رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يعد التقاضي في العصر الحديث نشاطاً ورقياً تقليدياً كما كان لعقود طويلة، بل أصبح — في واقعه العملي — منظومة رقمية متكاملة تبدأ من إيداع صحيفة الدعوى عبر المنصات الإلكترونية الرسمية للمحاكم، وتمتد إلى تبادل المذكرات والمستندات رقمياً، وانعقاد الجلسات عن بُعد، وإصدار الأحكام إلكترونياً، وانتهاءً بتنفيذها عبر أنظمة رقمية متقدمة.
هذا التحول لم يعد خياراً تنظيمياً، بل أصبح واقعاً قائماً فرضته التطورات التقنية ومتطلبات السرعة والكفاءة في إدارة العدالة.
غير أن هذا التحول العملي الواسع لم يقابله في كثير من الأنظمة القضائية للدول العربية تطور تشريعي إجرائي شامل للمرافعات المدنية والتجارية أمام المحاكم المدنية في مختلف درجاتها يواكب ويؤسس له بنصوص واضحة وحديثة، الأمر الذي أوجد فجوة مقلقة بين الواقع القضائي الرقمي والنصوص الإجرائية التقليدية التي ما زالت تستند إلى مفهوم التقاضي الورقي والحضور المادي كأصل لانعقاد الخصومة وترتيب آثارها.
وقد ترتب على التحول نحو الإجراءات الرقمية الآتي:
أولاً: تحوّل جوهري في مفهوم انعقاد الخصومة القضائية:
في التطبيق القضائي المعاصر، لم يعد إيداع صحيفة الدعوى بقلم كتاب المحكمة هو الأساس الوحيد لانعقاد الخصومة، بل أصبح مجرد إيداعها في النظام الإلكتروني الرسمي للمحكمة كافياً لترتيب آثارها القانونية، من قيد الدعوى وتحديد الدائرة المختصة وإخطار الأطراف ومباشرة الإجراءات.
وقد نجحت الأنظمة القضائية العربية في إدخال التقاضي الإلكتروني بدرجات متفاوتة، فأصبح المتقاضي أو محاميه قادراً على رفع الدعوى إلكترونياً، سداد الرسوم عبر المنصات الرقمية، تبادل المذكرات والمستندات إلكترونياً، حضور الجلسات عن بُعد، واستلام الأحكام والإخطارات عبر الوسائل الإلكترونية المعتمدة.
ومع ذلك، فإن هذا الواقع العملي المتقدم يظل في كثير من الأحيان دون سند بتقنين إجرائي حديث ومتكامل ينظم تفاصيله ويحدد آثاره القانونية بدقة.
ثانياً: فجوة تشريعية بين النص التقليدي والواقع الرقمي:
رغم التقدم التقني الواضح في الأنظمة القضائية العربية، فإن الحقيقة التشريعية التي لا يمكن تجاهلها هي: لا يوجد حتى اليوم في أي دولة عربية قانون مستقل ومتكامل للمرافعات المدنية والتجارية الإلكترونية ينظم التقاضي الرقمي تنظيماً شاملاً من بدايته حتى التنفيذ.
فما هو قائم حالياً في معظم الدول العربية لا يتجاوز تعديلات جزئية في قوانين المرافعات التقليدية، لوائح تنظيمية أو تعليمات قضائية، وقرارات إدارية تنظم استخدام المنصات الإلكترونية.
بينما ظل البناء التشريعي العام لقوانين المرافعات قائماً على فرضية التقاضي الورقي التقليدي، بما يخلق فراغاً تشريعياً حقيقياً بين التطبيق العملي والنصوص القانونية.
ثالثاً: مخاطر استمرار التقاضي الإلكتروني دون تقنين متكامل:
إن استمرار العمل بمنظومات التقاضي الإلكتروني دون إطار تشريعي حديث ومتكامل ينظمها ينطوي على مخاطر قانونية جدية، من أبرزها:
1. عدم وضوح لحظة انعقاد الخصومة إلكترونياً وآثارها.
2. احتمال فوات مواعيد إجرائية بسبب خلل تقني أو عطل في النظام الإلكتروني.
3. تضارب الاجتهادات القضائية بشأن حجية الإخطارات والإيداع الإلكتروني.
4. احتمال بطلان بعض الإجراءات لغياب النصوص المنظمة.
5. تحميل المتقاضي تبعة أخطاء تقنية لا يد له فيها.
وهذه المخاطر تمس جوهر الحق في التقاضي، لأن الإجراء في ذاته قد يصبح سبباً في ضياع الحق إذا لم يكن محكوماً بنصوص واضحة تضمن اليقين والاستقرار.
رابعاً: الحاجة إلى قانون عربي نموذجي للمرافعات المدنية والتجارية الإلكترونية أو أصول المحاكمات المدنية والتجارية الإلكترونية:
أمام هذا الواقع، لم يعد تحديث قوانين المرافعات عبر تعديلات جزئية كافياً، بل بات من الضروري الانتقال إلى مشروع تشريعي متكامل يضع إطاراً حديثاً للتقاضي الإلكتروني في العالم العربي، على غرار التجارب الدولية الناجحة في القوانين النموذجية.
ومن أبرز الأمثلة الدولية الملهمة في هذا السياق:
قانون التحكيم النموذجي الذي اعتمدته لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (الأونسيترال)، والذي حظي بقبول واسع من معظم دول العالم، وأصبح مرجعاً تشريعياً استرشدت به الدول عند صياغة أو تحديث قوانين التحكيم الوطنية لديها.
فقد أسهم هذا القانون النموذجي في توحيد المفاهيم الأساسية للتحكيم، كتعزيز الثقة الدولية في الأنظمة القانونية وتحقيق قدر كبير من الانسجام التشريعي بين الدول. ويمكن للعالم العربي أن يستلهم هذه التجربة الناجحة عبر إعداد قانون عربي نموذجي للمرافعات المدنية والتجارية الإلكترونية.
خامساً: دور جامعة الدول العربية في قيادة المشروع:
تملك جامعة الدول العربية، عبر مجالس وزراء العدل العرب وأجهزتها القانونية، القدرة المؤسسية والخبرة اللازمة لوضع مشروع قانون عربي نموذجي للتقاضي الإلكتروني، يكون بمثابة مرجع استرشادي للدول العربية عند تحديث تشريعاتها الإجرائية.
ويمكن أن يتضمن هذا المشروع تعريفات قانونية واضحة للتقاضي الإلكتروني، تحديد لحظة انعقاد الخصومة عبر المنصات الرقمية، تنظيم الإعلان القضائي الإلكتروني وضماناته، بيان حجية المستندات الرقمية والتوقيع الإلكتروني، معالجة آثار الأعطال التقنية على المواعيد والإجراءات، تنظيم الجلسات الافتراضية والمحاكمة عن بُعد، ووضع قواعد التنفيذ الإلكتروني للأحكام.
وسيتيح هذا القانون النموذجي تحقيق قدر من التوافق التشريعي العربي، وتعزيز الثقة في العدالة الرقمية، وتوفير ضمانات قانونية واضحة للمتقاضين.
وكان الثابت أنه خلال السنوات الخمس الماضية ومنذ أن فرضت التقنية الإلكترونية نفسها على إجراءات التقاضي بما أصبحت معه هذه التقنية فرضا لا خيارا للأنظمة القضائية العربية بما مكن المحاكم العربية خاصة العليا منها من وضع اجتهادات قضائية إجرائية إلكترونية تتسق مع نصوص المرافعات التقليدية بما يمكن ذلك المشرعين العرب من تقنين هذه الاجتهادات وصياغتها كنصوص قانونية إجرائية مقننة وملزمة.
وهنا نذكر للمشرع الفرنسي انه في التعديلات التي ادخلها على مدونة التقنين المدني الفرنسي أخذ بالكثير من اجتهادات محكمة النقض الفرنسية وقننها ضمن التعديل الجديد بما أصبحت معه ملزمة لجميع المحاكم واكتسبت الحجية القانونية.
سادساً: العدالة الرقمية بين سرعة التقنية وضمانات القانون:
إن التحول الرقمي في العدالة ليس مجرد تحديث تقني، بل تحول قانوني عميق يتطلب إعادة صياغة القواعد الإجرائية بما يتفق مع طبيعته.
فالعدالة الرقمية يجب أن تجمع بين عنصرين متلازمين هما سرعة التقنية وكفاءتها وضمانات القانون واستقراره.
ولا يتحقق هذا التوازن إلا من خلال تقنين حديث شامل يضبط الإجراءات الإلكترونية ويحدد آثارها بدقة.
خاتمة:
لقد نجحت الأنظمة القضائية العربية في إدخال التقنيات الحديثة إلى منظومة التقاضي، وحققت في ذلك إنجازات ملموسة أسهمت في تسريع الفصل في المنازعات وتسهيل الوصول إلى العدالة.
غير أن المرحلة التالية — والأكثر أهمية — هي تقنين هذا الواقع الرقمي بنصوص قانونية حديثة متكاملة تضمن استقرار الإجراءات وصون حقوق المتقاضين.
وكما نجح قانون التحكيم النموذجي في توحيد الإطار القانوني للتحكيم على المستوى الدولي، فإن العالم العربي مدعو اليوم إلى إطلاق مشروع مماثل يتمثل في إعداد قانون عربي نموذجي للمرافعات الإلكترونية، يواكب التحول الرقمي في العدالة ويؤسس له تشريعياً، ويمنح المتقاضين الثقة واليقين في عصر أصبحت فيه العدالة رقمية في أدواتها، وعالمية في تحدياتها، ومتشابكة مع مستقبل القانون ذاته.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. ib_1983@hotmail.com
4815
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1494
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1257
| 11 مارس 2026