رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تشير الإحصائيات الصادرة من الجهات الرسمية إلى أن معدلات تسجيل المركبات الخاصة (خصوصي) تزيد شهراً بعد آخر، وأن تراخيص السائقين في ازدياد بنسب تفوق 16% عن الشهر الذي يسبقه، وتسجيل المركبات للاستعمالات الأخرى في ازدياد أيضاً، ويقال إن أكثر من خمسمائة مركبة جديدة من جميع الأنواع تنزل إلى شوارع الدولة يومياً، أي بمعدل يزيد عن خمس عشرة ألف مركبة شهرياً، ليكون العدد السنوي بما يفوق مائة وثمانين ألف مركبة سنوياً على أقل تقدير، في الوقت الذي أصيبت فيه شرايين (شوارع) قلب مدينة الدوحة بالإنسداد والتجلط في بعض الأماكن، ولم يعد علاجها بالقسطرة ناجعاً، إذ الأمر يحتاج إلى تغيير كامل لشرايين قلب المدينة وعمل صمامات ودعائم وجسور وأنفاق ومواقف وأجهزة حديثة لتسهيل تدفق مئات الآلاف من المركبات الخفيفة والثقيلة والآليات والحافلات والشاحنات عبر شوارع مدينة الدوحة المتعبة، والتي أثقلنا عليها وحملناها بما يفوق طاقتها الاستيعابية التي صممت من أجلها في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.
وبلغ عدد السيارات في قطر عام 2013 أكثر من مليون سيارة، في حين أن عدد السيارات عام 2005 لم يكن يتجاوز الـ 250 ألف سيارة، ما يعني تضاعف عدد السيارات 3 مرات خلال ثماني سنوات.
أصبح الجميع في الدولة يملكون سيارات، من المواطنين والمقيمين، ولدى معظم البالغين ذكوراً وإناثاً رخص قيادة، والشوارع غير مؤهلة لاستيعاب هذا العدد من السيارات. هذه هي المعضلة التي يجب أن توجه الجهود إلى معالجتها. نزول آلاف المركبات الجديدة إلى الشوارع شهرياً وهي غير قادرة على استيعاب هذا العدد الهائل من السيارات والمركبات التي يرخص لها، ومن البديهي أن الحل يجب أن ينصب على إما التقليل من الترخيص للسيارات الجديدة أو العمل على توسعة الطرقات، والأمر الأخير يكاد يكون شبه مستحيل بالنسبة للشوارع، إذ إنه بالرغم من مرور أكثر من عشر سنوات على تملك الكثير من العقارات للمنفعة العامة داخل المدينة، إلا أن الطرق لم تحظَ بالاهتمام لتوسعتها، إذ بقيت على سعتها وحالتها، ومن العسير الآن توسعتها. وطريق الكورنيش استنفد كافة أعمال التطوير والتوسعة، ووصلت قدرته الاستيعابية إلى أقصى الحدود، دون أن ينعكس ذلك على انسياب ومرونة حركة السير بوجه عام.
صفوة القول أن لب المشكلة التي تعاني منها الشوارع ناتجة عن عدم قدرتها على استيعاب هذا العدد الهائل من السيارات والمركبات التي يرخص لها يومياً بالنزول إلى حلبة مزدحمة بمستعملي الطرق، دون أن يقابل هذا العدد أي تغيير جذري على الطرقات والميادين في قلب مدينة الدوحة.
إن الترخيص لآلاف المركبات الجديدة أسبوعياً ونزولها إلى الشوارع دون ضوابط ودون الالتفات إلى القدرة الاستيعابية للطرق مؤداه ونتيجته المنطقية بلا جدال مزيداً من الازدحام والتكدس والفوضى والاختناقات المرورية في جميع الطرقات. والمعلوم أن جميع شوارع وسط المدينة صممت وخططت منذ ما يزيد على الخمسين عاماً ولازالت هذه الطرقات هي التي تتحمل ما نسبته أكثر من 80% من حركة السير في العاصمة؛ لأنها هي التي تصل مناطق شمال العاصمة بجنوبها وشمالها وشرقها بغربها والعكس.
والحقيقة التي يجب بيانها أنه بالرغم مما أنفق من مئات الملايين من الريالات على الطرق طيلة السنوات الماضية، إلا أن الطرق العامة والميادين الرئيسية في العاصمة بقيت على حالها مع إجراء بعض التغييرات مثل ضم بعض الأرصفة إلى نهر الطريق أو تحويل واستبدال الدوارات بإشارات مرور أو تركيب إشارات ضوئية على بعض الدوارات، وهي حلول وقتية ومسكنات مهدئة دون وضع خطة متكاملة لاعادة تخطيط هذه الطرق واخضاعها لعمليات تغيير جذرية بحيث يؤدي كل طريق دوره في استيعاب الحركة المرورية بشكل انسيابي ومتكامل لتحقيق دورة مرورية كاملة دون عوائق.
كل ذلك أدى إلى أن أصبح مركز المدينة يفتقد إلى وجود شوارع وطرق حديثة ذات تصاميم هندسية عالمية يراعى فيها الاتساع وعوامل السلامة والتقاطعات الانسيابية من جسور وأنفاق وأجهزة حديثة للمراقبة والإرشاد، ومواقف للسيارات متعددة الطوابق في الأسواق العامة وغيرها.
إن عمليات الترقيع الوقتية للشوارع طيلة السنوات الماضية والغير مخطط لها أفرزت شوارع وطرقات مشوهة من ناحية استخداماتها واستيعابها لحركة المرور وكذلك من النواحي الجمالية، ونضرب مثالاً لذلك ما يحصل الآن في تقاطع رمادا من تعديلات وضم أرصفة من جميع نواحي التقاطع إلى نهر الشارع، وأجزم أن هذه التعديلات ليس لها أي ارتباط بخطة مرورية مدروسة، ومن اقترح هذه التعديلات كانت نظرته سطحية لا تعالج الأزمة الحقيقية التي يعاني منها هذا التقاطع وأهميته في حركة المرور بشكل عام.
هذا التقاطع – أقصد تقاطع رمادا – منذ أن كان تصميمه دواراً تزداد أهميته يوماً بعد يوم وتزيد عليه الكثافة المرورية وتتكدس على مداخله آلاف السيارات طيلة اليوم؛ لأنه يقع وسط أكثر الشوارع أهمية، طريق الدائري الثالث جنوباً وشارع الشيخ سحيم بن حمد شمالاً وشارع سلوى غرباً وشارع مشيرب جنوباً، ووقوع هذا التقاطع بين هذه الاتجاهات الأربع يفرض بكل بساطة أن يكون تصميمه الهندسي من الجسور والأنفاق وليس الإشارات الضوئية التي لن تقدر ولن تقوى على تحمل الكثافة المرورية وتوزيعها إلى الاتجاهات الخارجة منه والقادمة إليه.
الجميع يعاني الكثير من إغلاقات الشوارع والتحويلات والحفر، على أمل أن يروا طرقاً وشوارع ومواقف وجسورا وأنفاقا تسهل لهم التنقل والانتقال عبر طرق وشوارع آمنة وسهلة دون أزمات أو اختناقات، إلا أنه يبدو أن هذه المعاناة لن تنتهي سريعاً، إذ زادت معاناتهم وأصبح التنقل من المنزل إلى العمل أو العكس كابوساً ويتحتم على كل سائق قبل أن يشرع في قيادة سيارته أن يضع مخططاً لطريق سيره للوصول إلى مقصده، ومع ذلك يفاجأ بأن خطته أجهضت بسبب غلق مفاجئ للطريق أو حادث مروري أو تحويل السير من طريق إلى آخر من قِبل أحد رجال المرور، عندها يتحدث مع نفسه ليتني سلكت الطريق الآخر، وتستمر المعاناة.
وتكمن خطورة الاختناقات المرورية فيما حذرت منه مصادر طبية من ارتفاع نسبة الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والربو والحساسية والتلوث الناتج عن عوادم السيارات، والأمراض العصبية والنفسية، إضافةً إلى الخسائر الاقتصادية التي تصيب الدولة والأفراد من ضياع الوقت وساعات العمل وزيادة استهلاك الوقود، وارتفاع حرارة الجو.
وضريبة الازدحام المروري في الشوارع باهظة، وليس أدل على ذلك من تأثيره على العلاقات الاجتماعية بين الأفراد لقلة الزيارات بين الأقارب وحضور حفلات الزفاف وتقديم العزاء.
خلاصة القول أن هذا الاختناق المروري له آثار سلبية على البيئة والمجتمع وصحة الناس، إذ يسلب الاختناق المروري وقتهم وأموالهم وصحتهم وأعمارهم.
ولكن ما هي الحلول لمشكلة المرور التي نعايشها؟
بدايةً لا أتفق مع القائلين أن مشكلة الازدحام المروري مشكلة عامة تعاني منها معظم الدول، وببساطة أقول إن هناك دولا ومدنا يعيش فيها الملايين من البشر، وترى الحركة المرورية في شوارعها انسيابية ومنظمة ويصل الناس إلى أعمالهم ومنازلهم بهدوء.
ويفترض في مدينة أو عاصمة بحجم مدينة الدوحة أن لا تكون لدينا أزمات مرورية خانقة طبقاً لما نعايشه يومياً، وأن لا يكون في الشوارع هذا العدد الكبير من السيارات، وألا تكون لدينا هذه الطوابير من اصطفاف السيارات الممتدة لمسافة قد تصل إلى كيلومتر واحد أو أكثر خلف إشارة ضوئية أو تقاطع، وألا تستطيع سيارة مطافئ أو إسعاف الوصول إلى مكان الحريق لإطفائه أو إسعاف مريض إلا بصعوبة.
لقد تضافرت عدة عوامل وأسباب فأوجدت ما نعانيه من مشكلة الاختناقات المرورية، أهمها انعدام التخطيط العام للطرق في الدولة، وغياب علم هندسة المرور الذي يختص بإجراء دراسات المرور والسلامة المرورية والنقل العام ودراسة الجدوى من إنشاء الطرق والدراسات المرورية التشغيلية للحفاظ على مستوى الخدمة المقبول، وهناك الكثير من الواقع الذي يدلل على غياب التخطيط العام للطرق، ومنه ما ألمحنا إليه عن تقاطع رمادا.
أما السبب الثاني والمهم أيضاً فهو زيادة عدد السيارات والمركبات التي تسير في الطرقات، مقارنةً بمساحات الشوارع وحجم استيعابها، لاسيما في قلب مدينة الدوحة، والطرق الحيوية والتجارية التي لا تقوى على استيعاب هذا الكم الهائل من الشاحنات ومركبات النقل الثقيلة والسيارات الخاصة وغيرها.
من هنا بات من الضروري وضع ضوابط وأحكام بالنسبة لاقتناء المركبات الخاصة، والسبب الثالث هو حداثة النقل العام ومحدودية خطوطه وقلة الحافلات العاملة على خطوط رئيسية وطول انتظار الحافلات الذي يفصل بين وصول الحافلة إلى المحطة والحافلة الأخرى، والذي قد يطول لأكثر من نصف ساعة وأكثر، مما دفع بالكثير من الوافدين ذوي الدخول المحدودة إلى تفضيل اقتناء السيارات الخاصة المستعملة ذات الأسعار الرخيصة، مما يزيد مشكلات المرور والضغط على الطرق والشوارع، والمعلوم أن من أخص إيجابيات توفير النقل العام في جميع الدول – ومنها الدول المتقدمة – استغناء الأفراد عن استعمال السيارات الخاصة والاعتماد على الحافلات العامة التي تحمل الواحدة منها عشرات الركاب الذين سوف يستغنون عن استعمال عشرات السيارات الخاصة، بما يخفف الضغط على الشوارع.
من هنا، كانت الجهود المتواصلة التي تقوم بها العواصم الكبيرة الغنية والفقيرة فيها بتوفير أحدث وسائل النقل المختلفة للأفراد ولكافة طبقاتهم وعلى مدار الساعة، وحثهم على استعمال المواصلات العام بدلاً من السيارات الخاصة.
صفوة القول، أن عوامل الاختناقات المرورية في الشوارع باتت معروفة ومعلومة وهي ليست بالمعضلة التي لا يمكن حلها، بل إن حلها ممكن، إذ لا توجد مشكلة دون حل، والأمر يحتاج إلى تضافر جهود الجميع من أفراد وهيئات ومؤسسات وجهات أخرى، وإصدار قرارات ولوائح تضع في اعتبارها التقليل من حركة السيارات في الشوارع ما أمكن. ذلك أن المراقب لحركة السير يرى أن معظم الشوارع الحيوية مكتظة طيلة اليوم، ولم يعد الزحام المروري مقصوراً على وقت معين محدد، بل إنه يمتد إلى أوقات طويلة من اليوم، ولم يعد الزحام مرتبطاً بأوقات وساعات ذروة محددة كما كان عليه الأمر في السنوات السابقة.
وفي اعتقادي أن سبب ذلك يعود إلى عدم وجود تنسيق بين الجهات المختلفة في الدولة وترك أمور وحاجات ومتطلبات المواطنين وتقديم الخدمات لهم دون تنظيم، وتأييداً لذلك أتساءل لماذا يطلب من معلمة قطرية تسكن في منطقة الدفنة أن تعمل في مدرسة في أم صلال؟ ومن تسكن في أم صلال تعطى عملاً في منطقة مسيمير، وهكذا تمتلئ الشوارع بالسيارات، فمن يسكن بالجنوب يعطى عملاً في الشمال، ومن يقطن في الشرق يعمل في الغرب، والعكس. وحال الطلاب كذلك والعاملين في الوزارات الذين يقطعون عشرات الكيلومترات ذهاباً واياباً من مساكنهم إلى مقار أعمالهم بما يحدث فوضى مرورية وزحاما يمكن معالجته لو أن الإدارات المعنية أصدرت قرارات ووضعت ضوابط لقبول الطلاب في مدارس بالقرب من مساكنهم، والمدرسين والمدرسات يعملون في الأحياء التي يسكنون فيها، وهذا الأمر كان معمولاً به في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، إلا أنه للأسف الشديد تم إهماله في السنوات الأخيرة، ومن نتائجه الوخيمة أن أصبح المواطن يقضي معظم ساعات يومه في الشوارع.
وأخيراً، إن مشكلة الاختناقات المرورية لن تحل بالوعود والأماني والصبر، بل تحتاج إلى عمل دؤوب وتنسيق، من وبين جميع الجهات المختصة، وإلا فإن الأمر سوف يزداد سوءاً.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1437
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1269
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1035
| 21 مايو 2026