رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ أن أعلنت لجنة الانتخابات الرئاسية المصرية قائمة المرشحين المحتملين لمنصب رئاسة جمهورية مصر العربية، لفت ذلك الإعلان انتباه العالم أجمع، ووجد موضوع الانتخابات الرئاسية اهتماما وصدى واسع النطاق على كل المستويات، وتباينت الآراء حول من سيعتلي كرسي الرئاسة المصرية، لما لمصر من موقع هام في الوطن العربي والمجتمع الدولي، فلقد عانى الشعب المصري كثيرا في ظل النظام السابق من حرمان للديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتردي الاقتصادي والبطالة، ومن حقه أن يهنأ بالاستقرار الاقتصادي، ويستأصل من جسده المنهك سرطان الفساد.
فمنذ سقوط حكومة النظام السابق وتنحي الرئيس حسني مبارك ومن ثم محاكمته، وسطوع نجم التيارات الإسلامية بصورة لافتة في سماء الحياة السياسية المصرية وسيطرتهم على مجلسي الشعب والشورى، تسارعت وتيرة الأحداث مع إعلان جماعة الإخوان المسلمين في مصر ترشيح أحد كوادرها لخوض الانتخابات الرئاسية، بعد الوعود السابقة التي أطلقتها الجماعة في أعقاب سقوط نظام مبارك بعدم تقدم أي من أعضاء الجماعة لخوض سباق الترشح الرئاسي، مما وضع مصداقية الجماعة على المحك، وظهر هذا جليا من خلال ردود الأفعال الغاضبة احتجاجا على تلك الخطوة، حيث تعرضت الجماعة إلى سيل من الانتقادات من داخل وخارج الجماعة في أعقاب ذلك الإعلان المفاجئ، كما تقدم اثنان من قياديي الجماعة باستقالتيهما.
واعتبر كثير من المحللين إعلان الجماعة عن ترشيح خيرت الشاطر - أحد قياداتها البارزين - تغييرا مفاجئا في مواقفها يضعها في خط المواجهة الأمامي مع عدد من التيارات في الساحة السياسية المصرية، والتي رأت أن الجماعة تتطلع صوب الهيمنة الكاملة على المشهد السياسي لما بعد الثورة، ودليلا آخر على ازدواجية مواقف الجماعة، لأنهم ومنذ البداية علت أبواقهم وأعلنت بأن الجماعة لا تطمح ولا تطمع في الرئاسة ولا في الحكم.
وأثار إعلان جماعة الإخوان المسلمين عن مساعيها الحثيثة للتوصل إلى "مرشح توافقي" جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية، وكانت صحيفة الحياة قد أشارت إلى أن جماعة الإخوان المسلمين تجري اتصالات مع شخصيات لإقناعها بالترشح وأنها ستدعم عمرو موسى إذا لم تتفق مع مرشح جديد. وبعد هذا السيناريو، يتفاجأ الرأي العام بتقديم جماعة الإخوان لأوراق خيرت الشاطر كمرشح للرئاسة، مما أفقد جماعة الإخوان المسلمين مصداقيتهم، وأفضى ذلك إلى تباين حاد في الآراء فيما بينهم مما ينبئ بأن شرخا قويا ربما يحدث في تماسك جدار عضوية الجماعة، حيث جاء مرشحهم من بني جلدتهم وليس كما أعلن المرشد العام، أنه توافقيا.
وكما يعلم الجميع بأنه وعلى مدار عقود من تجارب الأنظمة السياسية في دول مختلفة، فإن رئيس الحزب يغدو هو نفسه ليصبح رئيس الدولة، لذا يأخذنا المشهد الحالي في مصر إلى المشهد الإيراني الواضح للعيان، حيث يلجأ رئيس الدولة إلى الرجوع للمرشد الأعلى، مما يجعله في وضع تصادمي في اتخاذ القرارات السياسية، والمشهد المصري الحالي يراه المراقبون متضاربا فيما هو معلن وما هو غير معلن، كما نجد أن معظم المرشحين والأحزاب تتضارب آراؤهم وأقوالهم كلما اقتربت ساعة الصفر لاعتلاء كرسي الرئاسة.
والمراقب للمشهد السياسي المصري عن كثب يرى، وبعد جلوس وتربع الدكتور الكتاتني على كرسي مجلس الشعب، وبعد أن حازت الجماعة والتيارات الإسلامية ثقة الشعب وهيمنتها على مجلسي الشعب والشورى، أنه قد تلألأ بريق النفوذ والطمع صوب عرش أكبر دولة عربية، في أعين أعضاء جماعة الإخوان المسلمين. ويرى الكثيرون سعي جماعة الإخوان المسلمين للاستئثار بكل مقاليد السلطة ومحاولة فرض الهيمنة الكاملة على مؤسسات الدولة ومراكز صنع القرار في مصر، بأنه مغامرة كبيرة تعكس تحولا جذريا عن نهجها القديم في اعتماد الحذر وتلمس خطواتها السياسية طيلة عقود ماضية.
واشتعل السباق الرئاسي المحموم مع إعلان اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات المصرية السابق ونائب رئيس الجمهورية في آخر أيام نظام مبارك، الترشح للمنصب استجابة - حسب قوله - لمطالب الآلاف من أنصاره، الأمر الذي أثار جدلا واسعا في الشارع المصري، وبانضمام اللواء عمر سليمان إلى قائمة مرشحي الرئاسة في مصر، تباينت ردود أفعال مختلفة على الصعيدين المصري والدولي، ففي حين رحبت به أوساط شعبية مصرية ورأت فيه المنقذ القادم لمصر من أتون الفوضى العارمة والتسيب الأمني، وغيرها من الأزمات التي ظل يعاني منها الشعب المصري بعد ثورة 25 يناير، رفضت قوى أخرى مبدأ ترشح أحد رموز النظام السابق واصفة إياه بأنه كان لصيقا لنظام مبارك، وأن مجرد ترشحه لرئاسة الجمهورية يعتبر إجهاضا لهذه الثورة - كما ورد في بيانات عديدة أصدرتها بعض القوى السياسية.
ويرى مراقبون بأن قرار ترشح اللواء عمر سليمان جاء بسبب المخاوف من السيطرة المطلقة للإخوان المسلمين على كافة مقاليد السلطتين، التشريعية والتنفيذية بالإضافة لمنصب رئاسة الجمهورية، لا سيما بعد ترشيح جماعة الإخوان المسلمين للمهندس خيرت الشاطر ولتفادي المشهد الإيراني في مصر.
وإذا نظرنا من الزاوية العربية محلقين فوق المشهد الانتخابي للرئاسة المصرية، فسوف نجد أن عمرو موسى هو الأقرب لرئاسة مصر، لعلاقاته المتجذرة مع كل رؤساء وقادة العالم، كونه قضى ثلاثين عاما في مسيرته الدبلوماسية والسياسية، حيث عمل سفيرا ووزيرا للخارجية وأمينا عاما لجامعة الدول العربية.
فالفترة الحرجة التي تمر بها مصر تحتاج إلى رئيس ذي خبرة طويلة وعلاقات مستدامة تمكنه من قيادة الدفة بأمان وأمانة، لأن مصر دولة كبيرة وتقع على عاتقها مسؤوليات جسام بحكم مكانتها وموقعها الجغرافي والسياسي، تستوجب خبرة ودراية تامة فيمن يقودها في الفترة المقبلة. بالإضافة إلى أن ترشيح عمرو موسى للرئاسة لم يجئ إلا بناء على رغبة أعداد كبيرة من شباب الثورة المصرية، وفي هذا الجو الربيعي لانتخابات الرئاسة المصرية لا يمكن التغاضي عن رغبة الشباب الذين صنعوا ربيع الثورة.
وامتدادا للجدل الذي أثير داخليا وخارجيا حول ترشح عمرو موسى للرئاسة فى مصر، والحملة الشعواء التي يتعرض لها من الرافضين لترشحه في هذه المرحلة، باعتباره من أركان النظام القديم، إلا أنه لا يختلف اثنان على كون عمرو موسى يعتبر أشهر وأقوى المرشحين للرئاسة في مصر حتى الآن، بالإضافة إلى أن شعبيته قد تجاوزت الآفاق خلال فترة طويلة من فترات عمله الدبلوماسي الدؤوب، لما عرف عنه من مواقف حاسمة وتصريحات جريئة، خاصة عندما كان يقوم بأعباء وزارة الخارجية في التسعينيات.
وبينت استطلاعات للرأي أجرتها صحيفة الإندبندنت البريطانية، أن لعمرو موسى الحظ الأوفر في الفوز بالمنصب، رغم أن الكثير من المصريين لم يتخذوا قرارا بعد، حسب ما ذكرت الصحيفة. كذلك أكد المحامي نجيب جبرائيل رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان، على إجراء استطلاع للرأي حول دعم الأقباط لمرشحي الرئاسة، والذي أجري على عينة شملت ثلاثة آلاف شخص في كل محافظة شملت المرأة والشباب والمثقفين والفلاحين والعمال وأصحاب الأعمال من الأقباط، حيث جاءت نتيجة الاستطلاع بحصول عمرو موسى على نسبة 78% من أصوات الأقباط.
ويبدو أن كفتي الميزان تتأرجحان الآن فيما بين عمر وعمرو، إذا ما استثنينا مرشحي التيارات الإسلامية، رغم أن الرجُلين قد خرجا من رحم النظام السابق، ورغم خبرتهما الطويلة في التعامل مع كثير من القضايا السياسية الحساسة والمعقدة، سيجعل فوز أحدهما مريحا للعديد من ألوان الطيف السياسي المصري، فالمصريون ليسوا مستعدين لتكرار المشهد الإيراني على الساحة السياسية المصرية وسيطرة التيارات الإسلامية على الدولة.
على أية حال، ستبدي لنا الأيام ما كنا نجهل، وسيأتينا بالأخبار من لم نزوّدِ، فالشعب المصري من الذكاء بحيث يستطيع أن يميز بين الغث والسمين، وبالتالي لن تكون هناك سانحة لأي كان باستغلال هذه المعركة السياسية لحسابه عن طريق الخداع، مهما وصل به المكر السياسي، طالما أن هذه المعركة تدور رحاها في ساحة مطوقة تماما بإطار من القانون والعدالة.
رئيس تحرير جريدة البننسولا khalid@pen.com.qa
المؤسسات المالية الخليجية وصياغة معادلة الثقة
تشهد الأسواق العالميّة تطوّرات مستمرّة في تغيّر أسعار الفائدة وتبدّل موازين الاقتصاد الدولي وتطور المشهد الجيوسياسي، ليتبلور بذلك... اقرأ المزيد
54
| 11 يونيو 2026
الإجازة الصيفية.. ما الذي يبقى في ذاكرة الطفل؟
ينتظر الأطفال الإجازة الصيفية بفرح كبير بعد عام دراسي مليء بالتعلم والالتزام، لكنها ليست مجرد وقت للنوم الطويل... اقرأ المزيد
66
| 11 يونيو 2026
الإنفوجراف الذكي والتحصيل الأكاديمي
في إنجاز يعكس أهمية البحث التربوي في تطوير العملية التعليمية، حققتُ المركز الثالث في فئة البحث الإجرائي للمعلمين... اقرأ المزيد
33
| 11 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2175
| 09 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
1746
| 10 يونيو 2026
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص الذين لديهم القدرة على التحليل والتفكير للوصول إلى حلول مفيدة لأوطانهم وشعوبهم على المديين القريب والبعيد، فلا يعقل أن تظل دولنا الخليجية رهينة لهذا التهديد الذي يتم استخدامه ضدها في كل خلاف في المنطقة، وكما يرى الجميع فإنه في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، يعود اسم مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية، ويكفي أن تلوح أي جهة بإمكانية تعطيل الملاحة فيه حتى ترتفع المخاوف العالمية بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ولذلك لا بد من تغيير السؤال الذي هو سائد حالياً والذي يركز على "كيف نحمي مضيق هرمز فقط؟"، بل لا بد أن يتم التركيز على كيفية التقليل من أهميته الاستراتيجية بحيث لا يصبح نقطة ضغط يمكن استخدامها كلما تصاعدت الخلافات أو الأزمات، والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الجغرافيا ثابتة، بينما تتغير التحالفات والسياسات والمصالح، وقد أثبتت التجربة التي نشاهدها ونعيشها واقعاً ملموساً أمامنا اليوم، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاعتماد على ممر واحد لنقل الجزء الأكبر من صادرات الطاقة يمثل نقطة ضعف استراتيجية مهما كانت الضمانات الأمنية القائمة في أي مرحلة من المراحل. ومن هنا فإن التفكير المبدئي يقتضي العمل على إيجاد بدائل عملية تقلل من الاعتماد على المضيق دون أن تلغي أهميته الطبيعية كممر دولي حيوي سيبقى كما هو ممراً هاماً وحيوياً ما بقيت الجغرافيا على حالها، وعليه فإن أول هذه البدائل يتمثل في التوسع في شبكات الأنابيب البرية التي تربط حقول النفط والغاز بالموانئ الواقعة خارج الخليج العربي، سواء على بحر العرب أو البحر الأحمر أو غيرها من المنافذ البحرية، فكل برميل نفط أو شحنة غاز يمكن تصديرها بعيداً عن مضيق هرمز تعني تقليل حجم التأثير الذي قد ينتج عن أي اضطراب محتمل في الملاحة. كما أن تطوير الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية الخليجية بصورة تكاملية، وليس بصورة منفردة، سيمنح دول المنطقة مرونة أكبر في مواجهة أي تحديات مستقبلية، فالمعادلة لم تعد تقوم على قدرات كل دولة بمفردها، وإنما على قدرة المنظومة الخليجية ككل على العمل كوحدة اقتصادية وأمنية متماسكة وموحدة، والتجربة أثبتت أنه لا بد من التعامل مع المخاطر الخارجية بكل صورها وأنواعها، ويجب التعامل معها بروح الفريق الواحد والجسد والكيان الواحد. وهنا نصل إلى النقطة الأهم، وهي أن أي أفكار لتقليل أهمية مضيق هرمز لا يمكن أن تنجح ما لم تسبقها وحدة حقيقية في الرؤية والأهداف بين دول الخليج العربية، فالتحديات المشتركة لا يمكن التعامل معها بسياسات متفرقة أو حسابات ضيقة، بل تحتاج إلى تنسيق استراتيجي طويل المدى يتجاوز ردود الأفعال المؤقتة. فالمطلوب ليس فقط تعزيز التعاون الأمني، بل بناء تصورات خليجية موحدة لأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية، بحيث تجعل أي محاولة لتهديد حرية الملاحة عملاً غير مجدٍ من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وتؤكد أن أمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية ومصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة. كما أن هذه الاستراتيجية يجب أن تنطلق من افتراض واقعي، وهو أن التحالفات والمصالح والعلاقات الدولية تتغير باستمرار، فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة قد يبقى على مستواه الحالي أو يتقلص أو يتغير شكله أو حتى ينتهي في مرحلة من المراحل، وفي عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، لا يمكن بناء الخطط الاستراتيجية على افتراضات ثابتة بشأن دور أي قوة خارجية، أما الجغرافيا فهي الحقيقة الوحيدة التي ستبقى كما هي، ولذلك فإن بناء عناصر القوة الذاتية والتكامل الخليجي يصبح ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً مؤقتاً. إن تقليل أهمية مضيق هرمز لا يعني الاستغناء عنه، فذلك غير ممكن عملياً، لكنه يعني تقليل القدرة على استخدامه كورقة ضغط أو مصدر قلق دائم، وهذا الهدف لا يتحقق بالشعارات، بل بالاستثمار في البدائل، وتعزيز التكامل الخليجي، وتوحيد الرؤية الاستراتيجية، وبناء منظومة إقليمية قادرة على حماية مصالحها بنفسها في عالم تتغير فيه التحالفات، بينما تبقى الجغرافيا ثابتة لا تتغير. ولذلك فإن أول خطوة على الطريق هي أن تتفق دول الخليج على أن أمنها الاستراتيجي موحد، وأن مستقبلها الاقتصادي مترابط، وأن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب موقفاً موحداً ورؤية بعيدة المدى. فعندما تتوحد الأهداف، تصبح التحديات مهما كبرت أكثر قابلية للإدارة والاحتواء، وتتحول نقاط الضعف إلى عناصر قوة واستقرار.
984
| 07 يونيو 2026