رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يعد التقاضي في العصر الحديث نشاطاً ورقياً تقليدياً كما كان لعقود طويلة، بل أصبح — في واقعه العملي — منظومة رقمية متكاملة تبدأ من إيداع صحيفة الدعوى عبر المنصات الإلكترونية الرسمية للمحاكم، وتمتد إلى تبادل المذكرات والمستندات رقمياً، وانعقاد الجلسات عن بُعد، وإصدار الأحكام إلكترونياً، وانتهاءً بتنفيذها عبر أنظمة رقمية متقدمة.
هذا التحول لم يعد خياراً تنظيمياً، بل أصبح واقعاً قائماً فرضته التطورات التقنية ومتطلبات السرعة والكفاءة في إدارة العدالة.
غير أن هذا التحول العملي الواسع لم يقابله في كثير من الأنظمة القضائية للدول العربية تطور تشريعي إجرائي شامل للمرافعات المدنية والتجارية أمام المحاكم المدنية في مختلف درجاتها يواكب ويؤسس له بنصوص واضحة وحديثة، الأمر الذي أوجد فجوة مقلقة بين الواقع القضائي الرقمي والنصوص الإجرائية التقليدية التي ما زالت تستند إلى مفهوم التقاضي الورقي والحضور المادي كأصل لانعقاد الخصومة وترتيب آثارها.
وقد ترتب على التحول نحو الإجراءات الرقمية الآتي:
أولاً: تحوّل جوهري في مفهوم انعقاد الخصومة القضائية:
في التطبيق القضائي المعاصر، لم يعد إيداع صحيفة الدعوى بقلم كتاب المحكمة هو الأساس الوحيد لانعقاد الخصومة، بل أصبح مجرد إيداعها في النظام الإلكتروني الرسمي للمحكمة كافياً لترتيب آثارها القانونية، من قيد الدعوى وتحديد الدائرة المختصة وإخطار الأطراف ومباشرة الإجراءات.
وقد نجحت الأنظمة القضائية العربية في إدخال التقاضي الإلكتروني بدرجات متفاوتة، فأصبح المتقاضي أو محاميه قادراً على رفع الدعوى إلكترونياً، سداد الرسوم عبر المنصات الرقمية، تبادل المذكرات والمستندات إلكترونياً، حضور الجلسات عن بُعد، واستلام الأحكام والإخطارات عبر الوسائل الإلكترونية المعتمدة.
ومع ذلك، فإن هذا الواقع العملي المتقدم يظل في كثير من الأحيان دون سند بتقنين إجرائي حديث ومتكامل ينظم تفاصيله ويحدد آثاره القانونية بدقة.
ثانياً: فجوة تشريعية بين النص التقليدي والواقع الرقمي:
رغم التقدم التقني الواضح في الأنظمة القضائية العربية، فإن الحقيقة التشريعية التي لا يمكن تجاهلها هي: لا يوجد حتى اليوم في أي دولة عربية قانون مستقل ومتكامل للمرافعات المدنية والتجارية الإلكترونية ينظم التقاضي الرقمي تنظيماً شاملاً من بدايته حتى التنفيذ.
فما هو قائم حالياً في معظم الدول العربية لا يتجاوز تعديلات جزئية في قوانين المرافعات التقليدية، لوائح تنظيمية أو تعليمات قضائية، وقرارات إدارية تنظم استخدام المنصات الإلكترونية.
بينما ظل البناء التشريعي العام لقوانين المرافعات قائماً على فرضية التقاضي الورقي التقليدي، بما يخلق فراغاً تشريعياً حقيقياً بين التطبيق العملي والنصوص القانونية.
ثالثاً: مخاطر استمرار التقاضي الإلكتروني دون تقنين متكامل:
إن استمرار العمل بمنظومات التقاضي الإلكتروني دون إطار تشريعي حديث ومتكامل ينظمها ينطوي على مخاطر قانونية جدية، من أبرزها:
1. عدم وضوح لحظة انعقاد الخصومة إلكترونياً وآثارها.
2. احتمال فوات مواعيد إجرائية بسبب خلل تقني أو عطل في النظام الإلكتروني.
3. تضارب الاجتهادات القضائية بشأن حجية الإخطارات والإيداع الإلكتروني.
4. احتمال بطلان بعض الإجراءات لغياب النصوص المنظمة.
5. تحميل المتقاضي تبعة أخطاء تقنية لا يد له فيها.
وهذه المخاطر تمس جوهر الحق في التقاضي، لأن الإجراء في ذاته قد يصبح سبباً في ضياع الحق إذا لم يكن محكوماً بنصوص واضحة تضمن اليقين والاستقرار.
رابعاً: الحاجة إلى قانون عربي نموذجي للمرافعات المدنية والتجارية الإلكترونية أو أصول المحاكمات المدنية والتجارية الإلكترونية:
أمام هذا الواقع، لم يعد تحديث قوانين المرافعات عبر تعديلات جزئية كافياً، بل بات من الضروري الانتقال إلى مشروع تشريعي متكامل يضع إطاراً حديثاً للتقاضي الإلكتروني في العالم العربي، على غرار التجارب الدولية الناجحة في القوانين النموذجية.
ومن أبرز الأمثلة الدولية الملهمة في هذا السياق:
قانون التحكيم النموذجي الذي اعتمدته لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي (الأونسيترال)، والذي حظي بقبول واسع من معظم دول العالم، وأصبح مرجعاً تشريعياً استرشدت به الدول عند صياغة أو تحديث قوانين التحكيم الوطنية لديها.
فقد أسهم هذا القانون النموذجي في توحيد المفاهيم الأساسية للتحكيم، كتعزيز الثقة الدولية في الأنظمة القانونية وتحقيق قدر كبير من الانسجام التشريعي بين الدول. ويمكن للعالم العربي أن يستلهم هذه التجربة الناجحة عبر إعداد قانون عربي نموذجي للمرافعات المدنية والتجارية الإلكترونية.
خامساً: دور جامعة الدول العربية في قيادة المشروع:
تملك جامعة الدول العربية، عبر مجالس وزراء العدل العرب وأجهزتها القانونية، القدرة المؤسسية والخبرة اللازمة لوضع مشروع قانون عربي نموذجي للتقاضي الإلكتروني، يكون بمثابة مرجع استرشادي للدول العربية عند تحديث تشريعاتها الإجرائية.
ويمكن أن يتضمن هذا المشروع تعريفات قانونية واضحة للتقاضي الإلكتروني، تحديد لحظة انعقاد الخصومة عبر المنصات الرقمية، تنظيم الإعلان القضائي الإلكتروني وضماناته، بيان حجية المستندات الرقمية والتوقيع الإلكتروني، معالجة آثار الأعطال التقنية على المواعيد والإجراءات، تنظيم الجلسات الافتراضية والمحاكمة عن بُعد، ووضع قواعد التنفيذ الإلكتروني للأحكام.
وسيتيح هذا القانون النموذجي تحقيق قدر من التوافق التشريعي العربي، وتعزيز الثقة في العدالة الرقمية، وتوفير ضمانات قانونية واضحة للمتقاضين.
وكان الثابت أنه خلال السنوات الخمس الماضية ومنذ أن فرضت التقنية الإلكترونية نفسها على إجراءات التقاضي بما أصبحت معه هذه التقنية فرضا لا خيارا للأنظمة القضائية العربية بما مكن المحاكم العربية خاصة العليا منها من وضع اجتهادات قضائية إجرائية إلكترونية تتسق مع نصوص المرافعات التقليدية بما يمكن ذلك المشرعين العرب من تقنين هذه الاجتهادات وصياغتها كنصوص قانونية إجرائية مقننة وملزمة.
وهنا نذكر للمشرع الفرنسي انه في التعديلات التي ادخلها على مدونة التقنين المدني الفرنسي أخذ بالكثير من اجتهادات محكمة النقض الفرنسية وقننها ضمن التعديل الجديد بما أصبحت معه ملزمة لجميع المحاكم واكتسبت الحجية القانونية.
سادساً: العدالة الرقمية بين سرعة التقنية وضمانات القانون:
إن التحول الرقمي في العدالة ليس مجرد تحديث تقني، بل تحول قانوني عميق يتطلب إعادة صياغة القواعد الإجرائية بما يتفق مع طبيعته.
فالعدالة الرقمية يجب أن تجمع بين عنصرين متلازمين هما سرعة التقنية وكفاءتها وضمانات القانون واستقراره.
ولا يتحقق هذا التوازن إلا من خلال تقنين حديث شامل يضبط الإجراءات الإلكترونية ويحدد آثارها بدقة.
خاتمة:
لقد نجحت الأنظمة القضائية العربية في إدخال التقنيات الحديثة إلى منظومة التقاضي، وحققت في ذلك إنجازات ملموسة أسهمت في تسريع الفصل في المنازعات وتسهيل الوصول إلى العدالة.
غير أن المرحلة التالية — والأكثر أهمية — هي تقنين هذا الواقع الرقمي بنصوص قانونية حديثة متكاملة تضمن استقرار الإجراءات وصون حقوق المتقاضين.
وكما نجح قانون التحكيم النموذجي في توحيد الإطار القانوني للتحكيم على المستوى الدولي، فإن العالم العربي مدعو اليوم إلى إطلاق مشروع مماثل يتمثل في إعداد قانون عربي نموذجي للمرافعات الإلكترونية، يواكب التحول الرقمي في العدالة ويؤسس له تشريعياً، ويمنح المتقاضين الثقة واليقين في عصر أصبحت فيه العدالة رقمية في أدواتها، وعالمية في تحدياتها، ومتشابكة مع مستقبل القانون ذاته.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1407
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1104
| 19 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية للإعلام عشر حلقات جميلة للفنان القطري القدير والمبدع السيد غانم السليطي. حيث طرح فيها بعض المشاكل الأسرية والاجتماعية بطريقة جميلة أوصل من خلالها رسائل إلى المشاهدين عن بعض المشاكل التي تصيب بعض الأسر وكيف يتم حلها أو تداركها من البداية قبل أن تشتعل شرارتها وتكبر فتحرق استقرار أسرة مطمئنة. وكان الفنان غانم السليطي قد تطرق لكثير من القضايا الاجتماعية والأسرية والإدارية والسياسية وغيرها في مسلسله الشهير فايز التوش والذي كان يعرض في رمضان بدايةً من 1984 م ولعدة أجزاء لعدة سنوات وقد نال المسلسل نجاحاً باهراً لجرأته في طرح القضايا المتنوعة بطابع كوميدي. وأعتقد أن الكثير من القضايا التي تطرق لها في ذلك الوقت قد تم حلها أو تم حل الكثير منها، منها على سبيل المثال حفريات الطرق التي كانت منتشرة وبصورة كبيرة في شوارع الدولة دون تدخل سريع لإصلاحها بسبب البيروقراطية الإدارية أو لعدم اهتمام المسؤولين بها وربما رمي كل جهة المسؤولية على جهة أخرى، ولكن تبقى الكثير من المواضيع شبه متكررة من ذاك الوقت إلى وقتنا الحالي مع التطور الكبير في استخدام التكنولوجيا ودخول الحاسوب في كل الجهات الرسمية، على سبيل المثال تأخر مواعيد مقابلة الأطباء في المستشفيات الحكومية، العلاج بالخارج وازدواجية المعايير بمن يتم الموافقة عليهم ومن لا يستحقون (والواسطة في هذا الشأن)!!، تأخر بعض المعاملات وطلب بعض الشهادات المعينة في بعض الجهات لعدة أيام مع العلم بأنها سهلة ويسيرة ولكن تبقى الإجراءات عائقاً لها والروتين الحكومي البائس هو المسيطر، كذلك تطرق في مسلسله لسلطة بعض المسؤولين الذين يعتبرون الوظيفة والمنصب الذي يشغلونه كأنه ملكية خاصة ويتعاملون مع الموظفين والمراجعين باستعلاء ولا يطورون طريقة العمل اليومي، وتحدث عن من يتاجرون بوظيفتهم ويستغلونها لمصالحهم الشخصية دون خوف ومراعاة لضميرهم وللقانون أو حتى الخوف من الله سبحانه وتعالى، وغيرها الكثير من القضايا التي كانت تشغل الرأي العام. فكم نحن بحاجة إلى قوانين تردع بعض المسؤولين وتسقطهم من كراسيهم التي يعتبرونها عروشاً للسلطة. وكم نحن بحاجة لإعادة تقييم أداء الإدارات والمديرين في كل الوزارات والهيئات حيث إن من المسؤولين من يجب أن يترقى لمناصب عليا بسبب جهدهم في خدمة المجتمع من خلال وظائفهم وبعضهم الآخر يجب أن يُزال من مكانه ويُطرد لأنه غير كُفْء لهذه الوظيفة. نقطة أخيرة: أبدعت يا بو فيصل في طرحك لتلك القضايا ومحاولة البحث عن حلول فلك كل التحية والتقدير على حسك الوطني وحبك لدولتك، فإن تم إصلاح بعض الأمور فهذا من فضل الله ومن ثم سعيك للتغيير للأفضل. وإن بقيت بعض الأمور على حالها فليس العيب منك ولكن ينطبق قول الشاعر (قد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي) ولكن يبقى الأمل وتحدونا الأماني والتغيير للأفضل. ختاماً: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
960
| 16 مايو 2026