكرين المتجاذبين، وبالتالي فإنها صارت جزءا من المشكلة. وبدلا من أن يظل المثقف ضمير وطنه، فإنه صار في ظل حدة وعمق الاستقطاب الراهن لسان جماعته أو فريقه.
ليس ذلك وليد لحظة الأزمة الراهنة بطبيعة الحال، لكنه ظهر بوضوح منذ طرح الاستفتاء على التعديلات الدستورية في شهر مارس من العام الماضي (2011)، الذي كان بمثابة أول اختبار لتبيان موازين القوى الحقيقية فى مصر العائدة إلى السياسة بعد طول حجر وتغييب. بل إن مقدمات الاستقطاب ظهرت منذ تشكلت لجنة التعديلات، وكان على رأسها مسلم ملتزم وغيور على دينه هو المستشار طارق البشرى وتبين أن من أعضائها السبعة قانوني إخواني هو الأستاذ صبحي الصالح. وقد أثار وجود الاثنين بين السبعة امتعاض العلمانيين واليساريين وغلاة الليبراليين، الذين اعتبروا البشرى «مشبوها» (ألا يستحق الرجل اعتذارا منهم الآن بعدما أثبتت مواقفه أنه فوق الشبهة، وأصبح الذين اتهموه بالأمس يمتدحونه ويستشهدون بآرائه اليوم؟). أما الثاني فقد صار متهما ومدانا، ولم يغفر له أنه كان عضوا في اللجنة التشريعية بمجلس الشعب الأسبق.
ما يحدث الآن في مصر تجاذب وصخب مطابق لما شهدناه أيام الاستفتاء، وإن اختلف في الدرجة وأساليب الاشتباك. فالنخبة التي اصطفت ضد التعديلات هي ذاتها التي تخاطب المجتمع الآن، والإعلام المناهض والمحرض لم يغير من سياسته. أما الجديد في الأمر فهو أن شارع المدينة أصبح طرفا في الاشتباك، مع ما ترتب على ذلك من أحداث عنف مؤسفة ومحزنة.
توالت بعد ذلك المفاجآت، بعدما ظهرت نتائج الاستفتاء وكانت نتيجة انتخابات مجلس الشعب مخيبة لآمال الفريق الآخر، إلى أن فاز أحد القياديين في الإخوان برئاسة الجمهورية. ومنذ ذلك الحين حدثت تطورات كثيرة غيرت من ملامح البيئة السياسية في مصر.
(3)
إذا حاولنا أن نرصد أهم تلك الملامح فسوف نجد أن أبرزها ما يلي:
- هيمن الصراع بين الفريقين على الساحة السياسية، ولم تتمكن كتلة شباب الثورة من أن تؤسس منبرا مستقلا يعبر عنها، وحين تشتتت وتوزعت على عديد من الجماعات والائتلافات فإن حضورها ضعف كثيرا إلى أن ذابت في الصيغ التقليدية.
- تطور الصراع بين العلمانيين والإسلاميين (حرص الأولون على تقديمه بحسبانه صراعا بين القوى المدنية والدينية) من صراع حدود إلى صراع وجود كما يقال. أعني أنه كان تنافسا بين الفريقين على إثبات الحضور في الساحة، ثم أصبح مؤخرا صراعا استهدف إقصاء الآخر وإخراجه من الساحة. تجسد ذلك الأصوات التي ارتفعت مؤخرا والتي دعت إلى إسقاط النظام، وإشهار بطاقة الطرد الحمراء في وجه الرئيس محمد مرسي، كما تجلى في الهجوم على المقر الرئيسي للإخوان والعديد من المقار الفرعية.
- في غمرة مساعي الإقصاء ومحاولات إنهاء الوجود وقع بعض السياسيين في المحظور. فمنهم من دعا إلى تدخل الجيش لإنهاء الصراع، ومنهم من أبدى ترحيبا بالتحالف مع فلول النظام السابق لمواجهة الإخوان الذين اعتبروهم «خصما مشتركا» للاثنين. الأمر الذي عبر عن الاستعداد للتضحية بالثورة ذاتها من أجل الفوز على الطرف الآخر.
- تورط الطرف الإسلامي في محظور آخر، تمثل في إقحام الهوية الدينية في الصراع الذي هو سياسي بالأساس. إذ اعتبروا أن الاشتباك معهم أو معارضتهم موجهين ضد الإسلام، فيما بدا أنه نوع من التكفير السياسي. وكانت «مليونية» الشريعة والشرعية التي نظمها الإسلاميون في ميدان نهضة مصر بمثابة تجسيد لذلك الخطأ.
- ظهر فلول النظام بوضوح في الساحة السياسية في إعلان مبطن عن أن سقوط مبارك لم يؤد إلى القطيعة مع نظامه الذي لا تزال له امتداداته. ورأينا أن الفلول تشجعوا وسعوا إلى تشكيل حزب سياسي، ويبدو أن التشجيع لم يكن مصدره ما حدث في الداخل من هرج وخلط للأوراق فحسب، ولكنه يستند أيضا إلى بعض الأطراف العربية التي لها موقفها السلبي من الثورة.
- ظهر القضاء ــ بعض المعبرين عنه على الأقل ــ طرفا في الساحة السياسية، وكانت سابقة حل مجلس الشعب بصورة متعسفة استنادا إلى حيثيات حكم للمحكمة الدستورية شاهدا على ذلك، الأمر الذي فتح الباب للطعن في مختلف محاولات تأسيس النظام الجديد وعرقلة تقدمه. وكان موقف نادي القضاة الأخير من قرارات رئيس الجمهورية نموذجا آخر للتسييس، الذي أفقد القضاء حياده، بل أفقده أيضا وقاره حين استخدم المعبرون عن القضاة لغة هابطة أثناء الاشتباك مع السلطة.
- الكنيسة الأرثوذكسية دخلت بدورها حلبة التسييس، وتبنت مواقف وتحيزات بدت خلالها طرفا في الاستقطاب السياسي وتخلت عن دورها كقيادة روحية. وهو ما تجلى في انسحابها من الجمعية التأسيسية للدستور، ودخولها طرفا في معترك معارضة رئيس الدولة ودعوتها إلى مقاطعة الاستفتاء على الدستور. بل إن الكنيسة دخلت في الاصطفاف حدا دفعها إلى الاعتذار عن عدم استقبال مرشد الإخوان حين أراد تهنئة البطريرك الجديد بتوليه منصبه.
- في خضم صراعات نخبة المثقفين والسياسيين، تراجع الاهتمام بمشكلات المجتمع ومعاناة الناس، وأصبح اهتمام النخب بتسجيل النقاط في مواجهة خصومهم وتسابقهم على الأنصبة والحظوظ، مقدما ومنفصلا عن المشكلات الحياتية للجماهير، غير المعنية بكل ما يتصارعون حوله.
(4)
في عالم الرياضة يقسمون الفرق درجات بمعيار التفوق والكفاءة، كما أن المحررين الرياضيين والنقاد اعتادوا أن يختموا استعراضهم للمباريات بإعطاء علامات للاعبين. وقد خطر لي أن أقتبس الفكرة في التعليق على المباراة الجارية بالساحة السياسية المصرية، واضعا في الاعتبار أن المباراة لم تنته بعد وأنها لا تزال في شوطها الأول.
من هذه الزاوية أزعم أننا بصدد فريق التحق حديثا بدوري السياسة، ولم يتحدد بعد موقعه وترتيبه بين الفرق الهابطة. أما اللاعبون فهم بين هواة دخلوا إلى الملعب مصادفة أو وجدوا أنفسهم في قلبه فجأة. وبين لاعبين تجاوزوا بالكاد طور اللعب بالكرة الشراب، وقدموا من حواري السياسة ليبدأوا رحلتهم مع الأندية. أعني أننا بإزاء لاعبين من الفرز الثاني أو الثالث، بعضهم من متوسطي القدرة وبعضهم يستحقون العطف والرثاء ومنهم من ينصح بالبحث عن لعبة أخرى يؤديها. وجميعهم يحتاجون إلى مدربين ودروس خصوصية مكثفة. وما أدعيه ينطبق على القوى المدنية وعلى الإخوان والسلفيين. وجميعهم معذورون، لأنهم حديثو عهد بمثل هذه المباريات، التي حرموا منها طوال الستين سنة الماضية. لذلك أزعم أنهم مظلومون وظالمون. هم مظلومون لأنهم لم يمكنوا من النزول إلى الملعب في السابق، وظالمون لأنهم تسابقوا على حمل عبء لم يكونوا قادرين عليه. ولم يدركوا أن مصر أكبر منهم مجتمعين، ناهيك عن أنها أكبر من أي فصيل مهما كان حجمه. ولابد أن نعترف بأن الجميع في مرحلة «الحضانة» السياسية ولا يزالون يتعلمون أبجديات اللعبة. وقد قصدت التعميم حتى لا يدعي أحد أنه أفضل من الآخر. وإذا عنَّ لفصيل أن يدعي أنه أقدم من غيره. فإنني أذكِّر بأن بقاءه طويلا على الشاطئ ليس دليلا على أنه بات يجيد السباحة. حتى إذا كان البعض في السنة الأولى من الحضانة ووجدنا أن البعض الآخر في السنة الثانية، فذلك لا ينفي أن الجميع لا يزالون في الحضانة ولم يتجاوزوها.
سأتحدث عن الإخوان المسلمين باعتبارهم القوة الأكبر والأفضل تنظيما، وأزعم في هذا الصدد أنهم إذا كانوا قد نجحوا في قيادة وتنظيم الجماعة، فإنهم لم ينجحوا في قيادة سفينة الوطن. ولم يدركوا أن مصر أكبر منهم، ولذلك فإنهم لم يحسنوا الائتلاف مع غيرهم، رغم اقتناعي أن بين الآخرين من صدَّهم ورفض الائتلاف معهم. وقد خسروا حلفاءهم ونسبة غير قليلة من محبيهم خلال الأشهر الأخيرة. كما أن المتحدثين باسمهم كثيرا ما حالفهم عدم التوفيق في خطابهم الذي سحب من رصيد الجماعة وأسهم في تشويه صورتها. ثم إنه لا مفر من الاعتراف بأن اصطفافهم مع السلفيين حمَّلهم بأوزار خطايا غلاة السلفيين الذين أثاروا غضب المجتمع ونفوره.
بقيت كلمة عن الرئيس محمد مرسي الذي يقف في مقدمة اللاعبين. الذي يحسب عليه أنه خاطب رواد المساجد بأكثر مما خاطب جموع الشعب المصري، وحين تحدث إلى الجموع فإن خطابه لم يكن بالشفافية المرجوة. وتجلى ذلك في الإعلان الدستوري الذي فاجأنا به لاعتبارات وضرورات لم يكشف عنها. وتبين لاحقا أنه لم يرجع إلى مستشاريه فيه، الأمر الذي فرغ فكرة مؤسسة الرئاسة من مضمونها، وأوقعه في أخطاء كلفته الكثير. وكان نتيجة ذلك أن عددا غير قليل من مستشاريه تخلوا عنه بعد خمسة أشهر من توليه للسلطة. كما أنه خسر مؤيديه من خارج التيار الإسلامي، الذين كان قد اجتمع بهم حين احتدمت حملته الانتخابية. واتفق معهم على أمور لم يستطع الوفاء بها. ولم يتواصل معهم بعد ذلك ليشرح لهم الظروف التي اضطرته إلى ذلك، الأمر الذي أثر سلبا على ثقتهم في وعوده.
لا أريد التسرع في تحديد علامات للاعبين، ولا أمانع في أن يفعل ذلك غيري. لكنني أذكر بأمرين أحدهما أن المباراة الحقيقية بدأت منذ خمسة أشهر فقط، بعدما تولى الرئيس السلطة. وثانيهما أن «البدلاء» الذين نراهم خارج الملعب ليسوا أفضل كثيرا، ومنهم من يجيد دور المشاهد بأكثر من إجادته لدور اللاعب.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2630
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1018
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
663
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5817
| 23 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
3894
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3123
| 24 سبتمبر 2026