رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أخي العزيز
قرأت تعليقك بالورقة والقلم، محاولا أن أخرج إلى قلب ما تقول، قد يشفع لنا حسن الظن بأنفسنا وادعاء كل منا التجرد وهي نعمة من الله إن استقرت فينا يكون لنقاشنا جدواه. دعني لا أتناول الأمر بترتيب عرضك له، لأن الأمر ليس حجة مقابل حجة ولكنه محاولة تنشد صدق قراءة الواقع قبل الحكم عليه واتخاذ موقف تجاهه.
وأعتقد أنك معي بأن الانتقال في الحوار من (ثورة يناير وخصوصية أنها ثورة شعب بلا زعامات، إلى توصيفك للحالة الآن) إننا أمام صراع سياسي لن يكون فيه غالب ومغلوب، وأمام مشكلة سياسية خلقتها اختيارات خاطئة للنخب السياسية من الطرفين منذ بداية مسار الانتقال. وتصور فريق ما بأن بإمكانه فرض وجهة نظره على الآخر لن ينتج عنه إلا دفع الناس إلى التصادم في الشارع وسقوط ضحايا بشرية من الطرفين، بجانب تخريب مسار الانتقال بأكمله وإدخال البلاد إلى نفق مظلم، وهو بيت القصيد وهو لب الاستيعاب لحقيقة ما يدور.
فهل فعلا ما نواجهه مشكلة سياسية؟
وهل الأحزاب المطروحة أمام الشعب وبتعدد انتماءاتها، هي أحزاب الثورة أو هي أحزاب تعبر عن مجتمع خرج ثائرا، أم أنها أحزاب تمضغ آلام الشعب وتأخذ منها سبيلا للصدام فيما بينها، والصدام هنا كلمة تتجاوز الحقيقة، فهم يكتفون بصراخ "الميكروفونات" وشاشات التلفزيون ويتفقون معا على حالة الانتقال من "الثورة أو بروفة الثورة" إلى "الصراع السياسي"، وما قضايا الثورة غير أرضية تستر بها الصراع على الكراسي.
ثم الحديث عن المؤامرة (والثورة التي تجاوزت كل المؤامرات وفخاخ العنف المتتالية طوال ما يقرب من سنتين، ستتجاوز المؤامرة الحالية).
ثلاثة عناصر: الانتقال من ثورة إلى صراع سياسي - الأحزاب التي تأخذ بقاعدة الفيتو فيما بينها - المؤامرة الحالية.
المشهد كما أقرأه أن الثورة لم تتجاوز المؤامرات حتى نصل إلى مؤامرة حالية، وأن انتقال الثورة إلى صراع سياسي هي واحد من مظاهر المؤامرة، ولكن المشهد المحوري في الثورة بدأ مع الوقائع المؤدية إلى ثورة يناير وطوال الأشهر المنقضية، وهو إخراج الكتلة الشعبية من المعادلة والحيلولة دون تحقيق نتائج تتجاوز الأحجام والقدرات المحدودة للأحزاب والجماعات، ويضاف إلى ذلك السيطرة على النتائج وألا تكون تلك النتائج حافزا لتكرار الاحتشاد الشعبي.
المؤلم أن المؤامرة الرئيسية مازالت مستمرة تحت هذه الغايات ولا يعطي الواقع أي دلالة على أنها استكملت أركانها، وما يراه البعض اليوم مؤامرة هو في توصيفه المباشر محاولة لمواجهة نتائج المؤامرة الرئيسية.
ولا أتجاوز الواقع أيضاً أن العنف الذي دار طوال العامين الماضيين كان له محاور متعددة:
محور ترهيب الشعب وهو محور بدأ في أعقاب الأيام الأولى للثورة واتهم فيه "البلطجية"، ولكن العديد من الوقائع تؤكد أن وراءها قطاع من الداخلية، وواجه هذا المحور ما جرى تسميته "باللجان الشعبية"، لينتقل الأمر إلى عمليات قرصنة سواء بسرقة السيارات أو البنوك وغيرها من صور الإرهاب.
محور الصراع الطائفي، منذ اللحظات الأولى للثورة وحتى ماسبيرو، ويومها خرجت مذيعة بالتلفزيون تستنجد بأهل بولاق أبو العلا، لإنقاذ الجيش والتلفزيون من هجوم "مسيحي"، ولم يكلف أحد نفسه التدقيق في الوقائع.
محور العنف الناتج عن أجندة انتقال السلطة كما وضعها البشري، وهو عنف كان ظاهره ثورة وحقيقته رحلة الإقصاء الداخلي بين أطراف الصراع على وراثة الحكم تحت المظلة الأمريكية ويومها كان التحليل أن القوى المضادة للثورة أكثر قدرة على تحديد عناصرها وأهدافها، وأن القوى المنتمية لحركة الشعب كانت تأخذ الأهداف جزئيا دون تمييز لها بمدى أثرها على قضايا التغيير، وجرى استبدال الخصومات والالتفاف على تطهير النظام بمحاكمة حسني، بينما كافة قضايا المتظاهرين تنتهي بالبراءة، ولتتم المصالحة مع كل عناصر النظام السابق، وتبقي فقط الخصومة السياسية والاجتماعية مع الثورة وعناصرها، وهو ما انتهى إليه أداء الفترة الانتقالية واندثرت مهامها الأساسية دون تحقق.
ووصلنا إلى مشهد العنف المتوالي من مرسي واجترائه بما يسمى بالإعلانات الدستورية وهو نوع من العنف لا يسفك دم الأفراد ولكنه يحاصر دولة وشعب وثورة، وواكب هذا عنف استخدام ميليشيات الإخوان لحصار الدستورية ثم واقعة الأربعاء 5 ديسمبر بالعدوان على معتصمي الاتحادية وقتل 10 من المعتصمين، وكان الأربعاء الأسود هذا إيذانا بانتقال العنف داخل ذات مؤامرة الاستيلاء على السلطة إلى مرحلة جديدة.
لدي قناعة أن ما نشاهده هو حالة من المقاومة الشعبية غير المنظمة.
وأن نظام الإخوان يدعي أنها مؤامرة على الديمقراطية؟
وهنا يصبح الحديث عن ديمقراطية الصندوق هو ادعاء بغير سند من معنى الديمقراطية، فالديمقراطية لها شروط واجب توافرها وهي تتحقق عبر تراكم اجتماعي واقتصادي وتعليمي وسياسي وليست مجرد طرح البدائل العاجزة والمرفوضة أمام شعب ليختار بأي صور العجز يمكنه أن يقبل.
ولعلك تراجع الدعوات المتتالية من محمود مكي إلى أبو إسماعيل عن القوة والميليشيات والعنف والتربص، وأخيرا قرار من النائب العام بمنح الضبطية القضائية إلى عموم الناس.
ما يوصف أنه مؤامرة جارية هو في حقيقته مقاومة للمؤامرة المستمرة على الشعب، وحالة المقاومة هذه تؤكد عجز كل الأحزاب وتتجاوزها.
وتقول يا صديقي (كما أن الانقسام الشديد بين الطرفين قد يدفع المؤسسة العسكرية إلى التدخل. فالجيش في مصر جزء من المعادلة قبل الانتقال وبعد الانتقال. المشكلات السياسية تحتاج إلى حلول سياسية، والحلول السياسية تحتاج إلى تقدير الأمور بشكل صحيح والتدبر في عواقب القرارات.)
"الجيش في مصر جزء من المعادلة"، قولة حق ويجب النظر إليها بموضوعية وبعيدا عن الشطط أو التمني.
1) إن كانت أهداف الثورة (عيش - حرية - عدالة اجتماعية)، غير إن الحقائق والمعلومات جعلت في مضمون الشعار "بناء جيش وطني قوي" هدفا من أهداف الثورة وكلما ازداد الوعي تزايد وضوح هذا الهدف.
2) إن الجيش المصري هدف لقوى خارجية لإحالته إلى قوة لمواجهة "الإرهاب"، أي قوة مضافة ضمن "الفيلق العربي بحلف الناتو" كقول صديق آخر.
3) إن العلاقة بين الجيش والسلطة المدنية، مسألة علمية، وليست رهن بالأهواء أو بمحاولات السيطرة على المجتمع، وهذه العلاقة كانت محل بحث عبر التاريخ، وبحثتها مصر واستقرت على توصيفها منذ 1967، ولكن ما حدث في الدستور كما وصفت الصحف الأجنبية ولها أهواؤها، أن الدستور أعطى الجيش الحكم الذاتي لنفسه.
4) إن الجيوش في الدول النامية وهي الكتلة الصلبة في تلك المجتمعات، هي الأكثر تنظيما والتي تملك السلاح، وهي القادرة على الانقلاب على سلطة الحكم.
5) التجربة خلال الفترة الانتقالية حملت من الوقائع ما أحدث شرخا بين جمهور المتظاهرين والجيش، خاصة في وقائع المحاكمات والسحل والاعتقال والقتل بل إن المؤتمرات الصحفية كانت في ذاتها تزيد من التوتر أكثر منها تزيد من الوضوح، وإذا كان الجيش من طرفه وضع مبررات لموقف منه، غير أن هدف استبعاده من معادلة القوة كان هدفا داخليا وخارجيا لإفساح فرصة كاملة للاستيلاء على السلطة دون تحقيق مهام الفترة الانتقالية.
6) إن وقائع العنف في سيناء، ليست مصادفة، ولأن الصراع على سيناء صراع بين مصر وأطراف أمريكية إسرائيلية ضمن مشروع تبادل الأراضي للتخلص النهائي من القضية الفلسطينية، فكان الغريب تلك الموجة من تنظيمات إسلامية مسلحة على سيناء، وليس آخرها الهجوم على رفح، ولكن الخطر يكمن في التسلل لمواجهة الجيش في سيناء بعد القبض على عناصر جرى نسبهم إلى كتائب القسام.
7) إن حالة الاستدعاء للجيش ليقيم توازنا مع سلطة القرصنة على الدولة، يواجه الآن بالحديث عن مدنية الحكم، غير عابئ بأن أحد شروط مدنية الحكم هي دستور توافقي، ولعلك ترى في حكم محكمة القضاء الإداري بوقف الانتخابات وإحالة قانون الحقوق السياسية إلى الدستورية ما يؤكد أن مسؤولية الجيش في حماية الدستور مسؤولية قائمة حتى وإن اختلف الجميع على الدستور، فليس للجيش أن يضع من عنده دستورا وإلا كان انقلابا على الحكم، والسؤال ما الذي يحول دون الانقلاب على الحكم؟ هل هو صحة الحكم؟ أم غياب إرادة الانقلاب عن الجيش وعدم رغبته للدخول طرفا في صراع سياسي؟
8) السؤال الآن، هل الجيش المصري طرف يمكن لأي جماعة أن تعلن أنها على استعداد لمواجهته بالسلاح كما تحدث أبو إسماعيل؟ وهل ونحن نطالب الجيش أن يبتعد عن "السياسة" نطلب منه أن يكون كما خصيان بني أمية؟ وهل يمكن أن نبني جيشا مصريا قويا دون أن يكون من خلفه مجتمع متماسك يضع الجيش في مكانته الحقيقية بالنسبة للمجتمع؟
حاولت أيها الصديق أن الملم عناصر الصورة، ولكن الخطر الذي يحيق بالوطن للأسف مصدره المؤامرة المستمرة منذ قيام الثورة، أطراف المؤامرة لم تتبدل، والحديث عن البلطجية وما يطلق عليهم الفلول، هو ذر للرماد في العيون حتى لا تنكشف حقيقة أطراف الصراع.
الصراع على الهوية والسلطة، لا أشك في أن الإخوان والتنظيمات المتأسلمة قد خسرت صراع الهوية، وبقي صراع السلطة وسيستمر، لأن البحث عن حكماء وسط غابة الأهواء هو العبث بعينه.
ليدرك مرسي ومن يخالفونه أن المعارضة بالوكالة قد انتهت، ومواجهات الشعب في كل اتجاه هي معارضة بالأصالة، هي مصالح تائهة لا تجد سبيلها للتحقق، ففتحت الباب أمام مواجهات تتباين وتتعدد وتنتشر بعرض مصر وطولها.
إنها سورة الآداب الاجتماعية
هل ضعفت معاني الاحترام وروح المسؤولية في تعاملاتنا؟ وهل رفع الأصوات والتناطح دليل على القوة والحجة؟ وهل سهل... اقرأ المزيد
42
| 13 أغسطس 2026
ويلٌ للمطففين
سورة المطففين أول سورة نزلت بالمدينة المنورة، حيث كان أهلها من أخبث الناس كيلاً قبل مجيء الرسول الكريم،... اقرأ المزيد
57
| 13 أغسطس 2026
رسالة دواء.. تحمي المال العام
منظرٌ لا أنساه، ولحظات لا تفارق ذهني، أراها تتكرر أمامي كلما جلست أنتظر دوري في إحدى صيدليات مؤسسة... اقرأ المزيد
57
| 13 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
2667
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1584
| 09 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
1002
| 06 أغسطس 2026