رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في غزة، لم تكن للمعطف الأبيض حصانةٌ تحميه كما نصّت عليها القوانين الدولية، ولم يشكل درعاً واقياً من استهداف الاحتلال، بل صار ارتداؤه سبباً لاستهداف الأطباء؛ فالمعطف الذي يفترض أن يمنح صاحبه الحماية، صار في هذه الحرب علامةً على هويةٍ مهنية لم تشفع لصاحبها، بل جعلته عرضةً للاستهداف. ونجدد الحديث عن الأطباء الفلسطينيين، بعد أن تناولت منصات إخبارية فلسطينية شهادة أحد الأسرى المحررين، ويدعى إسلام حجازي، عن الطبيب عدنان البرش، الذي اعتُقل في ديسمبر 2023 من مستشفى العودة شمال قطاع غزة، بعدما رفض ترك مرضاه وجرحاه ومغادرة المكان. وقال حجازي إن الدكتور البرش، عندما وصل إلى سجن عوفر، أوسعه نحو عشرين سجاناً إسرائيلياً ضرباً وإهانة، واستهدفوا مناطق حساسة في جسده، حتى تحول صوته، الذي كان يوماً يطمئن مرضاه، إلى صمت طويل، إلى أن استشهد في سجن عوفر في 19 أبريل 2024. كان الدكتور البرش طبيباً، لا مقاتلاً، وكان يحمل أدواته الطبية، لا سلاحاً، وبقي في مستشفى العودة لأنه كان يعرف أن وراء أبواب المستشفى مرضى لا يملكون رفاهية الرحيل، ورغم هذا الدور الإنساني البحت، لم يشفع له ذلك، بل انتهى به إلى الاعتقال والنيل منه حتى استشهاده. وقصة الدكتور البرش ليست الوحيدة، فالدكتور حسام أبو صفية، الذي لا يزال في السجون الإسرائيلية، دفع هو الآخر ثمناً شخصياً لا يمكن اختزاله في هذه السطور القليلة؛ نجله الذي استشهد في محيط مستشفى كمال عدوان، واضطر إلى دفنه هناك في ظل الحصار، دافناً حزنه معه، ثم عاد إلى مرضاه، وكأن عليه أن يؤجل وجعه حتى إشعار آخر، إلى أن حوصر داخل مستشفاه، رافضاً مغادرته، فاعتقله جيش الاحتلال أعزل، مجرداً من كل شيء إلا إنسانيته، وما زال معتقلاً في سجون الاحتلال، وقد فقد نحو 40 كيلوغراماً من وزنه، كما أفادت تقارير حقوقية وأممية حديثة بأنه حُرم من العلاج والرعاية الطبية، وتعرض لسوء المعاملة، وصولاً إلى عزله انفرادياً. خلال هذه الحرب، ووفق آخر إحصائية لمصادر صحية فلسطينية، استشهد أكثر من 1700 من أفراد الطواقم الطبية، واعتُقل 330 آخرون منذ أكتوبر 2023، في انتهاك للحماية التي يمنحها القانون الدولي الإنساني للعاملين في المجال الطبي، فالمعطف الأبيض لم يحمِهم، لأن من قرر استهدافهم لم يرَ فيه رمزاً للإنسانية، بل رأى فيه عقلاً فلسطينياً يجب استهدافه. ختاماً… إنَّ تحرير الدكتور حسام أبو صفية ضرورة قانونية وأخلاقية، قبل أن يواجه مصير الدكتور عدنان البرش عينه؛ فالأطباء الذين دفعوا من أرواحهم وأبنائهم وأجسادهم ثمناً لبقائهم إلى جانب مرضاهم، لا مكان لهم في الزنازين، ولا يجب أن نسمح بأن يتحولوا إلى أرقام تُنسى، أو أن تغيب أسماؤهم عن الذاكرة.
159
| 18 أغسطس 2026
هل فكرت يوماً لماذا يهدم فلسطينيو شرق القدس منازلهم ذاتياً؟ وهل في ظنك أن شخصاً بكامل قواه العقلية يمكن أن يقرر بمحض إرادته أن يمحو ذاكرته وذاكرة عائلته بيديه؟، هل فكرت لثوانٍ كيف يقوى على هدم المنزل الذي شيده حجراً على حجر، وعاش فيه وأبناؤه، وتشكّلت بين جدرانه تفاصيل عمر بأكمله؟، ماذا يعتلج في داخله وهو يرى جدراناً حملت أصوات عائلته، وغرفاً شهدت تفاصيل حياتهم، وسقفاً احتموا تحته من قسوة الحياة، تتهاوى أمام عينيه؟ إنه يعلم بأنه يهدم عمره ويدفنه تحت الثرى، ويعلم أن كل حجر يسقط يحمل معه شيئاً من ذاكرته وذاكرة عائلته. ومن هذه الصورة تبدأ حكاية أكبر؛ حكاية سياسية صاغها المحتل بكل تفاصيلها الدقيقة لتستهدف الوجود الفلسطيني في القدس، والبحث عن كل ما ينغص حياة المقدسي على وجه التحديد، فالهدم الذاتي يأتي ضمن منظومة تَضِيقُ فيها مساحة الحياة أمام الفلسطيني، حتى يصبح بيته مصدر الأمان هو نفسه الوسيلة التي تستخدم لقهره وعائلته. فالهدم الذاتي، من أخطر السياسات التي تنفذ في القدس بهدف تهجير المقدسيين وتفريغ المدينة ومحيطها وإحلال المستوطنين، في معركة وجودية تسير بوتيرة سريعة لتغليف القدس بالحزام الاستيطاني، وهي سياسة ممنهجة تعود إلى عام 1973، عندما ترأست غولدا مائير الحكومة الإسرائيلية وشُكّلت لجنة "أرنون جافني" تناولت التركيبة الديموغرافية للقدس وهدفت إلى تغيير وجهها، بما يحول لتقييد نسبة الفلسطينيين إلى 25% مقابل 75% لليهود، وتطورت كأداة قهرية لاحقاً عبر قوانين التنظيم والبناء الإسرائيلية لإجبار المقدسيين على هدم بيوتهم بأيديهم. ومع مرور السنوات، دخل التخطيط العمراني في صميم هذه السياسة، حيث ضاقت المساحات المتاحة للفلسطينيين للبناء، وتعقدت إجراءات الحصول على الرخص، فيما تكبر العائلات وتزداد حاجتها إلى المسكن، فتشير الأمم المتحدة إلى أن نحو 13% فقط من مساحة شرق القدس مخصصة للبناء الفلسطيني، بينما معظم هذه المساحة مبني أصلاً، لتجد الأسرة الفلسطينية نفسها أمام مساحة محدودة للحياة والنمو والبناء. وتكشف الأرقام حجم الهدم الذاتي، ففي عام 2024، هُدمت 215 منشأة في شرق القدس بسبب غياب تراخيص البناء، وهدم أصحابها 141 منها بأنفسهم، أي نحو 66% من إجمالي المنشآت المستهدفة، وبين يناير و10 نوفمبر 2025، وثقت الأمم المتحدة هدم 208 منشآت للسبب نفسه، بينها 105 منازل مأهولة، وتهجير 503 فلسطينيين، بينهم 242 طفلاً، فيما هدم أصحاب المنازل 143 منشأة بأنفسهم، أي نحو 69%. وهنا تتسع دلالة الهدم إلى مفهوم الترحيل الـ Transfer، المرتبط بالطرد السكاني ودفع السكان إلى مغادرة موطنهم تحت القوة أو الإكراه أو ظروف قسرية تجعل بقاءهم فيه بالغ الصعوبة، رغم أنَّ القانون الدولي الإنساني يحظر النقل القسري للسكان في الأراضي المحتلة، كما تؤكد اتفاقية جنيف الرابعة حماية السكان من الترحيل والنقل القسري، إلا أنَّه لا قانون فوق قانون الغاب الذي تتبعه حكومات الاحتلال منذ 1948. ومنذ السابع من أكتوبر 2023، تصاعد التهجير في الضفة الغربية بفعل هدم المنازل والمنشآت، وعنف المستوطنين، وقيود الحركة والوصول، وخلال الفترة من 7 أكتوبر إلى 7 ديسمبر 2023، وثقت الأمم المتحدة تهجير 338 فلسطينياً، بينهم 182 طفلاً، بعد هدم منازل في مناطق من الضفة وشرق القدس بحجة غياب تراخيص البناء. ختاماً... إنَّه حتى في هذا الفعل المجرم يريد الاحتلال أن يُرِيَ العالم أن الفلسطيني هو من يهدم منزله بيده، حتى يغيب التعاطف معه، وحتى يتحرر من الضغط العالمي، فيما تتوارى خلف المشهد حزمة من السياسات الممنهجة التي دفعت بالفلسطيني إلى هذه اللحظة المفصلية والخانقة في حياته وحياة عائلة بأكملها دفنت ذكرياتها والكثير من القهر تحت كل جدار يسقط، فهذه الحالة التي يعيشها الفلسطيني هي من تجعل الصورة أكثر وضوحاً للعالم، وتكشف عن أنَّ وراء هذا الفعل سياسة مارقة لمحتل غاصب، لا يريد تغيير وجه القدس فحسب، إنما تغيير خريطة فلسطين التاريخية بكل ما أوتي من عربدة، للتضييق على الفلسطيني حتى يغادر موطنه الأصلي جبراً وقهراً بل وقد يميته هذا الجُرم كمداً.
360
| 11 أغسطس 2026
يأتي الخامس من أغسطس كل عام، فأفسح للأيام طريقًا كي تمر أمامي بهدوء، فلا أستدعيها واحدًا واحدًا، ولا أحاول أن أرتبها كما حدثت، فالذاكرة لا تحتفظ بكل التفاصيل، وإنما بما تركته فينا، هناك مواقف تلاشت صورها وبقي أثرها، وأشخاص خرجوا من تفاصيل أيامنا، وسجلات هواتفنا، بعدما أسقطتهم مواقفهم من حسابات القلب قبل العقل، وقرارات بدت عادية لحظة اتخاذها، ثم غيّرت اتجاه الرحلة كلها. لم تعد كل الأبواب المفتوحة تغريني كما كانت، فقد منحتني الحياة ما يكفي من التجارب لأعرف أن اتساع الباب لا يعني أنه يقود إلى المكان المناسب، وأن بعض الطرق تبدو واعدة في بدايتها، لكنها تستنزف من يسير فيها، كما أنَّ إغلاق بابٍ لا يعني دائمًا خسارة، ففي أحيان كثيرة يكون حفاظًا على ما تبقى من طمأنينتنا التي أنهكت، أو احترامًا للنفس حين يصبح البقاء أثقل من الرحيل. وحين ألْتَفِتُ إلى ما مضى، ليس هدفي البحث عن الأخطاء فأجلِّد ذاتي، ولا عن النجاحات لأمنحها درجة القدسية، ما يشغلني هو الأثر الذي تركته تلك المحطات في داخلي، فالأيام لا تحفر ندوبها في ملامحنا فحسب، وإنما تعيد ترتيب ذواتنا، وتخفف من اندفاعنا، وتمنحنا قدرة أكبر على رؤية الأمور من أكثر من زاوية. وهُنا أستحضر ما تعلمناه في درس الجغرافيا أن للفصول نظاماً لا يختل، ربيع يعقبه صيف ثم خريف، فشتاء، أما الحياة فلا تعترف بهذا الترتيب المنطقي؛ فقد تمنحنا الفصول في يوم واحد ربيعًا مع أول النهار، ثم تمتحن صبرنا بجسامة موقف يضاهي صيف أغسطس، ويأتي خريف يحمل معه ما لم نكن مستعدين لفقده، قبل أن نجلس مع أنفسنا في شتاء طويل لنعيد ترتيب ما تبعثر فينا. ولا أخفيكم سراً إنَّ من أكثر ما احتجت وقتًا لأفهمه أن معرفة الطريق لا تعني القدرة على السير فيه، كثيرًا ما نقتنع بفكرة من أول مرة، بينما تحتاج النفس إلى محاولات متكررة حتى تألفها، نعرف متى يجب أن نصمت، ثم نتكلم، ونعرف متى ينبغي أن نغادر، ثم نتردد، ونعرف ما يستحق أن يتمسك به القلب، ثم نكتشف أنه ما زال متعلقًا بما قرر العقل تجاوزه، عندها فهمت أن التغيير لا يحدث دفعة واحدة، وأن النضج لا يظهر فيما نعرفه، وإنما فيما ننجح في أن نعيشه، حتى يصبح جزءًا من شخصيتنا. وأخذت العلاقات مكانها الطبيعي في داخلي، لم أعد أبحث عن كثرتها، وإنما عن صدقها، فالإنسان لا يحتاج أكثر من أن يشعر بأن حضوره موضع تقدير، وأن وجوده يصنع فرقًا، وما عدا ذلك، تتركه الأيام في مكانه الطبيعي، دون ضجيج أو خصومة. أما الأمنيات، فقد تبدلت علاقتي بها، لم أعد أتشبث بها بالطريقة نفسها، لأن التجربة أقنعتني أن ما يتأخر ليس بالضرورة خسارة، وما يغيب ليس بالضرورة حرمانًا، كم من أمر لم أفهم حكمته إلا بعد حين، فحمدت الله عليه، وازددت يقينًا أن الثقة به تمنح القلب سكينة لا تمنحها كل الإجابات. وحين أنظر إلى الطريق اليوم، وطالما أنني مازلت أكتب إليكم فبكل تأكيد لم تنته رحلتي بعد، فما زال في الحياة ما يعلمني، وما زال في داخلي ما يحتاج إلى مراجعة، وإعادة ترتيب الأوراق، وربما كانت هذه أجمل هدية تمنحها الأيام؛ أن يبقى الإنسان قادرًا على التعلم، مهما ظن أنه عرف الكثير. لهذا، صار الخامس من أغسطس مساحة هادئة أصغي فيها إلى نفسي أكثر، وأحاول أن أنظر إلى ما مضى بعين أقل قسوة، وإلى ما ينتظرني بقلب أكثر طمأنينة، أحمد الله على ما منح، وعلى ما منع، وعلى أشخاص عبروا الطريق في الوقت الذي احتجت إليهم فيه، فتركوا أثرًا سيبقى ما حييت. ختاما... ولعل أجمل ما تمنحه لنا الأعوام أنها تترك في داخلنا متسعًا أكبر للفهم، ورحمة أوسع بأنفسنا وبالآخرين، واستعدادًا دائمًا للتعلم، حتى من الدروس التي نظن أننا حفظناها منذ زمن، لذلك، أتمنى لي ولكل من يصادف اليوم ميلاده عامًا يحمل طمأنينة أكثر من القلق، وحكمة أكثر من الاندفاع، وقلوبًا تعرف قيمة من يحبها، وأن نبقى، مهما امتدت بنا الأيام، نملك الشجاعة لنراجع أنفسنا، ونتعلم من أخطائنا، ونبدأ من جديد كلما احتاجت أرواحنا إلى ذلك.
396
| 05 أغسطس 2026
ليست كل البطولات بحاجة إلى تخطيط، أو إلى تفوق في العدد والعتاد، أحيانًا تختصرها لحظة واحدة، يقرر فيها رجل أعزل، بكامل إيمانه ويقينه بالله، أن يتقدم، فيما يتقهقر الخوف، هكذا دخل الشهيد الشيخ فاروق رمضان ذاكرة الفلسطينيين؛ لم يكن باحثًا عن بطولة أو مجدٍ مستعار، بل كانت البطولة هي التي بحثت عنه، في اللحظة التي هاجم فيها المستوطنون قريته في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، فاختار أن يقف في وجههم مفتوح الصدر مقبلاً غير مدبر. فما جرى في قرية "تل"، جنوب غرب نابلس في الضفة الغربية، كان أكبر من أن يصدقه عقل أو منطق، فلم يكن حدثًا عادياً، ففي تلك اللحظات، انتزع الشيخ فاروق رمضان، الأخ الأكبر لسبعة إخوة، والأب لخمس بنات، سلاح أحد المستوطنين، واستخدمه في مواجهة قوة مدججة بالسلاح، فقتل ضابطًا في جيش الاحتلال وجنديًا من المسافة صفر، قبل أن يرتقي شهيدًا مع ثلاثة من أبناء عمومته، وخلال دقائق، تحولت الحكاية من اشتباك ميداني إلى واحدة من أكثر العمليات التي ستبقى راسخة في الوعي الفلسطيني، لأنها كسرت الصورة التي سعى الاحتلال طويلًا إلى ترسيخها عن المستوطن بوصفه الطرف الذي لا يُقهر. لم يكن الشهيد الشيخ فاروق رمضان جندياً في جيش نظامي، ولم يتلقَّ تدريباً عسكرياً خاصاً، بل كان رجلاً بسيطاً منشغلاً بشؤون أسرتيه الصغيرة والكبيرة، ويقصده أبناء قريته في كثير من شؤونهم الدنيوية والشرعية حتى عُرف بـ"أبي الكل"، لكنه امتلك ما هو أهم من كل ذلك؛ امتلك يقيناً راسخاً بأن الإنسان الذي يدافع عن أرضه مقاييس القوة لديه مختلفة لا تشبه موازين القوة لدى المحتل، لذلك لم يكن مستغرباً أن تكون كلماته الأخيرة وهو ينزف قبل دقائق من استشهاده "صاوبتهم؟"، إذ لم يكن يشغله في لحظاته الأخيرة سوى أن يطمئن إلى أن المواجهة لم تذهب سدى، وأن رصاصاته أصابت هدفها قبل أن يلقى ربه. ولعل أكثر ما استوقفني في استشهاد الشيخ فاروق رمضان أنه جاء رداً عملياً على الفرية التي يرددها البعض بأن الفلسطيني باع أرضه، فالشعوب لا تدافع عن أرضٍ فرّطت بها، ولا يقدّم الإنسان روحه ثمناً لما باعه بإرادته، لقد أثبت فاروق رمضان، كما أثبت آلاف الشهداء قبله، أن الفلسطيني لا يساوم على أرضه ولا على كرامته، وأنه، مهما أحاطه الاحتلال بالمستوطنات والحواجز والسلاح، يبقى قادراً على قلب المعادلة لصالحه حين يُكون المقابل فلسطين. ولم يكن رد فعل الاحتلال بعد العملية إلا دليلاً إضافياً على حجم الأثر الذي أحدثته، فلم يتعامل معها بوصفها حادثة انتهت بتصفية منفذها، بل أطلق حملة اقتحامات واعتقالات واسعة طالت ما لا يقل عن 80 فلسطينياً في الضفة الغربية، وداهم المنازل، وفرض إجراءات عقابية على القرية بأكملها في إطار سياسة الانتقام الجماعي، فالاحتلال يخشى الشهداء لأنهم يرحلون، لكن حكاياتهم تبقى حيّة، قادرة على بث روح التحدي في مجتمع بأكمله، وهذا تحديداً ما يحاول طمسه برواياته الملفقة تارة، وتشويه حقائق التاريخ تارة أُخرى. المؤرخون سيكتبون تفاصيل العملية، وسيحصي العسكريون نتائجها، لكن الفلسطينيين سيحتفظون بصورة أخرى، صورة رجل أعزل واجه قوة مدججة بالسلاح، قاتل حتى الرمق الأخير، ثم ترك وراءه سؤالاً صار عنواناً لحكايته "صاوبتهم؟"، في هذا السؤال اختصر الشهيد الشيخ فاروق رمضان الحكاية كلها؛ وأراد أن يترجم حبه لهذه الأرض بالأفعال، وبأن ما قدمه كان دفاعاً عن أرض تستحق أن يُبذل من أجلها كل شيء، حتى في أن يسقى تراب الأرض بدمائهم الزكية، لإيمانهم بأنها ستنبت نصراً حتى ولو بعد حين. ختاما... ولهذا، فإن استشهاد الشيخ فاروق رمضان لا يُقرأ خارج سياق التضحيات المتواصلة التي قدّمها الشعب الفلسطيني في سبيل تحرير أرضه من الاحتلال، إنما بوصفه حلقةً في مسيرة طويلة من الذين آمنوا بأن الوطن لا يُستعاد إلا بالبذل والتضحية، لقد أعاد استشهاده التذكير بأن موازين القوة لا تُقاس بالعدة والعتاد، بل بما يحمله في قلبه من يقين بعدالة قضيته، واستعدادٍ لأن يدفع حياته ثمناً لها، ولعلّ أصدق ما يختزل هذه المعاني ما نظمه الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود في قصيدته المشهورة "الشهيد" قائلا: سأحملُ روحي على راحتي...وأُلقي بها في مهاوي الرَّدى فإمّا حياةٌ تسرُّ الصديقَ...وإمّا مماتٌ يغيظُ العِدى.
384
| 28 يوليو 2026
وأنا في طريقي إلى مقر الصحيفة صباح الأول من أمس، كنت أفكر – كما اعتدتم مني – بالقضية التي سأطرحها في زاويتي الأسبوعية، كان ذهني منشغلًا بإسبانيا، ليس لفوز منتخبها المستحق على نظيره الأرجنتيني في نهائي بطولة كأس العالم لكرة القدم فيفا 2026 فقط، بل لمواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية أيضًا، وكنت أبحث عن زاوية أربط بها بين الأمرين، قبل أن يستوقفني خبر استشهاد الحاج عودة عبد الرحيم عودة فراخنة، والشاب أحمد عادل رشيد أبو مخو برصاص قوات الاحتلال والمستوطنين في بلدة دير جرير شرق رام الله. وما آلمني أكثر أن الهجوم وقع بينما كانت أنظار العالم تتجه إلى ملعب "ميتلايف" في نيوجيرسي لمتابعة نهائي كأس العالم لكرة القدم، بانتظار صافرة النهاية، في حين كانت في رام الله انتهت بتوقيت الشهيدين، ظللت أفكر في هذا التناقض القاسي، وتهيأت للكتابة عن تلك المفارقة المؤلمة التي لا تحدث إلا على أرضنا المحتلة، لكن الحياة كانت قد أعدَّت لي زاوية أخرى؛ زاوية لا تقل إنسانية عما كنت أنوي أن يخطه قلمي، لكنها باغتتني كما لو أنني ارتطمت بلوح زجاجي، وكأن عقلي كان يوجهني إلى مسار آخر لم أكن أخطط للكتابة عنه في ذلك الصباح. عند وصولي إلى مقر الصحيفة لمحَت عيناي سيارة إسعاف عبر البوابة الزجاجية لمدخل الزوار، وأنا، كما يعلم المقربون مني، أهاب رؤية سيارات الإسعاف، وأدعو دائمًا أن تكون وجهتها نجاةً لا مصابًا، وأن يصل من فيها سالمًا وأن يعود من نُقل إليها معافى، صعدت إلى الطابق الأول حيث يقع مكتبي، معتادةً أن أرى أحد أولئك الجنود المجهولين الذين يسبقون الجميع إلى العمل، فيعيدون ترتيب ما تركناه خلفنا من فوضى في الليلة السابقة؛ ورقة هُنا، وكوب قهوة بارد هناك، وآثار ساعات طويلة من العمل تختزلها مقاعد الزملاء ومكاتبهم، فأنتم أدرى بفوضى الصحفيين حين يستبد بهم الإلهام ويلتقطون فكرة وسط زحام اليوم وضجيج صالة التحرير الذي لا ينتهي. لكنني في ذلك الصباح لم أره، وأنا المعتادة أن يبادرني كل يوم بتحية الصباح بلغته العربية المكسّرة: "سلام عليكم"، هذه المرة غاب صوته، فلم أجد "م.ر" في مكانه المعتاد، عندها عاد إلى ذهني مشهد سيارة الإسعاف، وسرعان ما أدركت أنها جاءت من أجله؛ الرجل الذي يتولى يوميًا، إلى جانب عدد من الجنود المجهولين، ترتيب مكاتبنا والعناية بتفاصيل راحتنا، حتى رأيت مسعفين اثنين يجريان له اللازم، لأقتنص لحظة وأسأل المسعفة عن قياساته الحيوية إن كانت تشي بسوء؟، حتى أخبرتني حينها أن علاماته الحيوية مستقرة، وأن تخطيط القلب المبدئي سليم، إلا أن نقله إلى المستشفى ضروري لاستكمال الفحوصات ولمزيد من الاطمئنان. ولكن قبل أن تغادر سيارة الإسعاف، وجدت نفسي أطرح أسئلة على المسعفة كي تطرحها عليه، قلت لها: اسأليه هل يشعر بحزن يتوسط قلبه؟ هل يفتقد شيئًا لا يستطيع البوح به؟ هل أمضى ليلته في سلام، أم أن همًّا ما سَهِر معه حتى الفجر؟ هل أثقلته مسؤوليات لا تحتملها الجبال؟ وهل أخفى وراء ابتسامته اليومية تعبًا لم ينتبه إليه أحد؟ لم أكن أنتظر إجابات عن تلك الأسئلة بقدر ما كنت أراجع نفسي، فكم مرة نصادف أشخاصًا كل يوم دون أن نسألهم بصدق عن أحوالهم؟ وكم مرة نعتاد حضورهم إلى درجة أننا نتعامل معه كأمر مسلَّم به؟ وكم مرة نفترض أن الجميع بخير لمجرد أنهم يواصلون أداء أدوارهم المعتادة، ويبتسمون في وجوهنا كل صباح؟ فلا أدري لماذا ننتظر دائمًا حتى تنفد طاقة الإنسان بالكامل كي نلتفت إليه؟، لماذا نحتاج إلى أن يخذله جسده أو يستنزف آخر ما لديه من قوة حتى نقتنع بأنه كان متعبًا فعلًا؟، لماذا لا نرى الإشارات الصغيرة التي يرسلها لنا كل يوم؛ الإرهاق المختبئ خلف الابتسامة، والصمت الذي يزداد طولًا، والقلق الذي يحاول صاحبه أن يداريه عن عيون الآخرين؟ الحقيقة أن الإنسان لا يبلغ مرحلة الإنهاك دفعة واحدة، بل يقاوم طويلًا، ويبرر تعبه، ويؤجل شكواه، ويستعين على أوجاعه بالصبر، حتى إذا نفدت طاقته تمامًا، التفت الجميع نحوه ليسمعوا تهشم جدار صمته، وتلك الصرخة المكتومة، لكن بعد أن يكون التعب قد استنزف منه الكثير. لكن مع توالي الأحداث بت أمقت كيف بتنا نجيد الاحتفاء بالأشخاص بعد غيابهم أكثر مما نجيد احتضانهم وهم بيننا، فنقيم حفلات التأبين، ونكتب كلمات الرثاء، ونعدد المناقب والفضائل، بل ونقوى حينها على دسِّ النقائص في جيب النسيان، بينما كانوا بحاجة إلى سؤال صادق عن أحوالهم، أو كلمة امتنان، أو يد تربت على أكتافهم في وقتها. فما نفع قبلة على رأس ميِّت لن يشعر بدفئها؟!، وما جدوى بستان من الزهور يُهدى إلى مريض بعد أن يكون المرض قد استنفد ما بقي لديه من قوة؟!، وما قيمة الدموع المتأخرة إذا كانت كلمة طيبة في وقتها كفيلة بأن تخفف عن قلبه بعض ما يحمل؟!، نحن، في كثير من الأحيان، نؤجل المحبة والامتنان وكأن العمر مضمون، ونؤجل السؤال وكأن الغد وعد لا يُخلف، نؤجل الاتصال بصديق، وزيارة قريب، والاطمئنان على زميل، والتعبير عن الامتنان لمن يستحقه، ثم نفاجأ بأن بعض الناس كانوا يخوضون معاركهم بصمت، وأنهم لم يكونوا بحاجة إلى كلمات تُقال بعد فوات الأوان، بقدر حاجتهم إلى التفاتة صادقة وهم ما زالوا بيننا. ختامًا... لعل ما حدث مع "م.ر" ذلك الصباح أيقظني من الفكرة التي كنت أنوي الكتابة عنها إلى فكرة أخرى أكثر التصاقًا بحياتنا اليومية، ففي الوقت الذي كنت أفكر فيه بتقاطع احتفال العالم بنهائي كأس العالم مع نزيف الدم الفلسطيني في الضفة الغربية، وجدت نفسي أمام درس مختلف، درس يقول إن علينا أن نرى الناس قبل أن تنهكهم الحياة، وأن نسأل عنهم قبل أن تثقلهم الهموم، وأن نخبرهم بقيمتهم قبل أن يحرمنا الوقت من ذلك، فالمحبة، كسيارة الإسعاف تمامًا، لا نفع منها إذا وصلت متأخرة.
675
| 21 يوليو 2026
لليوم الرابع على التوالي، ومنذ أن أُعلن نبأ وفاة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أحاول أن أمسك قلمي لأكتب "ترويدتي" عن مواقف سموه حيال القضية الفلسطينية، لكنني في كل مرة أجد الأحرف الأبجدية ضئيلة، والكلمات غدت شاحبة، بل وعاجزة عن الإحاطة بصنائعه الجليلة، أو حتى وصف قامة كان ولا يزال حضورها أكبر من أن تختصره اللغة بكل ما أوتيت من جزالة وغنى. وأمام بياض إحدى صفحات مسودتي، ظننت أن هذا العجز شعور يخصني وحدي، وأنني أنا من لم أجد اللغة التي تليق برحيل فقيد الوطن الكبير، لكنني، بدافع الفضول أكثر من أي شيء آخر، توجهت إلى المنصات الإعلامية الفلسطينية، وحسابات الصحفيين والكتاب والناشطين الفلسطينيين، لأرى كيف تصدر خبر الوفاة عناوينهم، وكيف نعوا الأمير الوالد، فإذا بي أكتشف أن المأزق لم يكن مأزقي وحدي؛ فالجميع كان يحاول أن ينتقي بديع الوصف، إلا أن كلماتهم كانت تؤكد أن الأمير الوالد رجل وزعيم استثنائي، غيّر وجه التاريخ بمواقفه الثابتة تجاه القضية الفلسطينية، حتى غدا من الصعب أن تختصره الكلمات. لم تكن منشوراتهم تكرر صفاته، ولا تستعرض سيرته بقدر ما كانت تستدعي مواقفه، وكأن الفلسطينيين، في لحظة الرحيل المؤلم، لم يبحثوا في أرشيف خطابات سموه عما يؤكد مواقفه تجاه فلسطين والمسجد الأقصى وغزة، بل فتشوا في ذاكرة الوفاء، هناك حضرت غزة أولًا، واستعاد كثيرون زيارة سموه التاريخية في أكتوبر عام 2012، حين كسر حصار القطاع، ترافقه صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر ووفد قطري رفيع المستوى، في زيارة لم تكن آنذاك رسالة سياسية أربكت العدو الصهيوني فقط، بل كانت رسالة إنسانية هدفت إلى مداواة أوجاع الغزيين ونصرتهم فعلًا لا قولًا. فالأمير الوالد آنذاك لم يكتف بكسر الحصار، بل حمل معه مشروعًا متكاملًا لإعادة إعمار ما دمرته الحروب، فأعلن يومها حزمة مشاريع تجاوزت قيمتها 400 مليون دولار، شملت إنشاء مدينة حمد السكنية، وإعادة تأهيل شارع صلاح الدين، وإنشاء مستشفى الشيخ حمد للتأهيل والأطراف الصناعية، إلى جانب مشاريع للبنية التحتية والإسكان والطرق والمرافق العامة، كان سموه هو من يتابع أدق التفاصيل حتى تحولت تلك المشاريع إلى بيوت آوت آلاف الأسر الفلسطينية، وإلى طرق أعادت وصل ما قطعه الدمار والاحتلال، وإلى مؤسسات ظلت تخدم الفلسطينيين حتى دُمِّر كثير منها في الحرب الأخيرة على قطاع غزة، ولهذا لم يكن استقبال الغزيين للأمير الوالد بأغصان الزيتون آنذاك سوى رسالة صادقة منهم عن امتنانهم لكسر سموه عزلتهم الجبرية، قبل أن تكون زيارة رسمية. ذلك الموقف لم يكن الوحيد الذي رسخ مكانة الأمير الوالد في الوجدان الفلسطيني، بل يستحضر كثيرون عبارته الشهيرة خلال افتتاح القمة الطارئة في الدوحة منتقدا غياب التوافق العربي بشأن العدوان على غزة عام 2009، حين قال "إنه ما إن يكتمل النصاب لعقد هذه القمة حتى ينقص، حسبي الله ونعم الوكيل". ورغم أن هذه العبارة كانت شاهدة على خيبة أمل سموه من واقع عربي مرتبك، فإنها ترسخت في وجدان الفلسطينيين، لأنها كشفت أن القضية الفلسطينية تشكل همًا حمله على كتفيه، وقضية آمن بأن نصرتها مسؤولية لا يساوم عليها الرجال. وأرى أنَّ أثمن ما يتركه القادة بعد رحيلهم ليس الماديات المتمثلة في الطرق والمباني والبنى التحتية، وإنما ما يؤسسون له من نهج، ومن يتأمل السياسة القطرية تجاه القضية الفلسطينية يدرك أن ما غرسه الأمير الوالد في هذا الجانب ينمُّ عن رؤية راسخة أصبحت جزءًا من ثوابت الدولة، ولهذا لم يكن استمرار الدعم القطري لفلسطين في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني تحولًا في السياسة، بل امتدادًا طبيعيًا لمدرسة أرساها الأمير الوالد، تقوم على أن فلسطين قضية القطريين قيادةً وشعبًا، لذلك لم يكن الحزن الفلسطيني على الأمير الوالد حزنًا فرضته لحظة الرحيل، بل كان وفاءً لرجل ارتبط اسمه بمحطات مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية، فالتاريخ لا يخلد قادة الأقوال، بل يخلد قادة الأفعال والمواقف. ختامًا… ثمة رجال لا يختصرهم لقب، ولا يحتويهم منصب، لأن أثرهم يمتد في تاريخ الأوطان ووجدان الشعوب، وكان صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحدًا منهم؛ رجلًا سيظل حاضرًا كلما ذُكرت غزة، وكلما استعاد الفلسطينيون أسماء الذين لم يكتفوا بالتضامن معهم، بل شاركوهم الألم، وأسهموا في تضميد جراحهم، وخلفوا إرثًا من المواقف أكبر من أن يحتويه مقال، وأبقى من أن يطويه الزمن. ولذلك لم يكن مستغربًا أن تنعقد مجالس العزاء في غزة على ركام منازلهم، وأن يُطعم بعضهم عن روح سموه، وأن تُنظم في رثائه القصائد، وتُكتب كلمات الوفاء ليس تملقاً ولا تزلفاً، إنما بمنتهى الوفاء لرجل حفر اسمه في الذاكرة الفلسطينية بمواقف بقيت وستبقى حاضرة في أشد الأيام قسوة، وسيظل معروفه دينًا في أعناق أجيال من الفلسطينيين.
336
| 15 يوليو 2026
"يا طالعين عين للل الجبل… يا موللل الموقدين النار"...هذه واحدة من أشهر الأهازيج الشعبية الفلسطينية، تلك التي كانت النساء يرددنها بطريقة "الملالاة" أي وضع حرف اللام بين كل كلمة لإيصال رسائل مشفرة إلى الأسرى والثوار لتضليل سجانيهم، فغدت وسيلة من وسائل المقاومة، وحافظة للذاكرة الفلسطينية، ومادفعني للحديث عنها هو المقطع المصور الذي يظهر عدداً من المستوطنين الاسرائيليين خلال زراعتهم كروم العنب المنهوبة من أصحابها الأصليين وهم يرددونها، ويؤدونها كما لو كانت جزءًا من موروثهم، عندها وجدت نفسي أعود إلى ملف سرقة التراث الفلسطيني، لأكتشف أن هذا الفيديو ماهو سوى حلقة جديدة في مسلسل قديم بدأ قبل عقود. ...وأثناء البحث في هذا الملف، بدا واضحًا أن استهداف التراث الفلسطيني لم يبدأ مع نكبة عام 1948، بل سبقها بسنوات طويلة، فمنذ البدايات الأولى للمشروع الصهيوني، لم يكن الصراع على الأرض وحدها، وإنما على التاريخ أيضًا، فالأرض يمكن احتلالها بالقوة، أما شرعنة احتلالها فتحتاج إلى رواية، والرواية تحتاج إلى شواهد، وهنا بدأ السطو على كل ما يثبت عمق الوجود الفلسطيني. حيث يشير مركز المعلومات الوطني الفلسطيني إلى أن الاحتلال اتبع وسائل متعددة لإعادة تشكيل المشهد الثقافي الفلسطيني، من خلال الاستيلاء على المواقع الأثرية، ونهب وسرقة القطع التاريخية الأثرية ونقلها إلى المتاحف الإسرائيلية، وتغيير أسماء المواقع وربطها بروايات توراتية، إلى جانب مصادرة المخطوطات والأرشيفات التي توثق تاريخ فلسطين، وتؤكد وزارة السياحة والآثار الفلسطينية وجود (6963) موقعًا أثريًا مسجلًا في الضفة الغربية، يقع عدد كبير منها في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، الأمر الذي يجعلها عرضة للتنقيب غير المشروع والاستيلاء والتهويد. ولم تتوقف محاولات السطو عند الآثار، بل امتدت إلى الرموز التي يعرف بها الفلسطيني نفسه، فالكوفية بلونيها الأبيض والأسود والتي تعد رمزا وطنيا فلسطينيا، ظهرت في عروض أزياء إسرائيلية بعد تجريدها من رمزيتها السياسية والوطنية، كما تعرض الزي الفلسطيني لمحاولات متكررة لسرقة غرز التطريز التي تحفظ هوية المدن والقرى الفلسطينية، رغم أن كل نقشة تحكي مكانًا وتاريخًا وذاكرة، وفي عام 2021، سجلت اليونسكو فن التطريز الفلسطيني على قائمتها للتراث الثقافي غير المادي، في اعتراف دولي بأصالته وارتباطه بالمجتمع الفلسطيني. وامتدت محاولات السطو إلى المطبخ الفلسطيني أيضًا، إذ قُدمت أطباق مثل الحمص والفلافل والمقلوبة في معارض دولية وعلى متن الخطوط الجوية الإسرائيلية باعتبارها أطباقًا إسرائيلية، في تجاهل لتاريخها المتجذر في فلسطين، وحتى الأهازيج الشعبية التي رافقت مواسم الحصاد والأعراس، وروت حكايات المقاومين والأسرى، لم تسلم من محاولات إعادة تقديمها خارج سياقها الوطني الفلسطيني. وفي غزة، لم يقتصر الاعتداء على سرقة التراث، بل طال وجوده المادي نفسه. ووفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تعرض نحو (200) موقع أثري وتراثي للتدمير، واندثر أكثر من (2100) ثوب وقطعة تطريز تراثية، كما تضررت (87) مكتبة و (25) مركزًا ثقافيًا وثمانية دور نشر ومطابع، وأظهر مسح أجرته وزارة السياحة والآثار الفلسطينية أن (226) موقعًا تراثيًا من أصل (316)موقعًا تعرضت لأضرار، بينها (138) موقعًا لحقت بها أضرار جسيمة، في خسارة تجاوزت المباني لتصيب الذاكرة الفلسطينية ذاتها. وهُنا أريد التأكيد أنَّ سرقة التراث والهوية لا تقل خطورة عن سرقة الأرض والمدن، فمحاولات الاستيلاء على الرموز والهوية الفلسطينية من الكوفية، أو الثوب، أو الأهزوجة، أو الطبق الشعبي، لا يبحث عن إرث ثقافي يضيفه إلى تاريخه فقط، إنما يحاول وبكل شراسة أن ينتزع من الفلسطيني الأدلة التي تثبت أنه كان هنا، فحين تُسرق الحكاية، يصبح تزوير التاريخ أسهل، وحين يُزور التاريخ، تصبح سرقة الأرض أقل كلفة في نظر العالم، غير أن ما حفظته ذاكرة الفلسطينيين على امتداد الأجيال، لن تمحوه رواية صُنعت على عجل، لأن التراث، قبل أن يكون حجرًا أو ثوبًا أو أغنية، هو هوية شعب لا تزال تنبض بالحياة. ختاماً... ولعل ما ورد في هذا المقال، بما تضمنه من وقائع وأرقام، لا يمثل سوى غيض من فيض ملف طويل يوثق محاولات الاستيلاء على التراث الفلسطيني وإعادة تقديمه برواية أخرى، فكلما تعمقت في المصادر والمراجع، اتسعت قائمة السرقات، من الآثار والمخطوطات إلى الأزياء والأطعمة والأهازيج، في محاولة لا تستهدف الموروث الثقافي وحده، بل الوعي الجمعي والذاكرة التاريخية للشعب الفلسطيني، وربما لهذا السبب، لا تقل سرقة الهُوية والتراث خطورة عن سرقة الأرض، فبالأولى يسعون إلى تهويد الرموز الفلسطينية، وفي الثانية يسعون للاستيلاء على جغرافية المكان.
381
| 07 يوليو 2026
للمرة المئة أقف حائرة أمام أوراقي التي أتركها كمسودة أولى لـ"ترويدتي"، وكلما عزمت أن أكتب عن شأنٍ آخر، أو أن أترك لفلسطين استراحةً من قلمي، وجدت ما يعيدني إليها قسراً، ليس لأن العالم خلا من القضايا، بل لأن فلسطين لا تكف عن إنجاب الفواجع، حتى يصبح تجاوزها إلى غيرها نوعًا من الخيانة الأخلاقية أمام ما يحدث فيها. فبت أفتش عن بداية للمقال وأطرح على نفسي سؤالاً: أأكتب عن استهداف خيام النازحين في مواصي خان يونس، أمس الأول، التي تحولت في لحظات إلى كتل من اللهب والرماد، واستشهاد أم وطفلتها الوليدة؟، أم أكتب عن محمد أبو جياب، الفتى ابن السادسة عشرة، الذي اندفع نحو البحر باحثاً عن فسحة يلتقط فيها أنفاس غزة المثقلة بالحصار، فإذا برصاصة قناص إسرائيلي تستقر في رأسه لتحيله إلى كتلة من السكون، إمعاناً أن الفلسطيني محاصر حتى في اتساع بحره، وأن الاحتلال لا يُطوق اليابسة فحسب إنما يحتل البحر والجو معاً؟ أم أفتح ملف الصحفي مجاهد بني مفلح، الذي خرج من المعتقل بنزيف في الدماغ أُصيب على إثره بسكتة دماغية أفقدته النطق، فيما بقيت ذاكرته شاهدة على سبعة أشهر من التعذيب، وتحمل جمجمته أثر العملية الجراحية التي استُؤصل خلالها جزء منها؟ أم أتوقف عند اتفاق وقف إطلاق النار، الذي لا تزال بنوده تمضي وفق أهواء "نتن ياهو" وحكومته، بينما يتواصل القتل، ويتسع الجوع، ويُترك المرضى لمصيرهم بلا رعاية طبية أو دواء يخفف وطأة الألم، وتبقى المنازل المهدمة تنتظر من يرمم وجعها ويحيي ذاكرة من غادروها بالموت أو التهجير، رهينةً للقيود والحصار؟ أم أتناول كيف يوظف الاحتلال، بالتعاون مع عملائه، أدوات الحرب الهجينة من خلال محاولات إغراق القطاع بالمخدرات، وتسهيل إدخالها عبر الممر الأصفر؟ أقلب الأوراق أحياناً دون أن أكتب حرفاً، ليس لأن الكلمات شحيحة، وإنما لأن كل سطر أكتبه أشعر أنه ينتزع حق سطر آخر في أن يُروى، فالفواجع في فلسطين وغزة تحديدا حدث يومي، لذا يغدو ترتيبها نوعا من الظلم، وكأن على من يحمل القلم أن يختار أي الوجوه يقدّم للقارئ، وأي الحكايات يؤجلها، مع أن أصحابها يستحقون أن تُروى قصصهم في اللحظة عينها. ولعل هذا هو الوجه الأكثر قسوة للحرب؛ فهي لم تعد تكتفي بصناعة المأساة، بل صنعت ازدحاماً غير مسبوق للمآسي، فمنذ السابع من أكتوبر 2023، تجاوز عدد الشهداء في قطاع غزة عشرات الآلاف، فيما أصيب أكثر من مئة ألف فلسطيني، ونزح معظم سكان القطاع قسراً، بعضهم مرات عدة، بعدما لم يعد هناك مكان يمكن وصفه بالآمن، كما دُمِّرت نسبة كبيرة من المنشآت الصحية من مستشفيات ومراكز صحية، وتفاقمت معها أزمة ندرة الغذاء وشح الدواء. والأرقام، على فظاعتها، لا تعكس سوى جانبٍ من حجم المأساة، فيما تواري خلفها قصصًا ومشاعر يعجز العدّ عن الإحاطة بها، فكم أمّ يجافي النومُ جفونَها بعد أن فقدت أبناءها، وكم طفل يستيقظ على فاجعة تخبره أنه بات يتيمًا، وكم صحفي يخرج لتغطية حدث وهو يدرك أنه قد يصبح هو نفسه خبراً، ثمة أوجاع لا تختزلها البيانات، وخسارات تعجز التقارير الدولية، مهما بلغت دقتها، عن إحصاء أثرها في النفوس. وهذا، في ظني، جزء من أهداف الحرب، التي بدّلت مقياس الصدمة، صار الخبر الذي كان يهز الضمير الإنساني قبل أعوام يمر اليوم متخففًا من وطأته، لا لأن المأساة أصبحت أقل فداحة، بل لأن تكرارها اليومي أنهك قدرة الإنسان على التفاعل معها، حيث يصف علماء النفس هذه الحالة بـالتبلد أو التناقص الانفعالي، حيث يؤدي التعرض المستمر للمشاهد الصادمة إلى تراجع الاستجابة العاطفية تدريجياً، فيغدو ما كان استثنائياً جزءًا من المألوف، وتتحول صور الأطفال تحت الركام، وأخبار التجويع، وأعداد الضحايا إلى مشاهد متكررة لا تستدعي القدر نفسه من الصدمة الذي كانت تستدعيه في بدايات الحرب. ختاماً... ومع ذلك، تبقى الكتابة فعلاً لا يجوز التخلي عنه، قد تعجز عن إنصاف الضحايا جميعاً، لكنها تسلب من الجريمة رفاهية الصمت، وما دامت فلسطين محتلة، وما دام هناك دمٌ يُراق ثمناً لهذا الاحتلال، فسيظل مداد قلمي وفِيّاً لها ولقضاياها، لا يساوم على الحقيقة ولا يغادرها، حتى وإن وقفت أمام أوراقي البيضاء حائرةً ألف مرة.
432
| 30 يونيو 2026
عندما ترتطم الذات بلوحٍ زجاجي لا تراه إلا تلك الروح، يصبح الكلام عبئاً ثقيلاً، ويغدو الصمت ملاذاً مؤقتاً من أسئلة لا نملك لها جواباً، في تلك المساحة الرمادية بين الانكسار والتماسك، قد يختار الإنسان الانسحاب إلى داخله، لا نفوراً من الآخرين، بل عجزاً عن ترجمة ما يعتمل في أعماقه، فبعض المشاعر أكثر تعقيداً من أن تُروى، وبعض الخيبات تضيق عنها اللغة مهما اتسعت مفرداتها. وفي خضم هذا الصمت، قد تطرق باب الروح يدٌ لم تكن في دائرة التوقع، لا تجمعنا بها قرابة، ولا يربطنا بها تاريخ طويل من المواقف، ومع ذلك تنجح بكلمة صادقة أو موقفٍ إنساني أو قدرٍ من الاحتواء في تخفيف وطأة لحظة كادت تستبد بنا، ليس لأنها تمتلك حلولاً لكل ما نعانيه، بل لأنها أحسنت الإصغاء حين عزّ الإصغاء، وأحسنت الحضور..الحضور الذهني الذي يحدث فرقاً، وليس ذاك الحضور الجسدي الباهت. أتحدث هُنا عن أولئك الذين يمرون في حياتنا تاركين بصمة تفوق حجم أفعالهم الظاهرة، أشخاص اتخذوا من نفع الناس منهجاً، ومن التخفيف عن الآخرين سلوكاً يومياً، ومن الكلمة الطيبة جسراً يعبرون به إلى القلوب، لا ينتظرون مناسبة استثنائية ليقدموا خيراً، ولا يبحثون عن الاعتراف بما صنعوا أو عن كلمة شكر تسقط من فيه من هو بحاجة، بل يؤمنون بأن الأثر الحقيقي يتشكل من الأعمال الصغيرة المتكررة، مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ». ولعل هذا ما يجعلني أصف حضورهم في حياة الآخرين بــ"أثر الفراشة"، فكما أن رفرفة الفراشة تبدو حدثاً بالغ الصغر، بينما يمتد أثرها إلى ما هو أبعد من لحظتها، كذلك بعض المواقف الإنسانية، كلمة تخرج بصدق قد تبدد وحشة، ورسالة مقتضبة قد تعيد الطمأنينة إلى قلبٍ مضطرب، وثقة يمنحها إنسان لآخر قد تكون بداية تحول لا يدرك أحد مداه، إن قيمة هذه الأفعال لا تكمن في حجمها، بل في ما تتركه من أثر باقٍ في النفوس لاسيما تلك التي نُسِيت عند بوابات الفرحْ. ولذلك لم يحصر الإسلام دوائر العطاء في حدود النسب أو المعرفة المسبقة، بل وسّعها لتشمل المجتمع بأسره، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (المؤمن لِلْمؤْمن كالبُنْيان يَشُدُّ بَعْضُه بَعْضا، ثُمَّ شَبّك بين أَصابعه)، وهي صورة بليغة تجعل التماسك الإنساني مسؤولية مشتركة، فالبنيان لا يقوم بحجر واحد، وإنما بتكاتف أجزائه وتساندها، وكذلك المجتمعات لا تستقيم فقط بالروابط المفروضة بحكم القرابة، بل أيضاً بأولئك الذين يختارون أن يكونوا سنداً لغيرهم دون انتظار مقابل. وقد أدركت الثقافة العربية هذا المعنى منذ زمن بعيد حين قالت: "رب أخٍ لك لم تلده أمك."، وهي عبارة لا تنتقص من مكانة الأقربين، بل تؤكد أن الله يهيئ للإنسان في بعض محطات حياته من يواسيه ويخفف عنه ويمنحه من الدعم ما يحتاجه لعبور مرحلة صعبة، فالإنسان، مهما بلغ من قوة، يظل محتاجاً إلى من يمد له يداً حين تتعثر خطاه ويفقد بوصلته. ويرى كثير من الفلاسفة أن الإنسان لا يتشكل من خلال تجاربه الخاصة فقط، وإنما عبر لقاءاته بالآخرين، فبعض الأشخاص لا يغيرون ظروفنا، لكنهم يغيرون قدرتنا على مواجهتها، وبعض الكلمات لا تبدل الواقع في لحظتها، لكنها تمنح صاحبها من القوة ما يكفي ليستأنف السير ويكمل الطريق. لهذا لا أجد وصفاً أدق لهؤلاء من استعارة محمود درويش الخالدة "أثر الفراشة لا يُرى، أثر الفراشة لا يزول."، فكم من إنسان مرّ بهدوء في حياة غيره، دون أن يدرك أن موقفاً منه أو كلمة قالها أصبحت جزءاً من ذاكرة لا تُنسى، وسبباً في تخفيف ألم أو استعادة أمل أو ترميم شيء انكسر في الداخل. ختاما... ...وأنت عزيزي القارئ، من هو صاحب "أثر الفراشة" في حياتك الذي حضر في ذاكرتك وأنت تقرأ هذه السطور؟ وهل فكرت يوماً أن كلمةً قلتها، أو يداً امتدت بالعون، أو حضوراً، ربما ترك أثراً جميلاً في حياة شخص آخر دون أن تدري؟
534
| 23 يونيو 2026
أرى علامات الدهشة ترتسم على محياك عزيزي القارئ، وكأنك تتساءل: تحيةٌ لمن؟ وعلى ماذا؟ تحيةٌ لتلك الجمعيات والمنظمات النسوية التي أثبتت قدرةً استثنائية على رفع الصوت حين يتوافق الظلم مع أجنداتها، وإتقان الصمت حين تكون الضحية امرأةً مسلمة أيا كان موقعها. فلو فُرض النقاب على نساء في قرية نائية، أو حُرمت طالبة من حقها في التعليم بسبب عرفٍ اجتماعي أو ممارسةٍ فردية لا تمت إلى الدين بصلة، لصيغت البيانات، وعُقدت المؤتمرات، وامتلأت المنصات بالحديث عن قمع المرأة في العالم الإسلامي، حتى يخال المتابع أن النساء في هذه المنطقة لا يعرفن سوى الاضطهاد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: أين تختفي هذه الأصوات عندما تُنتهك أجساد الحرائر من الفلسطينيات والسودانيات في أتون الحرب؟ وأين هي عندما تتعرض نساء مسلمات في بعض بقاع العالم للتضييق بسبب حجابهن وهويتهن الدينية؟ ولماذا يخفت الصخب الحقوقي كلما كانت الضحية امرأة لا تنتمي إلى الدائرة التي تحظى بالاهتمام الإعلامي والسياسي الكافي؟ وإذا كان ذلك يحدث في أكثر من مكان، فإن صورة الازدواجية تتجلى بوضوح أكبر في قضية الأسيرات الفلسطينيات، فأين المدافعون عن حقوق المرأة عندما تُحرم نحو 90 أسيرة فلسطينية، غالبيتهن محتجزات في سجن الدامون وفق ما وثقه نادي الأسير الفلسطيني، من حقهن في الحجاب وملابس الصلاة؟ وأين بيانات الشجب والغضب عندما تتعرض الأسيرات للتفتيش الجسدي المهين، والاعتداءات النفسية والحرمان من أبسط حقوقهن الدينية والإنسانية؟ وأين الأصوات ذاتها عندما تُعتقل طالبات فلسطينيات من أمام مدارسهن وجامعاتهن تحت ذرائع أمنية فضفاضة؟، وكأنهنَّ يهددن الأمن القومي للكيان المحتل!؟ وأين كانت هذه المنظمات خلال الحرب المستمرة على غزة، حين حوصرت النساء تحت القصف والجوع والنزوح، وحُرمنَ من أبسط الاحتياجات الصحية الشخصية المرتبطة بالحيض والنفاس، في مشهد كان يفترض أن يهز ضمير كل من يرفع شعار الدفاع عن المرأة ؟ وما يزيد من الطين بِلَّة ومن خطورة هذه الانتهاكات أنها لا تتعارض مع القيم الإنسانية فحسب، بل تصطدم بصورة مباشرة مع قواعد القانون الدولي، فالمادة (18) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تكفل لكل إنسان حرية الفكر والوجدان والدين، بما في ذلك حقه في إظهار معتقده وممارسة شعائره، كما يؤكد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية هذه الحماية، فيما تلزم اتفاقية جنيف الرابعة القوة القائمة بالاحتلال باحترام الكرامة الشخصية للمحتجزين وحمايتهم من المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة، وعليه، فإن حرمان الأسيرات من الحجاب أو من أداء شعائرهن الدينية، وإخضاعهن لتفتيش جسدي مهين، لا يمكن النظر إليه بوصفه إجراءً إدارياً أو أمنياً، بل باعتباره انتهاكاً صريحاً لحقوق كفلتها المواثيق الدولية. لستُ هنا لأدافع عن خطأ يُرتكب باسم الدين أو العُرف؛ فكلّ انتهاك لحقوق المرأة مدان، بلا استثناء أو تبرير. غير أنّ العدالة حين تُجزَّأ تفقد جوهرها، والحقوق حين تُستدعى لنصرة بعض النساء وتُهمل أخريات تتحوّل من قيمة إنسانية إلى أداة انتقائية، وعندها، لا يعود الدفاع عن المرأة دفاعاً عن كرامتها، بل انحيازاً يُفتِّش عن كل ثغرةٍ لاتهام الدين الإسلامي وتحميله وزر ممارساتٍ لا تمثّله، فيُدفع بالنساء المسلمات دفعاً إلى النفور من دينهنّ وتصويره كعقبةٍ في طريقهن، لا كمنظومةٍ تحفظ لهنّ حقوقهن وتصون إنسانيتهن. ختاما... لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس عن أوضاع الأسيرات الفلسطينيات أو عن النساء المسلمات اللاتي تنتهك أجسادهن فحسب، بل عن مصداقية الخطاب الحقوقي العالمي نفسه: هل حقوق المرأة حقاً حقوق عالمية لا تتجزأ، تُدافع عنها المنظمات والهيئات بصرف النظر عن دين الضحية أو جنسيتها أو موقعها الجغرافي؟ أم أنها امتيازات تُمنح لبعض النساء وتُحجب عن أخريات تبعاً للهُوية والدين والجغرافيا والسياسة؟
444
| 16 يونيو 2026
"حصل الطفل أيوب جنيد على نظارة طبية جديدة من جمعية خيرية إثر حملة تضامن واسعة النطاق عقب موجة تعاطف عالمية بعد انتشار مقطع فيديو له وهو يبكي بحرقة على نظارته المكسورة في إحدى خيام النزوح شمال قطاع غزة."، نعم، كما قرأت عزيزي القارئ، بات هذا خبراً. من حيث الصياغة المهنية، الخبر صحيح ومكتمل العناصر التي تؤهله للنشر، لكنه، في الوقت ذاته، افتقر إلى أبسط معايير الإنسانية، فحين يتحول حصول طفل على نظارة طبية إلى حدث استثنائي يستدعي الاحتفاء والتغطيات والتفاعل، فإن المشكلة لا تكمن في الخبر ذاته، إنما في الواقع الذي جعل من حق بديهي خبراً يستحق التداول. لم يكن ينقص الطفل أيوب نظارة فحسب، فالطفل الذي لم يتجاوز السادسة من عمره يعاني ضعفاً حاداً في البصر ومرضاً عصبياً يحتاج إلى علاج عاجل خارج قطاع غزة، والعلاج غير متوافر بكل تأكيد في ظل حرب إسرائيلية دمرت القطاع الصحي الأولي والثانوي في قطاع غزة، وأخرجت عدداً كبيراً من المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة، وفاقمت معاناة المرضى والجرحى الذين باتوا ينتظرون فرصة للعلاج كما ينتظر غيرهم فرصة للنجاة. لكن هذه القصة لم تكن جذابة بما يكفي، لم يصبح مرض أيوب خبراً، ولم يصبح حرمانه من العلاج خبراً، ولم يصبح عجزه عن مغادرة غزة لتلقي الرعاية الطبية خبراً، الذي أصبح خبراً هو نظارته المكسورة، وكأنَّ المأساة الإنسانية بكل تعقيداتها يمكن اختزالها في لقطة قصيرة ودموع طفل يبكي بحرقة على آخر أشيائه. في زمنٍ تحكمه الخوارزميات، يبدو أن المعاناة لم تعد كافيةً لكي تُرى؛ إذ لا بدّ لها من صورةٍ مؤثّرة، ومشهدٍ عاطفي، وقصّةٍ قابلةٍ للتداول حتى تستحقّ الاهتمام، أمّا آلاف الأطفال الذين يعيشون الظروف ذاتها بعيدًا عن عدسات الكاميرات، فيبقون خارج دائرة الضوء، لا لشيءٍ إلا لأن مأساتهم لم تتحوّل إلى "ترند" يُجنى من ورائه عشراتُ الآلاف من المشاهدات. ووفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) ومنظمة الصحة العالمية، فإن نحو أربعة آلاف طفل في قطاع غزة بحاجة ماسة إلى إجلاء طبي عاجل لتلقي العلاج خارج القطاع، كما يعيش نحو مليون طفل ظروفاً قاسية تشمل النزوح والمرض وسوء التغذية وفقدان الأمان، وتشير البيانات الأممية إلى مقتل أو إصابة أكثر من 64 ألف طفل، وفقدان أكثر من 58 ألف طفل لأحد والديهم أو كليهما، فضلاً عن حرمان مئات الآلاف من التعليم المنتظم. هذه الأرقام لم تصدر عن جهة فلسطينية، بل عن مؤسسات أممية محايدة تحاول اختزال الكارثة في بيانات وإحصاءات، لكنها، رغم ضخامتها، قد لا تنجح أحياناً في تحريك الضمير العالمي بقدر ما تفعل صورة واحدة لطفل يبكي أمام الكاميرا كسباً للمشاهدات. نفرح لأيوب، بالطبع، ونفرح لكل طفل يحصل على دواء أو طرف اصطناعي أو فرصة للعلاج، لكن الفرح لا يجب أن يحجب الحقيقة الأكبر؛ فآلاف الأطفال في غزة ما زالوا ينتظرون ما هو أكثر من نظارة، ينتظرون حقهم في العلاج، حقهم في التعليم، حقهم في السفر وحقهم في الحياة الكريمة التي يفترض أن تكون مكفولة لكل طفل في هذا العالم وفق الاتفاقيات والمعاهدات الدولية. إنَّ حكاية أيوب لم تبدأ يوم انكسرت نظارته، بل بدأت مع أسلافه منذ سنوات طويلة من الحصار والتضييق والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية، قبل أن تأتي الحرب الحالية لتضيف فصلاً أكثر قسوة ودموية إلى الحكاية. ختاماً... باعتقادي نحن والعالم كلِّه من يحتاج إلى نظارة، لنرى من خلالها الأطفال الذين لا تصل صورهم إلى الشاشات، وطوابير المرضى الذين ينتظرون موافقات المحتل للسفر بفرض العلاج، والعائلات التي تنتظر الحياة، نحتاج إلى نظارة تعيد الأمور إلى حجمها الحقيقي، فلا يصبح الحصول على نظارة خبراً، بينما يظل حرمان طفل من العلاج أمراً عادياً في نظر عَالمٍ عطّل ضميره وأعمى بصيرته قبل أنْ يعمي بصره.
591
| 09 يونيو 2026
﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ﴾، كلما مررت بهذه الآية، شعرت بأنها تنساب إلى القلب سكينة خفية، كأنها لمسة رحيمة تهدّئ اضطرابه وتعيده إلى موضع الطمأنينة في لحظات حزنٍ غير مبررة الأسباب، آية قصيرة في مبناها، عظيمة في معناها، تحمل من الأنس ما يخفّف وطأة الحزن، وتوقظ في النفس يقيناً راسخاً بأن الله يرى ضعفنا، ويعلم ما تخفيه الصدور، ويحيطنا بعنايته حين تضيق السبل، وتُغلق الأبواب، وتتلاشى من حولنا تلك الوجوه التي وعدت بالبقاء… ومضت. في بعض الأيام، يطرق الحزن القلب من غير موعد، لا يأتي مصحوباً بضجيج، ولا يعلن عن نفسه بوضوح، لكنه يحضر بما يكفي لنشعر بثقله في تفاصيل يومنا، وفي لحظات الصمت الطويل مع النفس، وفي ذلك القلق الذي يطلّ من ملامحنا رغم محاولاتنا المستمرة لإخفائه، ومع ذلك أظن أنه لا ينبغي أن نتعامل مع الحزن على أنه خطأ أو علامة ضعف، فهو جزء من طبيعتنا البشرية التي تتأثر بما تعترضه الحياة من فقدٍ وتعب وخيبات أمل وانتظار طويل. حتى أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم مرّ بلحظات من الحزن والضيق، وكذلك صاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين احتميا بغار ثور أثناء الهجرة، فأنزل الله قوله ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾، لم يكن النهي عن الحزن إنكاراً للمشاعر الإنسانية، وإنما تذكيراً بأنَّ معية الله أوسع من الخوف، وأقوى من كل ما يحيط بالإنسان من قلق واضطراب. ومع مرور الأيام نتعلم أن الحزن، مهما كان مشروعاً، لا ينبغي أن يتحول إلى إقامة دائمة في القلب، من حقه أن يمرّ، ومن حق الإنسان أن يشعر به، لكن ليس من الحكمة أن يفسح له المجال حتى يستولي على الداخل ويطغى على كل ما عداه، وفي المقابل، يبقى استحضار النعم باباً من أبواب النجاة، وتظل الطمأنينة التي يهبها الله لعباده رحمة تعيد ترتيب الفوضى الكامنة في النفس مهما بدا الواقع مرتبكًا. وفي مثل هذه اللحظات، وأنا أبحث عن شيء من الاتزان لأعبر منطقة الحزن، يتجه التفكير تلقائيا إلى غزة؛ حيث ينهض الناس كل صباح على امتحان جديد من الصبر، هناك شعب يواجه منذ سنوات طويلة حربا ضروساً بأنواع الأسلحة كافة، فالفلسطيني يعيش بين الفقد والانتظار والخوف، ويكابد أوجاعا متراكمة لا تكاد تنقطع، إلا أنَّ في غزة لا يزال الناس يتمسكون بما تبقى من أسباب الحياة، يرفعون أكفّ الدعاء إلى السماء، ويحمدون الله على ما بقي لهم رغم اتساع مساحة الفقد، ترى ذلك في أمّ تضم أبناءها محاولة أن تصنع لهم شعوراً بالأمان وسط الخوف، وفي أبٍ يخفي قلقه ليمنح أطفاله قدراً من الطمأنينة، وفي قلوب أثقلها الغياب لكنها لم تنقطع عن الرجاء. وهنا تتجسد حقيقة هذه الآية العظيمة: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾. فالله لا يغيب عنه وجع عباده، ولا تخفى عليه دمعة سقطت في عتمة الليل، ولا تنهض نفس مثقلة بالدعاء إلا وهو سبحانه أعلم بما فيها، فهي ليست كلمات تُتلى، وإنما معنى يربط القلوب بربها حين تشتد المحن وتتوالى الابتلاءات، بل أكثر فهي قبس من نور ممتد في نفق أنهكته حُلكة سواده. وربما لهذا لا يكون الحزن خصماً ينبغي إنكاره، ولا الدمع ضعفاً ينبغي إخفاؤه، ما يحتاجه الإنسان أحياناً ليس الهروب من مشاعره، بل أن يمنحها حقها دون أن يستسلم لها، وأن يتذكر أن رحمة الله أوسع من كل ما يثقل صدره، وأن لطف الله قد يأتي في صورة لا يتوقعها، وفي وقت يظنه أبعد ما يكون. ولعل أعظم ما تمنحه لنا هذه الآية أنها تذكّرنا، في أكثر اللحظات قسوة، بأننا لسنا متروكين لأنفسنا، وأن في معية الله ما يكفي لطمأنة قلب أنهكه الانتظار، واحتواء روح أرهقتها الحياة، وإحياء أمل ظن صاحبه أنه خبا إلى الأبد. ختاماً… تمضي الأيام، ويبقى الحزن جزءا من التجربة الإنسانية، لكنه لا يملك أن ينتصر ما دام القلب عامراً بالحمد، وما دام في الروح يقين بأن الله يرى ويسمع ويرحم ويحفظ عباده. ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾؛ آية يكفي أن تستقر في القلب ليهدأ، وتطمئن النفس، ويدرك الإنسان أن الطريق مهما اشتد ظلامه فإن نور الله أقرب مما يظن، وأن الفرج يأتي من حيث لا يحتسب، وأن من كان بعين الله ورعايته فلن يضيعه الله أبداً.
891
| 02 يونيو 2026
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز...
5493
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية...
3033
| 24 سبتمبر 2026
ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ...
2214
| 23 سبتمبر 2026
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم...
1038
| 27 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص...
777
| 28 سبتمبر 2026
كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن...
726
| 23 سبتمبر 2026
-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع...
567
| 27 سبتمبر 2026
في الثالث والعشرين من سبتمبر، لا يحتفل العالم...
519
| 22 سبتمبر 2026
يحظى المعلم في دولة قطر بالاهتمام الكبير والتقدير...
462
| 25 سبتمبر 2026
اليوم تنطلق في جدة النسخة الـ 27 من...
429
| 23 سبتمبر 2026
في قلب النهضة الشاملة التي تعيشها قطر، يبرز...
423
| 28 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية