رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
غالباً ما يشعر الكاتب في مثل هذا الموضوع بنوعٍ من (التردد) النفسي والفكري. فالتسطيحُ البالغ في الخطاب السائد، حتى بين كثيرٍ من المثقفين الذين يعتبرون أنفسهم (تقدميين) بمعنى أو آخر، يضع الكاتب وكلماته في خانة التصنيف منذ اللحظة الأولى لقراءة العنوان.
"آها.." يقول هؤلاء في أنفسهم. "ها قد أمسكناهُ بالجُرم المشهود، وحَكَمنا عليه بأنه مُعادٍ للعلمانية" والأغلب أن يُضيفوا "ومُعادٍ لليبرالية". لا فرق أن يحصل هذا بلسان المقال أو أن يكون بلسان الحال.
والحقيقة أن التردد المذكور أعلاه لا ينبع من رهبةٍ قد تصيب البعض بسبب هذا الموقف على المستوى الشخصي، فالتعامل مع هذه القضايا لا يأتي "رغَباً أو رَهَباً"، والمرءُ لا يبحث في هذا المقام عن رضا أحدٍ أو سخطه فيما يطرح، فهذا أهونُ من أن يكون مقياساً للحسابات في الرأي والعمل.
وإنما ينبثق التردد من خوفٍ يصيب المرء من المساهمة في خلط الأوراق، وزيادة الفوضى الفكرية التي تملأ ساحتنا، العربية عموماً، والسورية تحديداً، خاصةً بسبب التسطيح الذي نتحدث عنه. وأكثر من هذا، بسبب عمليات الفرز والتصنيف الحادة السائدة في ثقافتنا الراهنة، والتي تتمحور بشكلٍ كبير حول الموقف من الإسلام ودوره في الحياة.
فمنذ سنوات طويلة، أشهر عزيز العظمة سيف الترهيب بالوقوع في عقلية النزعات التوفيقية أو التلفيقية على كل من حاول أن يجد لـ (التراث) مكاناً في واقع العرب ومستقبلهم. وحتى ندرك حجم المفارقة، يجب أن نتذكر أن السيف المذكور لم يطل (إسلاميين) بالمعنى المألوف لهذا التوصيف، وإنما مثقفين من أمثال الجابري وزكي نجيب محمود وحسن حنفي وحتى غالي شكري!
لقد كتبنا مقالاً سابقاً بعنوان (الثورة السورية إذ تكشف المستور). والحقيقة أن هذه الثورة تبقى في جوهرها عملية تعريةٍ هائلة لكل عيوب المجتمع السوري وثقافته، ربما قبل أن تكون حركة انعتاقٍ من الطغيان السياسي. والواقع أن في هذا خيراً كبيراً، لأن تحطيم أغلال الطغيان الثقافي بكل ألوانه ومصادره هو في النهاية الطريق الوحيد لامتلاك الحرية والكرامة، وإزالة منظومة الطاغوت السياسية مرةً واحدة وإلى الأبد.
ونحن حين نتحدث عن الطغيان الثقافي هنا فإن معانيه لاتنحصر في الظلم العملي المباشر، وإنما تمتد لتشمل محاولات القفز على كل ما له علاقة بالهوية الحضارية الإسلامية التاريخية للمجتمع السوري، وخاصةً حين يحصل هذا من قبل مثقفين (تنويريين) ليبراليين وعلمانيين يُفترض بهم أن يكونوا طليعة المجتمع ووعيهُ المتقدﱢم.
والواضح أن مآلات الثورة، و(شُبهة أسلَمتها) تحديداً، وضعت الغالبية العظمى من هؤلاء في موقفٍ حرج ثقافياً وسياسياً. ونحن إذ نتأمل حالهم مع نهايات العام الثالث للثورة فإننا نرى كيف يُصبحون بشكلٍ مضطرد جزءاً من المشكلة بدل أن يكونوا جزءاً من الحل.
ما من شكٍ أن الثورة كشفت عوار الفكر الإسلامي التقليدي بأشكاله المتنوعة. لكننا نعترف فوق ذلك، وهذا رأيُنا على الأقل، أن الإسلاميين في سوريا كانوا فقراء قبل الثورة في صنعة الثقافة، وأنهم لم يكونوا قادرين على تقديم رموز ثقافية بالمعنى الأصيل للكلمة. من هنا، بقيت ساحة الثقافة حكراً (حلالاً) على من عمل فيها ممن كانوا يوصفون عادةً علمانيين أو ليبراليين.
لكن هذه الحقيقة بحد ذاتها تضع على هؤلاء مسؤوليةً كبيرة.
فلئن كان الزهدُ في استيعاب الرؤية الإسلامية وتأثيرها في المجتمع السوري ترفاً ممكناً قبل الثورة. إلا أن استمرار تلك الممارسة في واقعها الراهن يعني في أقل الأحوال تجاهلاً مُعيباً للدور الطليعي للمثقف. أسوأ من هذا أن يصبح هاجسُ بعضهم، خاصةً ممن انتقلوا إلى عالم السياسة، معارضةً وموالاة، العملَ بكل طريقةٍ ممكنة لمحاصرة أي صفةٍ إسلامية للثورة.
ليس غريباً إذاً أن نرى كيف يُكرسُ العلمانيون أنفسهم ظاهرة العلمانوفوبيا.
وها نحن اليوم بإزاء ظاهرةٍ فريدة في سوريا، حيث خسرت الثقافة بعضاً من كبار رموزها دون أن تربحهم السياسة.
ثمة مائة مأخذٍ ومأخذ على ممارسات كثيرٍ من الإسلاميين الذين أصبحوا القوة الأكبر في الواقع السوري. وعندنا أن هذه المآخذ تنبثق من رؤيةٍ شموليةٍ للإسلام نفسه قبل أن تكون صادرةً عن أي رؤيةٍ أخرى.
لكن طريقة تعامل الغالبية العظمى من المثقفين العلمانيين والليبراليين مع الموضوع بأسره يبقى غريباً وغير مفهوم، إذا أخذنا بعين الاعتبار مقتضيات دور المثقف الحقيقي في عدم إنكار الواقع أولاً، ثم في فهمه بدقة، والإحاطة بمتغيراته، وصولاً إلى امتلاك اليقين بالقدرة على التأثير فيه إذا توفرت شروط العدل والموضوعية في القراءة والتحليل.
الأرجح أن الأمل بات مفقوداً فيمن اقتحم ساحة السياسة ودهاليزها من أولئك المثقفين، ولئن كان هناك بصيص أملٍ في قلةٍ كان يبدو أنها تحاول إلى أمدٍ قريب، إلا أن بعض الوقائع تجعل المرء يخشى من فقدان الأمل نهائياً بدورهم أيضاً. وهذه أزمةٌ مؤلمة لسوريا، فضلاً عن كونها مؤلمة على غياب الكمون المأمول لهم ولمنظوماتهم الفكرية في تقوية منظومة التعددية الثقافية والاجتماعية والسياسية لسوريا المستقبل.
أخشى ما نخشاه أن يصدُقَ في زملائنا تحليل المثقف السعودي الليبرالي تركي الحمد منذ سنوات حين قال: ".. بوضوحٍ أكبر، يمكن القول أن الليبرالية هي ايديولوجيا واعية بذاتها الأيديولوجية، وهنا تكمن قوتها من حيث وعي القائلين بها أن كل شيء ممكن. وبإيجاز العبارة، فإن الليبرالية في النهاية هي تحرير الأيديولوجيا من الأيديولوجيا، وهذا ليس تلاعباً بالألفاظ بقدر ما هو تقرير حالةٍ تاريخية معينة بأقل قدرٍ من الإسهاب. نقطة الضعف الرئيسية في الأيديولوجيا الليبرالية لا تكمن في نسقها المفتوح، ولا في أفكارها الفلسفية، بقدر ما تكمن في المعبرين عنها، دولاً أو أفراداً أوجماعات، حين يمنحون مفاهيمها معاني مطلقة وفق ظروفهم ومحيطهم هم دون غيرهم، وبذلك يُغلقون ما هو مفتوحٌ أصلاً، ويزعزعون فكرة التعددية والتسامح والتعايش التي لا ليبرالية دونها. بمثل هذا الفعل، تتحول الليبرالية إلى أيديولوجيا بنصٍ مُغلق، مثلها مثل غيرها من أيديولوجيات، ويغيب الوعي عن معتنقيها من أنهم يُمارسون فعلاً أيديولوجيا في النهاية مهما بلغ عمق الإيمان بالمقولات المطروحة، وبذلك تحكم على نفسها بالفناء في النهاية".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في خضمّ التحولات العالمية والصراعات المتشابكة، يبرز تساؤل مهم حول طبيعة المواجهة التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم: هل هي مواجهة مع عروبة العربي، أم مع لغته وحضارته، أم أن جوهرها الحقيقي يتصل بدينه وهويته الإسلامية؟ عند التأمل في الواقع، يبدو أن كثيرًا من المؤشرات تميل إلى أن الاستهداف يتجاوز الجوانب الثقافية واللغوية، ليركّز بصورة أوضح على البعد الديني خصوصًا بعد إعلان الكثير من القادة والمسؤولين الغربيين أن الحرب صليبية. فالعالم، في سياقاته المختلفة، لا يعادي الرموز مهما كانت غريبة أو حتى غير منطقية، بل يمنحها تقديسًا واحترامًا رسميًا. ففي بريطانيا، لا يُنظر إلى «التيس ويليام وندسور» على أنه مجرد حيوان، بل هو جندي رسمي في الجيش البريطاني، له رتبة عسكرية معترف بها، ويُعامل بانضباط عسكري، ويُخصص له مرافق، ويُشارك في العروض الرسمية، بل إن هذا التقليد جزء من الأعراف التي أُقرت في ظل المؤسسة الملكية، ويُحاط به باحترام كأنه فرد من أفراد الجيش. وفي النرويج، يصل الأمر إلى مستوى أكثر غرابة، حيث مُنح البطريق «نيلز أولاف» في الحرس الملكي النرويجي رتبة لواء، وتُقام له مراسم رسمية، ويُحتفل به عند كل ترقية، ويُعامل كرمز عسكري وطني بكل معنى الكلمة. أما في الولايات المتحدة، فإن حيوان «البايسون» (الجاموس الأمريكي) لا يُعتبر مجرد كائن طبيعي، بل هو رمز وطني رسمي، تُطبع صورته على العملات، وتُنشأ له هيئات ومنظمات للحفاظ عليه، ويُقدَّم بوصفه جزءًا من التراث الأمريكي الذي يجب صونه. وفي أستراليا، يُعدّ الكنغر رمزًا وطنيًا بارزًا، بل إن البعض يذهب إلى اعتباره أقدم من الوجود البشري في القارة، وتُبذل جهود كبيرة لحمايته، حتى أصبح حضوره أقوى في الرمز الوطني من حضور السكان الأصليين أنفسهم في بعض الخطابات. وفي إثيوبيا، تُمنح بعض الطيور مثل «الكرك الإثيوبي» مكانة خاصة، ويُنظر إليها كرمز مرتبط بالهوية الطبيعية والثقافية، وتُحاط بنوع من التقدير الذي يقترب من القداسة في الوعي الشعبي. بل إن الأمر لا يتوقف عند الكائنات الحية، بل يمتد إلى الأساطير؛ ففي الصين، يُقدَّس “التنين”، وهو كائن خيالي لا وجود له، ومع ذلك يُرفع في المهرجانات، ويُجسّد القوة والهيبة، ويُعامل كرمز وطني عريق دون أي اعتراض عالمي. كل هذه الأمثلة تؤكد حقيقة واحدة واضحة: العالم لا يرفض أن يكون للشعوب رموز، بل على العكس، يدعمها ويُعظّمها، مهما كانت طبيعتها، حيوانًا أو طائرًا أو حتى كائنًا أسطوريًا. لكن عند الحديث عن العرب والمسلمين، تتغير المعايير بشكل لافت. فلا يُنظر إلى ارتباطهم بدينهم كرمز وهوية يجب احترامها، بل يُقدَّم في كثير من الأحيان كقضية يجب أن تخضع للنقاش والتعديل والتدخل. فتُراجع مناهجهم، وتُنتقد شعائرهم، وتُعاد صياغة مفاهيمهم الاجتماعية والسياسية، وتُطمس سير قدواتهم وقادتهم، وكأن المطلوب ليس مجرد التعايش، بل إعادة تشكيل الهوية نفسها. وهنا تظهر المفارقة بوضوح: العالم يقبل أن يكون للتنين مكانة، وللبطريق رتبة عسكرية، وللتيس احترام رسمي، وللبايسون حضور على العملة… لكن حين يكون للعربي والمسلم دينٌ يشكّل هويته، ويرتب أولوياته، ويُبرز أعلامه، ويُذكر بملهميه، يصبح ذلك محل جدل واعتراض وسخط وغضب!!. وهذا ما يدفع إلى التساؤل الحقيقي: هل المشكلة في العرب، أم في الإسلام ؟ إن قراءة هذا الواقع تكشف أن التحدي لم يكن يومًا موجّهًا إلى اللغة أو العِرق، بل إلى العقيدة، وأن الصراع الحقيقي يدور حول هويةٍ تريد أن تبقى كما هي، في عالمٍ يقبل كل الرموز… إلا رمزًا واحدًا إذا كان مرتبطًا بالإسلام.
1341
| 15 أبريل 2026
لم يعد الزواج، عند شريحة من الشباب، مجرد خطوة نحو الاستقرار وبناء أسرة، بل تحوّل في بعض الحالات إلى ساحة تنافس مفتوحة، تُقاس فيها القيمة بمدى الفخامة، وعدد الحضور، وحجم التفاعل الاجتماعي. مشهد يتكرر: سباق نحو «أفضل عرس»، و»أفخم قاعة»، و»أكبر عدد من المعازيم»، و»أقوى تغطية إعلامية»، وكأن الحدث لم يعد بداية وبناء حياة جديدة، بل عرضًا قصيرًا يخضع لمقاييس الإبهار، وهي في الأساس أتت من مفهوم دنيوي خاطئ وهو البحث عن الوجاهة! ومن اللافت ظهور ممارسات دخيلة على ثقافة المجتمع، مثل تعدد الأزياء الرسمية خلال ساعات الحفل، أو الالتزام ببروتوكولات أقرب للمناسبات الرسمية منها للاحتفالات الاجتماعية، هذه التفاصيل؛ رغم بساطتها الظاهرية، تعكس تحوّلًا أعمق في مفهوم الزواج نفسه، حيث تتقدّم الشكليات على الجوهر. وخلف هذا المشهد للأسف يقف عامل مؤثر وهو «ضغط المجتمع»؛ فالكثير من الشباب باتوا يخشون «كلام الناس» أكثر من خشيتهم من التبعات المالية أو النفسية، مما تؤدي هذه الخشية إلى إنفاق مبالغ كبيرة، قد تصل إلى حد الاستدانة، فقط لضمان صورة مثالية في نظر الآخرين! لكن ما يغيب عن كثيرين، أن هذا «الاستثمار في المظهر» غالبًا ما يكون قصير الأمد، إذ ينتهي تأثيره بانتهاء حفل الزواج، بينما تبقى التبعات المالية والنفسية لفترة أطول، قد تمتد إلى بداية الحياة الزوجية نفسها. ولعل علم النفس يُفسّر هذا السلوك ضمن ما يُعرف بـ Status Anxiety، وهو القلق المرتبط بالمكانة الاجتماعية ونظرة الآخرين. في هذه الحالة، لا يُبنى القرار على القناعة الشخصية، بل على المقارنة المستمرة مع الآخرين، والسعي لتجنب الانتقاد أو التقليل. هذا النوع من التفكير قد يدفع الأفراد إلى تضخيم التفاصيل الشكلية على حساب الأساسيات، ويجعل من لحظة الفرح مصدر توتر بدل أن تكون مناسبة للراحة والاطمئنان. في مقابل هذا الاتجاه، يبرز مفهوم بسيط لكنه عميق الدلالة مفاده أن البركة تكمن في التيسير، وأن البدايات الهادئة قد تكون أكثر استقرارًا، فالزواج؛ في جوهره ليس مناسبة عابرة، بل مشروع طويل الأمد يقوم على التفاهم والمسؤولية والمودة. ولعل إعادة ترتيب الأولويات باتت ضرورة ملحة في مثل هذه الظروف، بحيث يعود التركيز إلى جودة العلاقة لا شكل الحفل، والاستقرار النفسي لا الانطباع الاجتماعي، والقدرة على الاستمرار لا لحظة الظهور. فاصلة أخيرة حين تتحول بداية الزواج إلى استعراض، يفقد الحدث معناه الحقيقي. أما حين يُبنى على القناعة والبساطة، فإنه يفتح الباب لحياة أكثر توازنًا وهدوءًا. فالزواج لا يُقاس بما يُقال عنه في ليلة واحدة، بل بما يُبنى على أسس نفسية وقناعة شخصية دون التأثر من ردود وآراء آنية.
873
| 16 أبريل 2026
تخيل هذا المشهد: شخص يتعثر ويسقط في مجمع تجاري، أو مشاجرة لفظية بين مراهقين في الشارع، أو حتى زلة لسان من شخص في لحظة غضب. في الزمن القديم، زمن "المروءة"، كانت ردة الفعل الغريزية لمن يشاهد هذا الموقف هي: غض البصر، أو المسارعة للمساعدة، ثم "دفن" القصة وكأنها لم تحدث. كان الشعار: "يا فلان.. ما شفت شي، والله يستر عليه وعلينا". أما اليوم، فما هي ردة الفعل الغريزية الأولى؟ إنها اليد التي تمتد تلقائياً للجيب لتخرج الهاتف، وتفتح الكاميرا، وتبدأ في التوثيق. لم نعد نرى في الشخص المخطئ أو المتعثر "إنساناً" يستحق الستر والرحمة، بل أصبحنا نرى فيه "محتوى" دسمًا، و"ترند" محتملاً، وفرصة لزيادة المشاهدات واللايكات. لقد انتقلنا من ثقافة "الستر" إلى ثقافة "الفضيحة". في تراثنا وقيمنا، كان "الستر" رجولة. كان الرجل يُعرف بـ "كتوم السر"، الذي يبتلع الزلات كما تبتلع الأرض المطر، فلا يظهر منها شيء. كانت البيوت "أسراراً"، وكانت المجالس "أمانات". اليوم، تحولت حياتنا إلى "بيت من زجاج". أصبحنا نعيش تحت تهديد دائم بأن أي خطأ صغير قد يتحول في لحظات إلى "هاشتاق" عالمي يدمر سمعة عائلة، ويقطع أرزاقاً، ويهدم بيوتاً. المخيف في الأمر ليس التكنولوجيا بحد ذاتها، بل "القسوة" التي زرعتها في قلوبنا. أصبحنا نتداول مقاطع الفضائح في "قروبات الواتساب" ونحن نضحك، أو نعلق بتنمر، دون أن نفكر للحظة واحدة في الألم النفسي للشخص الذي في الفيديو، أو في حرق قلب أمه وأهله وهم يرون ابنهم أو ابنتهم "فرجة" للناس. نسينا أن "كما تدين تدان"، وأن الكاميرا التي صورت غيرك اليوم، قد تدور لتصورك أنت أو أحد أحبابك غداً. إن "الستر" ليس تواطؤاً مع الخطأ، وليس تشجيعاً عليه. الستر هو إعطاء فرصة للإصلاح، وحفظ للكرامة الإنسانية، ومنع لانتشار الفاحشة والسوء في المجتمع. المجتمع القوي ليس هو الذي "يفضح" و"يشرشح" المخطئ علناً، بل هو الذي يحتويه ويصلحه سراً. نحن بحاجة اليوم لـ "ثورة أخلاقية" ضد هذا السعار الرقمي. نحن بحاجة لأن نعلم أبناءنا أن "زر المشاركة" (Share) قد يكون أحياناً أخطر من الضغط على الزناد. أن نعلمهم أن الرجولة ليست في أن تكون "السبّاق" في نشر الفضيحة، بل في أن تكون "السد المنيع" الذي تتوقف عنده القصة وتموت. في المرة القادمة التي يصلك فيها مقطع فيه "فضيحة" أو زلة لأحد، جرب أن تكون أنت "نقطة النهاية". لا ترسل، لا تعلق، لا تضحك. اضغط "حذف"، واستشعر عظمة الحديث: "من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة". ففي زمن أصبح فيه الجميع "مراسلين حربيين" يبحثون عن السبق، كن أنت "الرجل الستّار" الذي يبحث عن الأجر وحفظ الأعراض. فالترند سيختفي غداً، لكن "موقفك النبيل" سيبقى في صحيفتك للأبد.
795
| 15 أبريل 2026