رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المحامي يوسف أحمد الزمان

مساحة إعلانية

مقالات

282

المحامي يوسف أحمد الزمان

نحو قانون عربي نموذجي للمرافعات المدنية والتجارية الإلكترونية

01 مارس 2026 , 05:33ص

لم يعد التقاضي في العصر الحديث نشاطاً ورقياً تقليدياً كما كان لعقود طويلة، بل أصبح — في واقعه العملي — منظومة رقمية متكاملة تبدأ من إيداع صحيفة الدعوى عبر المنصات الإلكترونية الرسمية للمحاكم، وتمتد إلى تبادل المذكرات والمستندات رقمياً، وانعقاد الجلسات عن بُعد، وإصدار الأحكام إلكترونياً، وانتهاءً بتنفيذها عبر أنظمة رقمية متقدمة.

هذا التحول لم يعد خياراً تنظيمياً، بل أصبح واقعاً قائماً فرضته التطورات التقنية ومتطلبات السرعة والكفاءة في إدارة العدالة.

غير أن هذا التحول العملي الواسع لم يقابله في كثير من الأنظمة القضائية للدول العربية تطور تشريعي إجرائي شامل للمرافعات المدنية والتجارية أمام المحاكم المدنية في مختلف درجاتها يواكب ويؤسس له بنصوص واضحة وحديثة، الأمر الذي أوجد فجوة مقلقة بين الواقع القضائي الرقمي والنصوص الإجرائية التقليدية التي ما زالت تستند إلى مفهوم التقاضي الورقي والحضور المادي كأصل لانعقاد الخصومة وترتيب آثارها.

وقد ترتب على التحول نحو الإجراءات الرقمية الآتي: 

أولاً: تحوّل جوهري في مفهوم انعقاد الخصومة القضائية:

في التطبيق القضائي المعاصر، لم يعد إيداع صحيفة الدعوى بقلم كتاب المحكمة هو الأساس الوحيد لانعقاد الخصومة، بل أصبح مجرد إيداعها في النظام الإلكتروني الرسمي للمحكمة كافياً لترتيب آثارها القانونية، من قيد الدعوى وتحديد الدائرة المختصة وإخطار الأطراف ومباشرة الإجراءات.

وقد نجحت الأنظمة القضائية العربية في إدخال التقاضي الإلكتروني بدرجات متفاوتة، فأصبح المتقاضي أو محاميه قادراً على رفع الدعوى إلكترونياً، سداد الرسوم عبر المنصات الرقمية، تبادل المذكرات والمستندات إلكترونياً، حضور الجلسات عن بُعد، واستلام الأحكام والإخطارات عبر الوسائل الإلكترونية المعتمدة.

ومع ذلك، فإن هذا الواقع العملي المتقدم يظل في كثير من الأحيان دون سند بتقنين إجرائي حديث ومتكامل ينظم تفاصيله ويحدد آثاره القانونية بدقة.

ثانياً: فجوة تشريعية بين النص التقليدي والواقع الرقمي:

رغم التقدم التقني الواضح في الأنظمة القضائية العربية، فإن الحقيقة التشريعية التي لا يمكن تجاهلها هي: لا يوجد حتى اليوم في أي دولة عربية قانون مستقل ومتكامل للمرافعات المدنية والتجارية الإلكترونية ينظم التقاضي الرقمي تنظيماً شاملاً من بدايته حتى التنفيذ.

فما هو قائم حالياً في معظم الدول العربية لا يتجاوز تعديلات جزئية في قوانين المرافعات التقليدية، لوائح تنظيمية أو تعليمات قضائية، وقرارات إدارية تنظم استخدام المنصات الإلكترونية.

بينما ظل البناء التشريعي العام لقوانين المرافعات قائماً على فرضية التقاضي الورقي التقليدي، بما يخلق فراغاً تشريعياً حقيقياً بين التطبيق العملي والنصوص القانونية.

ثالثاً: مخاطر استمرار التقاضي الإلكتروني دون تقنين متكامل:

إن استمرار العمل بمنظومات التقاضي الإلكتروني دون إطار تشريعي حديث ومتكامل ينظمها ينطوي على مخاطر قانونية جدية، من أبرزها:

 1. عدم وضوح لحظة انعقاد الخصومة إلكترونياً وآثارها.

 2. احتمال فوات مواعيد إجرائية بسبب خلل تقني أو عطل في النظام الإلكتروني.

 3. تضارب الاجتهادات القضائية بشأن حجية الإخطارات والإيداع الإلكتروني.

 4. احتمال بطلان بعض الإجراءات لغياب النصوص المنظمة.

 5. تحميل المتقاضي تبعة أخطاء تقنية لا يد له فيها.

وهذه المخاطر تمس جوهر الحق في التقاضي، لأن الإجراء في ذاته قد يصبح سبباً في ضياع الحق إذا لم يكن محكوماً بنصوص واضحة تضمن اليقين والاستقرار.

رابعاً: الحاجة إلى قانون عربي نموذجي للمرافعات المدنية والتجارية الإلكترونية أو أصول المحاكمات المدنية والتجارية الإلكترونية:

أمام هذا الواقع، لم يعد تحديث قوانين المرافعات عبر تعديلات جزئية كافياً، بل بات من الضروري الانتقال إلى مشروع تشريعي متكامل يضع إطاراً حديثاً للتقاضي الإلكتروني في العالم العربي، على غرار التجارب الدولية الناجحة في القوانين النموذجية.

ومن أبرز الأمثلة الدولية الملهمة في هذا السياق:

قانون التحكيم النموذجي الذي اعتمدته لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (الأونسيترال)، والذي حظي بقبول واسع من معظم دول العالم، وأصبح مرجعاً تشريعياً استرشدت به الدول عند صياغة أو تحديث قوانين التحكيم الوطنية لديها.

فقد أسهم هذا القانون النموذجي في توحيد المفاهيم الأساسية للتحكيم، كتعزيز الثقة الدولية في الأنظمة القانونية وتحقيق قدر كبير من الانسجام التشريعي بين الدول. ويمكن للعالم العربي أن يستلهم هذه التجربة الناجحة عبر إعداد قانون عربي نموذجي للمرافعات المدنية والتجارية الإلكترونية.

خامساً: دور جامعة الدول العربية في قيادة المشروع:

تملك جامعة الدول العربية، عبر مجالس وزراء العدل العرب وأجهزتها القانونية، القدرة المؤسسية والخبرة اللازمة لوضع مشروع قانون عربي نموذجي للتقاضي الإلكتروني، يكون بمثابة مرجع استرشادي للدول العربية عند تحديث تشريعاتها الإجرائية.

ويمكن أن يتضمن هذا المشروع تعريفات قانونية واضحة للتقاضي الإلكتروني، تحديد لحظة انعقاد الخصومة عبر المنصات الرقمية، تنظيم الإعلان القضائي الإلكتروني وضماناته، بيان حجية المستندات الرقمية والتوقيع الإلكتروني، معالجة آثار الأعطال التقنية على المواعيد والإجراءات، تنظيم الجلسات الافتراضية والمحاكمة عن بُعد، ووضع قواعد التنفيذ الإلكتروني للأحكام.

وسيتيح هذا القانون النموذجي تحقيق قدر من التوافق التشريعي العربي، وتعزيز الثقة في العدالة الرقمية، وتوفير ضمانات قانونية واضحة للمتقاضين.

وكان الثابت أنه خلال السنوات الخمس الماضية ومنذ أن فرضت التقنية الإلكترونية نفسها على إجراءات التقاضي بما أصبحت معه هذه التقنية فرضا لا خيارا للأنظمة القضائية العربية بما مكن المحاكم العربية خاصة العليا منها من وضع اجتهادات قضائية إجرائية إلكترونية تتسق مع نصوص المرافعات التقليدية بما يمكن ذلك المشرعين العرب من تقنين هذه الاجتهادات وصياغتها كنصوص قانونية إجرائية مقننة وملزمة.

وهنا نذكر للمشرع الفرنسي انه في التعديلات التي ادخلها على مدونة التقنين المدني الفرنسي أخذ بالكثير من اجتهادات محكمة النقض الفرنسية وقننها ضمن التعديل الجديد بما أصبحت معه ملزمة لجميع المحاكم واكتسبت الحجية القانونية.

سادساً: العدالة الرقمية بين سرعة التقنية وضمانات القانون:

إن التحول الرقمي في العدالة ليس مجرد تحديث تقني، بل تحول قانوني عميق يتطلب إعادة صياغة القواعد الإجرائية بما يتفق مع طبيعته.

فالعدالة الرقمية يجب أن تجمع بين عنصرين متلازمين هما سرعة التقنية وكفاءتها وضمانات القانون واستقراره.

ولا يتحقق هذا التوازن إلا من خلال تقنين حديث شامل يضبط الإجراءات الإلكترونية ويحدد آثارها بدقة.

خاتمة:

لقد نجحت الأنظمة القضائية العربية في إدخال التقنيات الحديثة إلى منظومة التقاضي، وحققت في ذلك إنجازات ملموسة أسهمت في تسريع الفصل في المنازعات وتسهيل الوصول إلى العدالة.

غير أن المرحلة التالية — والأكثر أهمية — هي تقنين هذا الواقع الرقمي بنصوص قانونية حديثة متكاملة تضمن استقرار الإجراءات وصون حقوق المتقاضين.

وكما نجح قانون التحكيم النموذجي في توحيد الإطار القانوني للتحكيم على المستوى الدولي، فإن العالم العربي مدعو اليوم إلى إطلاق مشروع مماثل يتمثل في إعداد قانون عربي نموذجي للمرافعات الإلكترونية، يواكب التحول الرقمي في العدالة ويؤسس له تشريعياً، ويمنح المتقاضين الثقة واليقين في عصر أصبحت فيه العدالة رقمية في أدواتها، وعالمية في تحدياتها، ومتشابكة مع مستقبل القانون ذاته.

مساحة إعلانية