رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا أدري من صاغ رد الشركة المنشور يوم السبت الماضي، وهل هو على مستوى موظفي العلاقات العامة أو مستوى إدارة الشركة، ولكن أيا كان الرد، فهو اقتصر على نفي كل شيء باستثناء الدعم اللا محدود الذي يحصل عليه المشروع من سمو أمير البلاد المفدى وولي عهده الأمين، وحتى هذه النقطة لم يكد يجزم بها عندما قال: "ولعلنا نصيب إذا قلنا بأنه بدون دعم سمو الأمير وولي عهده الأمين..."
قبل أن أرد بالتفاصيل، انوه بأنه منذ نشر المقال وصلني العديد من الرسائل وتلقيت كثيرا من المكالمات تثني على المقال وكانت إحداها من الزميل أحمد الرميحي رئيس تحرير جريدة العرب، يحيلني الى موضوع نشرته "العرب" نقلاً عن الفايننشال تايمز البريطانية في 1 أبريل 2011، ذكرت فيه ارتفاع أسعار الشراء في اللؤلؤة، حيث تقول فيه الجريدة: "إن الشراء في الدوحة — يقصد اللؤلؤة — ليس صريحاً وواضحاً كما يقول سامي يوسف المدير الإداري في "بيتر هومز" للعقارات، اذ يقول: من بين المشاكل الأخرى هناك توصيل "قطر كوول" للتبريد وهو رسم إضافي يضاف عند اكتمال البناء لتوصيل الماء والتكييف والكهرباء، وقد دفع صديق لي 86 ألف ريال، الأمر الذي مثل صدمة له. وقد فاجأت التكاليف الخفية هيثر النويري وهي مواطنة أمريكية اشترت شقة في اللؤلؤة في عام 2007 بمبلغ 3 ملايين ريال قطري، حيث تقول "إن علينا دفع 7،300 ريال شهريا من أجل الصيانة، وهو ما لم يكن موجودا في الأوراق الأصلية". انتهى كلام الفايننشال تايمز.
وقد أثبت الرد ما قلته في مقالي السابق بأن الشركة المتحدة "أقل المتضررين وأقل المتحمسين لإيجاد حل لهذه المعضلة. وكان التعالي واضحاً في اتهام المستثمرين والمطورين بالفشل، وفي "أن استثمارات الشركة غير مسبوقة ومتميزة يتقاصر عنها اعتى تسونامي وينكسر أمامها ". مع أننا لم نلق كل اللوم على الشركة المتحدة ولكننا أبرزنا مشكلة نعتقد أن الجهود يجب أن تتضافر بين الشركة المتحدة والمطورين والمستثمرين للخروج بحلول وسط تعيد الحياة إلى الجزيرة.
وجاء رد الشركة نافياً لمسألة قيام الحكومة بشراء شبكة الكهرباء في الجزيرة، وكاد يثبتها عندما ذكر مبلغ الـ 1.4 بليون ريال وبأن الشركة لم تتسلم أي دفعات مقابل استملاك كهرماء للمحطات حتى اللحظة". وأنا أجزم بأن المخطط للمشروع كان في تسلُم وصلة الكهرباء الحكومية وشراء الطاقة على بوابة الجزيرة، على أن تقوم الشركة المتحدة بتوزيعها في الجزيرة وبيعها للسكان بمعرفتها وبأسعارها!!
وبعد أن تعثر المخطط لأسباب لا نريد أن نسترسل في ذكرها، استجدت الشركة الحكومة للتدخل وإنقاذها من ورطتها بأن قامت الدولة بشراء المحطات والخطوط في الجزيرة بالسعر المذكور. وأنا أعرف عن هذه الجزئية كما أعرف أن بيدي 10 أصابع.
مشكلة اللؤلؤة التي تتجنب الشركة إقرارها هي عزوف الناس عن الشراء في الجزيرة، ومن اشترى لغرض الاستثمار أو التطوير والبيع لاحقاً تورط في أسعار باتت أعلى من أسعار السوق. وما ذكرته عن ملاحظات المشاركين في معرض العقار السادس عن أسعار البيع وتكاليف ورسوم المعيشة في اللؤلؤة وما ذكرته صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية ما هو إلا إثبات لأمر مؤكد لا ينكره إلا مكابر.
وجاء تبجح الشركة في الرد على هذه الجزئية في أن "الرسوم والمصاريف والتكاليف تقل عن كثير من المشاريع المماثلة، وذلك لأن الشركة المتحدة للتنمية تدعمها من حر مالها"!! ونحن نعرف أن مشاريع كثيرة مشابهة في دبي تدفع فيها رسوم أقل من اللؤلؤة. ولكن لا ندري ما مقصد الشركة من "أنها تدعمها من حر مالها"!! أليس هو مال مساهمي الشركة وما حققته الشركة من أرباح بلغت 515 مليون ريال في عام 2009 و617 مليون ريال في عام 2010 والسنوات السابقة، وهي أرباح جاءت من عمليات البيع في الجزيرة ودفع قيمتها المستثمرون والمطورون والملاك؟!! وهل للشركة أموال من مصادر أخرى غير "حر مالها"!! أفيدونا أفادكم الله.
أما ما ذكره الرد بشأن الرسوم التي لا تتعدى الـ 6 ريالات شهرياً على المتر المربع التي تحصلها الشركة، فهذه الرسوم ليست آخر المطاف بالنسبه للملاك، فهناك تكاليف سنوية تقارب 150 ريالا للمتر المربع، تدفع لما يسمى بـ "اتحاد الملاك" الذي تفرض الشركة المتحدة قيامه في كل برج لصيانته والحفاظ عليه. وإن كان هذا الاتحاد يتألف من الملاك لكنه في النهايه يستوجب دفعات مفروضة وملزمة ولا مهرب منها بغض النظرعن مَن المستفيد!. وحسب علمنا فإن اتحاد الملاك الذي تشير إليه "المتحدة" في ردها، اتحاد على الورق فقط، ولم نستطع الوصول إلى أي شخص يتحدث باسم هذا الاتحاد بالرغم من تحدثنا الى العديد من المطورين والمستثمرين والملاك.
وفي ذات الجزئية المتعلقة بالرسوم والمصاريف، سأختار 3 تعليقات من ملاك نشروا تعليقاتهم في موقع Arabian Business.com في يوليو 2009، رداً على اتهامات نفتها شركة قطر كوول — شركة مملوكة 51% من الشركة المتحدة — بشأن ارتفاع تكلفة توصيل التكييف التي تراوحت بين 50،000 و 146،000 ريال. يقول كاتب المقال الكس دلمر مورغن: "يبدو الأمر أشبه بمقولة "انه ليس خطئي". فشركة قطر كوول تلقي باللوم على المطورين، والمطورون يلقون باللوم على قطر كوول، والضحية هم الملاك. ويطالب كيفن مكدونلد بتدخل الحكومة القطرية لإنقاذ المشروع بقوله: "الشركة المتحدة ستخنق المشروع، اللؤلؤة ستموت موتة بطيئة. فالطلب من المالك دفع 150،000 ريال لتوصيل الخدمات المختلفة ليس إلا ابتزازا". والأهم ماقاله آخر على نفس الموقع: "لدي سؤال واحد أود أن أوجهه للشركة المتحدة والمطورين الآخرين وشركة قطر كوول ألا وهو: أتدرون من الذي بمقدوره أن يعمل على إنجاح مشاريعكم أو إفشالها؟ الجواب ببساطة هو العميل". والسؤال الآن: كم عدد العملاء الراضين وغير الراضين عن الوضع والأسعار في الجزيرة؟
كما قلت، فقد غاب عن أصحاب الرد المقصد الأساسي من المقال وهو عزوف الناس عن الشراء أو السكن في الجزيرة للأسباب التي ذكرتها. فالمشروع ليس جزيرة ذكية وأنظمة بيئية فقط وإنما حياة وتعايش طالما سوقت لها الشركة في إعلاناتها وتصريحاتها وموقعها الإلكتروني. فالترويج للجزيرة كان في أنه سيقطنها 41 ألف نسمة حال انتهاء المشروع في 2011. ونحن نعلم أن أول القاطنين سكن الجزيرة في 2009. والسؤال الآن: كم عدد قاطني الجزيرة اليوم مقارنة بالمتوقع؟ وأرجو ألا يأتي الجواب أن هذا ليس من شأنكم وأنكم غير مسؤولين عن عدم سكنى الوحدات التي بيعت.
جاء في رد الشركة تساؤل يلقي باللوم والفشل على الشركات والمستثمرين: لماذا نجح البعض وفشل آخرون في تسويق مشاريعهم؟ والتساؤل لا يحتاج الى "اينشتاين" ليجيب عنه. من نجح كان قد اشترى المتر بـ 7،000 ريال وسوقه بـ 10،000 ريال، ومن فشل كان اشترى المتر بـ 17،000 ريال ولم يستطع تسويقه بـ 17،001 ريال بعد ان ضربت الازمة العقارية السوق وهوت بالأسعار إلى أدنى بكثير من سعر الشراء. فهل هذا يحتاج الى تساؤل من الشركة حتى تفهمة!!
ثم — عذرا — أيها المتحدة، لماذا فشلت شركات لديها خبرة عقارية كبيرة أدارت وسوقت بنجاح الكثير من المشاريع في قطر ودول الخليج وفشلت في اللؤلؤة فقط؟! ودعنا نقر افتراضا أن الشركات والمستثمرين فشلوا في التسويق كما تقولون، هل تستطيع الشركة المتحدة أن ترينا مهاراتها في التسويق وتقوم بالتسويق نيابة عن الفاشلين الآن، وبالأسعار التي اشترى بها الكثير من المستثمرين والملاك. وهل يمكنها التنازل عن الـ 2.5% من قيمة إعادة البيع للآخرين لتحسن من العائد الاقتصادي لعمليات بيع الوحدات مع أن هذا لا يكلفها أي درهم إضافي.
وفي ختام خطابها تدعونا الشركة لزيارة مواقع العمل في الجزيرة، وتتمنى علينا في ردها أن نتأكد من معلوماتنا قبل النشر، وأن "ليس كل ما يلمع ذهباً ". وهذه حقيقة لا نختلف عليها، ونذكرها ايضاً بأن ليس كل ما في البحر لؤلؤاً. وإذا كانت لنا زيارة للجزيرة، فليس لمواقع العمل أو مشاهدة عمارات خاوية، بل للاطلاع على ملفات الشركة ودفاترها حتى نتأكد إذا ما كانت معلوماتنا التي نشرناها صحيحة أم خاطئة. وإذا كانت صحيحة فتأكيدها للمساهمين حق لهم، واذا كانت خاطئة لهم منا اعتذار ينشر على مقدار الصفحة يصحح المفاهيم المذكورة وجزئياتها.
وكلمة أخيرة لمن يهمه الأمر، مشروع اللؤلؤة مشروع وطني في المقام الأول كونه فريداً من نوعه في قطر وواجهتها الحضارية الجديدة. فالجزيرة ليست عمارات ووحدات سكنية وممشى تجاريا فقط، بل يجب أن تموج بحركة تعج بالحياة من سكان ومرتادين لهذا الصرح المميز. ومن قصر النظر الادعاء بأن المشروع بألف خير كما تدعي الشركة المتحدة، في حين أن هناك عددا من القضايا المتشابكة في المحاكم بين المتحدة والمطورين والملاك، وما زالت مئات الوحدات تنتظر سكانها. الوضع يحتاج إلى دراسة ومراجعة للخروج بأفضل الحلول وأنسبها. وليست الملامة كلها على المتحدة، ولكنها ليست في حل من أنها جزء من المشكلة. وإذا أردنا الخير لهذا المشروع فعلى الأطراف كلها أن تضحي من أجله. وإذا خطا المطورون والمستثمرون خطوة في اتجاه حل وسط، فعلى المتحدة أن تخطو خطوتين. فنجاح المشروع أو فشله يقعان في المقام الأول على عاتقها.
نشرت "الشرق" في عددها الصادر يوم الأحد الماضي 10 أبريل 2011 ردا من شركة المتحدة للتنمية على مقالي المنشور في ذات الجريدة يوم 3 أبريل تحت عنوان "تسونامي جزيرة اللؤلؤة".. وجاء الرد خاليا من أي إقرار بأن هناك أي مشكلة في جزيرة اللؤلؤة، وبالعتب على كاتب المقال في إبراز وجهة نظر واحدة "بُنيت على القيل والقال وضرب الأمثال" وعدم الرجوع لسماع رأي الشركة المتحدة، وأننا نسبنا الكلام إلى مجهولين وغاب عنهم أن خطابهم جاء من مجهول بدون اسم أو توقيع.
ملتقى المكتسبات الخليجية.. نحو إعلام خليجي أكثر تأثيرًا
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام... اقرأ المزيد
240
| 13 مايو 2026
على جبل الأوليمب.. هل يمكن؟
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء.... اقرأ المزيد
132
| 13 مايو 2026
اصحب كتاباً
يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر من مايو 2026 بإطلالة جميلة المحيا معرض الدوحة الدولي للكتاب... اقرأ المزيد
51
| 13 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4239
| 07 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
1689
| 12 مايو 2026
من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً وتكراراً وسوف نظل نتكلم عنها دون كلل أو ملل لبالغ أهميتها وعظيم تأثيرها في المجتمعات وما تشكله من معاناة للبعض من غير المقتدرين الذين يرغبون بتحصين أنفسهم بالزواج لكيلا يقعوا في الرذيلة لكن تكاليف الزواج التي جَنح بها حب المظاهر عن عواديها السليمة وحوَّلَها من ضرورة التيسير فيها إلى التعسير وابتعدت بها المبالغات في التكاليف كثيراً عن حدود المنطق والعقل في زمن للأسف الشديد لم يعد لمعظم الرجال كلمة الفصل في هذه القضية وأصبح زمام المبادرة وتحديد قائمة الطلبات التي لها أول وليس لها آخر بيد النساء وقول الفصل لهُن ولم يكتفين بذلك وحسب بل لهن اختراعات كل فترة وفترة في ذلك تزيد من طين تعقيد الأمور بلة! وزادت التكلفة حتى أصبح المُقدم على الزواج يفكر ألف مرة قبل الإقدام عليه بعد أن بلغت تكاليفه مبالغ كبيرة لربما لا طاقة للراغب بالزواج في تحملها مما دعا البعض للزواج من جنسيات أُخرى لقلة التكلفة مما تسبب بزيادة في نسبة من فاتهن قطار الزواج وضاعت عليهن فرص كانت سانحة وفي متناول اليد في الزواج لولا حب المظاهر الخداعة وفلانة عملت عُرساً خُرافياً تكلم عنه القاصي والداني يقولون كلف الملايين. ونحن نعلم أنه أصبح للزواج قائمة كبيرة من المراحل تسبق حفلة الزواج حفلة للملكة وحفلة للخطوبة وحفلة للحناء ودخل على الخط حديثا حفلة في بيت المعرس تنقل لها مراسم حفل خاص بالرجال يستقبل فيه المعرس المهنئين ينقل على الهواء مباشرة والذي أصبح يوم له ويوم آخر لعرس النساء يكون في إحدى الصالات باهظة الثمن. والسؤال الذي يطرح نفسه هل أنزل الله سبحانه بكل هذا من سلطان؟ وهل أمر رسولنا بذلك أم أنه صلى الله عليه وسلم أمر بالتيسير قدر المستطاع فكما يقولون ما هان استبرك. فبعد أن بلغ السيل الزُبى بخصوص ارتفاع تكاليف الزواج ألم يأن الأوان للجهات الدينية الرسمية أن تتدخل وتضع حداً لكل هذا وتحدد تكاليف الزواج بمبلغ يكون مقبولا ومعقولا بحدود المستطاع ولا يُترك الحبل على الغارب بأي حال من الأحوال لعدم التمادي أكثر في هذا السلوك غير السوي الذي لا يساعد على إصلاح المجتمعات وانتشار الفضيلة ومكارم الأخلاق التي تُعد صمام أمان للمجتمعات المسلمة؟ فالزواج يُعالج مشاكل مجتمعية وأخلاقية قصيرة وبعيدة المدى قد يجهلها المجتمع النسوي الذي للأسف أصابه داء حب المظاهر لدرجة كبيرة وغير مقبولة في ظل عدم وجود دور لبعض الرجال ضعفاء الشخصية في هذه القضية التي أصبح للنساء القول الفصل فيها؟! فهن من يحددن طلبات الزواج وهُن من يتفنن في ذلك وهُن من تسببن بتزايد العنوسة وكم من الفرص ضيعوها على حساب سعادة بناتهن؟! وآخر الكلام نيل النساء كامل حقوقهن في الدول شيء جيد ولكن يجب أن يكون ذلك بحدود محسوبة ومضبوطة حتى لا تخرج الأمور إلى خارج نطاق السيطرة وينسون أن الرجال قوامون على النساء..
1002
| 11 مايو 2026