رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الإسلاميون كثيرا ما تعرضوا ولا يزالون لحرب إشاعات تراوحت ما بين الاتهام بالعمالة للأجنبي إلى الاتهام بالإرهاب وما بينهما من الإقصائية والفردية والتخلف والحجرية.. إلى غير ذلك مما ملأ فضاءات كثيرة إعلامية وسياسية وفكرية.. ثم انتهى كل ذلك إلى ما رأينا من التفاف الجماهير حولهم ورميها كل ما قيل ويقال عنهم وراء ظهورها وتحت أرجلها بالأخص من ذلك في تركيا وتونس ومصر عواصم محاربة الإسلاميين لعشرات السنين..
وبعد فوزهم في الانتخابات وتصدرهم التمثيل الرسمي والشعبي اليوم بدأ خصومهم يطرحون عليهم أسئلة من نوع الإحراجي والتوريطي حول قدرتهم على انتشال البلاد من عقابيل عشرات السنوات من الإلحاق بالأجنبي وتراكم التخريب (في ليلة ويوم طبعا)، وما إن كانوا سينقضون الاتفاقات المبرمة مع العدو الصهيوني فيتسببون بحصار لبلدانهم على غرار ما جرى لغزة بعد فوز حماس! وهل سيقيمون الشريعة - الحدود والعقوبات تحديدا - من قطع يد سارق ورجم أو جلد زان.. إلى آخر هذه السلسلة التي تستبطن الإحراج والتوريط وإن بدت أسئلة موضوعية وتحديات جدية.. ثم يفترضون (خصوم الإسلاميين) إجابات سلبية على المقاس الذي يريدون ويبنون على ذلك استخلاصاتهم بأن الإسلاميين انتهازيون ووصوليون وأنهم ما أن يصلوا إلى الحكم حتى يتخلوا عن مواقفهم التاريخية وقناعاتهم التي فازوا على أساسها..
قبل يومين كنت في مداخلة مع بعضهم على إحدى وسائل الإعلام فطرح مسألة اتفاقية كامب ديفد بين مصر والعدو الصهيوني وتساءل عما إذا كان الإخوان المسلمون في مصر – بعد فوزهم – سينقضون الاتفاقية.. وأنهم إما أن يفعلوا فيدخلوا مصر في كذا وكذا، وإما ألا يفعلوا فيكونون قد تخلوا عن مواقفهم.. وطرح أيضا خياران لا ثالث لهما ؛ إما وإما، أو أن عليهم – كمخرج من هذه الثنائية الإلزامية أن يعيدوا النظر في طروحاتهم وأن يصارحوا شعوبهم بأنها غير واقعية ويعترفوا بأنها لمجرد أن تصطدم بالواقع فإنها تتفكك وتنهار ثم رجح في الأخير أن الإسلاميين لا يجرون مراجعات بهذا المعنى وبالتالي فالمتوقع – حسب وجهة نظره - أن يتراجع الإسلاميون عن مواقفهم ولكن من دون مراجعات ولا طنة أو رنة..
وأقول: أولا: هذه القراءة في مواقف ومصداقية وقدرة الإسلاميين على المراجعة غير صحيحة وبالأخص إذا كنا نتكلم عن التيار الأبرز الذي حصد أكبر النجاحات اليوم – الإخوان المسلمون – الذين لم يصرحوا مرة بأنهم سوف ينقضون كل المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات بالتالي فهم ليسو بين ثنائية (إما وإما) هذه.. ولكنهم - فيما أعرف وأتابع - استمروا يقولون إن الاتفاقيات ليست كلها مقبولة ولا كلها مرفوضة، وأنهم لن يبادروا لنقض اتفاقية يؤدي نقضها إلى مغامرات كبيرة تعصف بالاستقرار.. ولكنهم أيضا لم يصرحوا بأن هذه الاتفاقيات مقدسة ولا يجوز أو لا يمكن المساس بها.. أما فيما يتعلق بقدرة الإسلاميين على إجراء المراجعات لمواقفهم وإعادة تصويبها فإن الإسلاميين سبق أن أجروا مراجعات وكتبوا في ذلك كتبا (لمن يقرأ) صارت لكثرتها ورمزية من كتبوها ثقافة إخوانية وإسلامية عامة.. فقد راجعوا موقفهم من التنظيم السري في خمسينيات القرن الماضي، وراجعوا أحداث سوريا والصراع مع نظام حافظ أسد في الثمانينيات، وراجعوا عملية الحسم في غزة 2007.. دون أن يعني ذلك لا في نظرهم ولا في نظر أوليائهم ولا حتى خصومهم أي حرج ولا أي اعتراف بالخطأ الكامل..
بقي أن نقول: إن الإسلاميين وهم يجرون هذه المراجعات لا يصدرون عن فكرة براجماتية ولا عن مجاملة لأحد ولا لتسويق أنفسهم على الرأي العام.. وإنهم منسجمون مع أنفسهم وقناعاتهم ولا يشعرون بالحرج الديني في ذلك ؛ لأن المراجعات لا تطاول العقائد والمنطلقات والثوابت ولكنها تتعلق فقط بالسياسات والتنفيذات والجهود والأفكار البشرية من حول ذلك كله وهم في هذا يلتقون مع كل الناس – أو معظمهم – بالتالي فهم لا يخافون على أكثريتهم إذا ثبتوا عليها.. وهم من ناحية أخرى يرون هذا المنحى الموضوعي تعززه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الموحى إليه من السماء فقد راجعه ربه أكثر من مرة وفي أكثر من مجال.. ففي مجال الدعوة راجعه ربه عز وجل بقوله (عبس وتولى) وقوله (ولا تطرد الذين يدعون ربهم..) ومجال الحرب راجعه في أسرى بدر بقوله (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم) وفي مجال الاستغفار راجعه بقوله تعالى (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) وأمثال هذه المراجعات عشرات في الكتاب العظيم.. بالتالي فإن ثقافة الإسلاميين العقائدية المحضة وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي يتبعونه لا تعارض هذه المنهجية وهذا التصويب..
ثانيا: لماذا يوضع الإسلاميون أمام ثنائية إما نقض الاتفاقيات والدخول في حروب وانحشارات، وإما الإبقاء عليها والبقاء في أتون العمالة والخيانة؟ أليس لدى الإسلاميين اليوم مواقف متعددة وهوامش عمل ومناورات واسعة؟ لكن ومن حيث الأصل أليست السياسة فن استثمار الممكن والقدرة على صناعة الظروف؟ ولماذا نفترض أنهم لا يحسنون ذلك أو أنه محجور عليهم ومحجوز عنهم؟ أليس من حقهم ويصلح منهم أن يراهنوا على الزمن ويناوروا على التكتيك؟ أليسوا يستطيعون البدء بتقليل جدية تنفيذ الاتفاقيات والتخلي عن بعضها؟ أليسوا يستطيعون التحرك في إلغاء بعض الشروط المجحفة المذلة دون كلها ودون أن يقعوا في ثنائية الإمّا وإما في هذه المرحلة على الأقل؟ ألسنا كنا نقبل من نظام الساقط حسني مبارك أن يكون أقل إخلاصا في التعامل مع العدو، ولو فعل ذلك لكنا رأيناه (قد أتى بما لم يخترعه الأوائل) وكنا التمسنا له المعاذير ؛ فلماذا يقبل منه ما لا يقبل من الإسلاميين؟
ثم لماذا يتوهم البعض أن الإسلاميين من السذاجة والسطحية بحيث يقومون بنقض الاتفاقيات قبل تحقيق اختراقات كثيرة في معضلات كثيرة وترتيبات كثيرة ومهمة وضرورية من حقهم أن يشتغلوا عليها ربما لسنوات من أجل رفع قدرة بلادهم إلى موقف خطير وتحد كبير بهذا القدر؟ ولنأخذ تركيا مثالا على ما نقول والحزب الإسلامي الحاكم فيها يعتبر مقبولا لدى كثيرين من خصوم الإسلاميين: هل وقف حزب العدالة والتنمية الإسلامي في وجه أمريكا ومنعها من استخدام الأراضي التركية لغزو العراق ووقف مواقفه المعروفة من العدو الصهيوني ورجع إلى الذهنية والخلفية العربية والإسلامية واعتقل قادة في الجيش وأحبط الانقلابات عليه.. قبل أم بعد أن حقق إنجازات كثيرة على الصعد الاقتصادية والمجتمعية والديمقراطية والثقافية.. ولماذا لا يكون هذا هو ذات السيناريو الممكن تنفيذه في مصر وغير مصر إذا حكمها الإسلاميون..
ثالثا: لا يخلو التفكير في نظرية (إما وإما) من تخوف وسلبية الإحساس بالهزيمة! ولماذا يظن هؤلاء أن تغلب الأعداء سيبقى دائما وسرمديا، وأن علينا أن نخضع دائما لمزاجه وانفعالاته، وأنه ليس لنا أن نأخذ (أو نلغي) إلا ما يوافق عليه؟ ولماذا نحتقر أنفسنا إلى هذا الحد؟ ألسنا كغيرنا من الأمم التي لها مقاومة وفيها مناعة ضد الاستضعاف وعدم الاحترام؟ أليست الثورة الجزائرية التي كنست الاحتلال الفرنسي بمئات آلاف الشهداء هي ثورتنا وثقافتنا؟ ألسنا الذين كانت فينا مقاومة جنوب لبنان التي جعلت العدو يهرب كيفيا تاركا وراءه عملاءه أيتاما ودباباته وأسلحته في عام 2000 ليعتليها الصبيان وتنصب في الميادين العامة رموزا لانتصار المقاومة؟ وهل غزة ومقاومتها التي قدرت على الوقوف في وجه العالم كله بكل فجاره وأرذاله وأنتانه.. هل هي أعظم وأكبر وأقوى من مصر الثمانين مليونا؟ ألم تكنس المقاومة العراقية الاحتلال الأمريكي وتذيقه الذل وانكسار الانسحاب؟ تلك أمريكا التي كان سفيرها " سنيور " يتوعد أن قواته ستبقى في العراق مائة سنة قادمة وأنه سيحكم العالم من هناك؟ والأفغان ألم يصدموا ويهزموا الاستعمار الغربي مرتين ؛ مرة بهزمهم الاتحاد السوفييتي وحلفائه، ومرة بهزمهم أمريكا وحلفائها وها هو الغرب يبحث عمن يفاوضه؟ ولماذا ننسى أن جمال عبدالناصر استطاع أن يلغي اتفاقية ال36 لقناة السويس وأن يواجه العدوان الثلاثي في سبيل ذلك؟
آخر القول: الحقيقة أن التكلم في احتمالات المستقبل في قضية الإسلاميين مخالف تماما لمنطق الثورات التي أبرزتهم وصدرتهم كرد على التهرؤ الذي عانت منه الأمة في ظل الساقطين والآيلين للسقوط وهو ما يجب استحضاره عند الحديث عن المستقبل وعن الإسلاميين.. والحقيقة أيضا أن الغرب واستقواءه علينا ليس قدرا محتوما وعلينا الانطلاق في أي تحرك من التسليم به والخضوع لمفاعيله.. والحقيقة أن مصداقية الإسلاميين ليست رهنا باعتماد خصومهم الذين لا يرضيهم منهم شيء، ولا بنقض الاتفاقات وتوريط أنفسهم وشعوبهم في مبادرات ومغامرات غير محسوبة.. ولكن ميزان الحكم على نجاحهم ومدى وعيهم هو قدرتهم على تثمير مواضع القوة والتوجه إلى الأهداف الكبيرة بخطوات ثابتة..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5748
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2982
| 29 سبتمبر 2026