رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

780

هديل رشاد

إحراق مسجد "النصر" جرس إنذار

12 مارس 2025 , 02:00ص

لم يكن إحراق مسجد النصر التاريخي في نابلس يوم الجمعة الماضي سوى حلقة جديدة في سلسلة الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة ضد المقدسات الإسلامية في فلسطين، فهذه الاعتداءات الممنهجة، التي تستهدف المساجد بشكل خاص، تمثل جزءاً من سياسة الاحتلال الرامية إلى طمس الهوية الإسلامية للمدن الفلسطينية وتهديد استقرار سكانها، ولكنه ظل صامداً، شامخاً في وجه محاولات الاحتلال المتكررة لطمسه، وآخرها الحريق الذي نشب داخل أروقته جراء اقتحام قوات الاحتلال.

* مسجد النصر يعد من أقدم المعالم الدينية في نابلس حيث يعود تاريخه إلى الفتح الإسلامي وعهد الخليفة عمر بن الخطاب، شهد العديد من التحولات على مر العصور، حيث خلال الحروب الصليبية تحول المسجد إلى كنيسة واستعاد مكانته الدينية بعد تحرير القدس على يد القائد صلاح الدين الأيوبي في القرن الـثاني عشر، وفي عام 1335 هجريا أعيد بناء المسجد ليظل شاهداً على تاريخ طويل من الصمود والمقاومة.

تجسد الاعتداءات الإسرائيلية على المساجد الفلسطينية تاريخًا طويلًا من الانتهاكات التي لا تزال تطال دور العبادة الإسلامية في الأراضي المحتلة، هذه الاعتداءات تشمل تدمير المساجد، اقتحامها، ومنع الأذان، وهي خطوات استفزازية لمشاعر المسلمين لاسيما في شهر رمضان وإضعاف الهوية الثقافية الدينية للشعب الفلسطيني، كما أنها محاولة صارخة من الاحتلال للتمادي على القوانين والمعاهدات الدولية التي تحمي دور العبادة وتصنفها باعتبارها أماكن محمية لايجوز استهدافها أو المساس بها، حيث تنص المادة 53 باتفاقية جنيف الرابعة 1949 على حظر وتدمير الممتلكات الخاصة أو العامة بما فيها ذلك دور العبادة إلا إذا كانت مقرا للعمليات العسكرية، وهذا ما لا ينطبق على الاعتداءات الإسرائيلية التي تستهدف المساجد عمداً خارج نطاق أي أعمال حربية، إلى جانب البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف 1977 يؤكد في المادة 52 أن الهجمات على الأعيان المدنية ومنها أماكن العبادة يعد محظورا تماما كما أن أي اعتداء يعد جريمة حرب، والعديد من الاتفاقيات، الأمر الذي يؤكد أن إسرائيل رغم كونها كيانا محتلا إلا أنها قادر على الإفلات من العقاب.

* خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في الفترة بين 7 أكتوبر 2023 و19 يناير 2025، دُمِّر 815 مسجدًا بشكل كامل، بينما تعرض 151 مسجدًا آخر لأضرار جزئية. وفي الوقت نفسه، تدمَّر ثلاث كنائس في مدينة غزة، في مؤشر على استهداف كل ما هو ديني وثقافي، و في عام 2023، تصاعدت الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى، حيث تجاوز عددها 258 اقتحامًا، بمشاركة عشرات الآلاف من المستوطنين، الذين أدوا طقوسًا تلمودية علنية مثل "السجود الملحمي" والنفخ في البوق، تحت حماية قوات الاحتلال، وفي الضفة الغربية، تعرضت العديد من المساجد لاعتداءات متواصلة من قبل قوات الاحتلال والمستوطنين، حيث سجلت وزارة الأوقاف الفلسطينية 113 انتهاكًا بحق المساجد في نوفمبر من العام نفسه، شملت اقتحامات وتدنيسًا، بالإضافة إلى منع الأذان في المسجد الإبراهيمي لما يزيد عن 59 مرة منذ عام 2009. وتعرض 60 مسجدا وكنيسة وديرا في إسرائيل والضفة الغربية للتدنيس والحرق، كان أبرزها في عام 2020 عندما أقدم مستوطنون على إحراق مسجد "بدرية" في قرية بيت صفافا، وكتبوا عبارات عنصرية تدعو لقتل العرب، كما تم إحراق مسجد في بلدة شعفاط شرق القدس بعد يوم واحد فقط.

* تعد هذه الاعتداءات المتكررة على المساجد الفلسطينية جزءًا من سياسة شاملة تهدف إلى محو الهوية الدينية والثقافية للفلسطينيين، مما يتطلب تحركا دوليا عاجلا لحماية دور العبادة وضمان حرية العبادة في الأراضي المحتلة. وعلى الرغم من هذه الانتهاكات الجسيمة، يظل الموقف الرسمي للعالم الإسلامي باهتًا، مقتصرًا على بيانات الإدانة والاستنكار دون أي تحرك عملي لوقف هذه الانتهاكات، في المقابل، يواصل الاحتلال استفزاز مشاعر المسلمين في أنحاء العالم، مع تصعيد اعتداءاته على المساجد، بينما يغيب التحرك الفاعل من الدول الإسلامية على الصعيدين السياسي والقانوني، إلا أنَّ السؤال المشروع هُنا ماذا لو قام مسلم بارتكاب هذه الجريمة؟، أو أجنبي من أصول عربية؟ فكانت ستقوم الدنيا ولا تقعد، إلا أن الكيل بمكيالين سياسة بات يتبعها الغرب مع كل ما هو عربي لأسباب نتحمل نحن الجزء الأكبر منها.

* ختاماً

إن إحراق مسجد النصر التاريخي في نابلس يجب ألا يتعامل معه بأنه حادث عابر، بل هو بمثابة جرس إنذار يجب أن يُحفِّز المجتمع الدولي والشعوب الإسلامية على حماية المقدسات في فلسطين قبل فوات الأوان، فالتاريخ يعلمنا أن الصمت على جريمة واحدة يؤدي إلى فتح الباب لجرائم أكبر، فالمسؤولية الآن تقع على عاتق كل من يستطيع التحرك لمنع هذه الاعتداءات المتزايدة، والتي لم تعد تستهدف فلسطين فقط، بل تمس عقيدة وهوية أكثر من مليار ونصف مليار مسلم حول العالم وفي شهر له قداسته لدى المسلمين.

 

مساحة إعلانية