رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يوم الأربعاء الماضي 4/4 قام الداعية الشيخ علي بن عبدالرحمن الجفري المشتهر بالحبيب الجفري بزيارة للمسجد الأقصى المبارك فيما بدا استجابة لدعوة رئيس السلطة الفلسطينية ووزير أوقافها ومخالفة لما يكاد يكون إجماعا بين علماء الأمة ومخلصيها من رفض وتحريم هذه الزيارة واعتبارها فاتحة باب واسع من أبواب الفتنة وتجرئة للسفهاء والمنحرفين والناشزين من السياسيين على التطبيع مع الاحتلال.
الذريعة التي تشبث بها الشيخ الزائر لم تكن جديدة بمعنى أنه لم يكتشف شيئا كان خافيا عليه وعلى الرأي العام من قبل.. ذريعته هي ما ردده دائما مروجو التطبيع المنسلكون في هوى الاحتلال.. وهي دعوى مناصرتهم القدس والالتفاف على محاولات تهويدها.. اللافت أن الجفري رافقه في هذه الزيارة شخصيات رسمية محسوبة على معسكر التسوية والتطبيع، وقد أعطى وجودهم معه وحرصهم على رفقته دلالات محددة عما تعنيه هذه الزيارة سياسيا وعما يراد أن تمثله في الإعلام الديني باعتبار شخص الشيخ الزائر وباعتبار التوقيت الذي تأتي فيه زيارته.
وأقول: لا بد من تقرير أن للشيخ الجفري كما لأي شخص غيره حق أن تكون له أشواقه وعواطفه تجاه بيت المقدس بل هي واجبة عليه، وعلينا أن نحسن الظن به كما بكل مسلم ابتداء.. لكن من حقنا أيضا أن نلاحظ جملة القرائن التي تصرف هذه الزيارة عن ظاهرها لمعنى آخر يجب أن لا نتجاهله.. ونسأل: لماذا لم تكن القضية الفلسطينية في وجدان الجفري قبل هذه الزيارة؟ وأزعم أنني كنت من المتابعين له عبر الفضائيات وأنني بحثت في تسجيلاته الكثيرة - أثناء تحضري لهذا المقال - فلم أقع على موعظة له ولا على خطبة ولا على كتابة تتناول أي عنوان من عناوين القضية الفلسطينية.. ولم أسمعه يوما يتحدث عن رفض الاحتلال، أو تجريم الاستيطان، أو تقبيح مئات وآلاف المجازر الصهيونية، ولم يتكلم في دعم المقاومة ولا في الدفاع عن العمليات الاستشهادية ولا حتى في نقدها، ولا في البحث عن حل الخلافات الداخلية الفلسطينية! بل ولا في كل الشؤون السياسية.. على العكس من ذلك فقد عودنا الشيخ أنه "يلعب في وسط الملعب وبعيدا عن الأطراف" وهو أمر يتبادر للذهن باعتبار اتجاهه الصوفي العاطفي الذي لا يحتك بالواقع العملي للأمة ولا يحاول التمايز كثيرا، لذا فمن حقنا وبالأخص عندما تكون هذه الزيارة إشكالية وعندما يخالف بها جهابذة الأئمة والعلماء والمختصين وجمهرة الوطنيين والمجاهدين والثوار والسياسيين، وعندما تأتي زيارته في سياق دعوة سياسية من جهات موصومة بالتطبيع.. في هذه الحالة يصير من حقنا أن نبالغ في حسن الظن وأن نسأل: أين كان الجفري من القضية ومن القدس كل السنوات الماضية؟ (وقد تجاوز الأربعين من عمره حتى الآن وتجاوزت شهرته الإعلامية العشر السنوات الأخيرة منها)، ونسأل: ما سبب هذا الانتقال من تجاهل الشأن السياسي بالمطلق إلى الاهتمام التفصيلي بالقضية الفلسطينية؟ وعندما أراد الانتقال فلماذا كان خياره فقط خط التسوية وتعزيز معسكر المطبلين؟
قد يكون جاهلا بالحالة الفلسطينية وتفاصيلها، وقد يكون إنما أحسن الظن بجهة ما ولم تكن على قدر إحسان الظن هذا وتكون هي التي زودته بثقافة التطبيع وسوغت له هذه الخطيئة.. ولكن ثمة ما كان يجب يسأله لنفسه.. كيف سيدخل القدس؛ أبتأشيرة صهيونية أم بوساطة دبلوماسية؟ فإن كان بتأشيرة صهيونية فمن أي سفارة سحصل عليها؟ وإن كان بوساطة دبلوماسية فمن الجهة التي سيلجأ إليها ويوسطها في ذلك؟ وفي كل الأحوال كان عليه أن يفهم أن لجوءه للسفارات الصهيونية يعد اعترافا منه بها! وأن رضاءه بوساطات أصدقاء " إسرائيل " له يعد رضى منه عن تلك الصداقات! وكان عليه أن يعلم بالضرورة – إن كان لا يعلم – أن أدنى الإنكار يقتضي مقاطعة ذلك وشنأه لا التقرب منه ولا التوسل عنده أو به.. فإن كان الجفري لا يدري كل ذلك فتلك مصيبة وإن كان يدريه فالمصيبة أعظم!
وإذا كان من الأصول سد الذرائع والتحوط لمنع المفسدة ؛ ألا يخشى الشيخ الفاضل أنه إن تواصلت الزيارات كزيارته، وإن تحقق للعدو " أقول للعدة وليس للقدس ولا للفلسطينيين " ما يريد منها.. أن ذلك سيسوغ فتح عشرات السفارات ومئات القنصليات الصهيونية في طول بلاد العرب والمسلمين وعرضها في كل مدينة وفي كل قرية وفي كل شارع وفي كل حارة.. لتستوعب " المتضامنين مع القدس " أمثال الشيخ المكرم؟ ألا يعني ذلك شيئا بالنسبة له؟ وإن حدثت هذه المفسدة العظمى فهل سيعود ليغلق باب السعير هذا الذي فتحه هو بيده وسيحرم الأمر الذي سمح هو به وولجه هو بنفسه؟ وهل سينفع ذات مندم بعد ذلك؟ وأقول: إن أحسنّا الظن بالشيخ وبزيارته – وسنحسنه كما قلت – فالأرجح أن ميزان المقايسة بين المصالح والمفاسد من هذه الزيارة مضطرب لديه، وبالنظر لما يتردد على لسانه من تبريرات ومن عبارات سياسيين معروفين فالأرجح أنه بني موقفه وفهمه على توصيفات وقراءة هذه الفئة من الرسميين الساقطين والمتهافتين الذين ليسوا يرفضون منطق المقاومة فقط بل ويستهدفونها وينسقون مع العدو ضدها!
أما إن جئنا نبحث الشبهة التي تعلق بها الشيخ ومن قبله وزير أوقاف مصر السابق محمود الزقزوق ووزير أوقاف رام الله الحالي محمود الهباش، وقد سبق أن رددت عليها من قبل ؛ فالشبهة هي: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار مكة في السنة السابعة على أثر الاتفاق مع المشركين في صلح الحديبية.. زارها وهي تحت حكم كفار قريش وطاف بالبيت ومن حوله مئات الأصنام..) قالوا هذه الزيارة كتلك وما تعنيه هذه كالذي تعنيه تلك.. وأقول: هذا قياس فاسد وعلى غير علة مشتركة.. والرد عليه من وجوه؛ 1- فالتأشيرة التي استصدرها الجفري تحت عنوان " التضامن مع القدس " تتساوى مع تلك التي يستصدرها المطبعون الذين يذهبون للمشاركة في مؤتمر هيرتزليا الصهيوني وفي محاضرات الجامعة العبرية وللسياحة الماجنة في كازينوهات تل أبيب ونتانيا وأصدم، والذين يترددون على مرابض المخابرات الصهيونية في القدس وإسدود وعسقلان وتل أبيب.. 2- ليس دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يومذاك كما يدخل هؤلاء القدس اليوم فدخوله صلى الله عليه وسلم كان عنوة وعن قوة وعن اتفاق إخضاعي إكراهي لأعدائه، فيما العدو اليوم يتحكم بالقبول والرفض، وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون مكة يوم دخلوها حاملين السلاح في أغماده استعدادا للحرب عند اللزوم ؛ فيما الجفري وأمثاله إنما يدخلون القدس خاضعين خائفين لا يرتد لأحدهم طرفه خوفا من العدو، ثم إن تلك زيارة مكة تلك قد أغاظت الكفار وجعلتهم يخلون مكة ثلاثة أيام حتى لا يروه صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت؛ فهل لهذا أدنى شبه بزيارة القدس اليوم تحت حراب الاحتلال بل تحت حماية أجهزته وجنوده كما تقول التقارير الإخبارية؟ فهل الجفري ومن أغروه بأن يفعل ما فعل.. هل هم على استعداد أن يقودوا أو على الأقل أن يشاركوا في دخول القدس على ذلك النسق النبوي المحتشد بالعزة والعنوة والسلاح ؛ أم هم إنما يتصيدون الشبهات ويلهثون وراء الفتات ويلجأون فقط للمماحكات؟
وثمة شبهة - لم يقلها الجفري وقد يفطن لها من بعد.. نردها ونسبقه إلى تفنيدها.. هي قاعدة " الضرورات تبيح المحظورات " فأقول: ليس ثمة ضرورة في زيارة القدس ؛ لأن الضرورة إنما تقرر حكما طارئا مقيدا بموضع الاضطرار وكيفيته وبعدم وجود ما يسد فيه إلا صورة واحدة دون سواها ومحرمة في الأصل فتصير تلك الصورة مشروعة لهذه الضرورة.. وأقول هنا وببساطة: 1- كثيرون سوى الجفري ومواطني الدول العربية والإسلامية من فلسطينيين ومن دول أجنبية لها علاقات طبيعية مع العدو يستطيعون زيارة القدس وأن يسدوا موضع الضرورة، 2- ثم إن الضرورة لم تتعين حصرا في زيارة القدس ما داموا قادرين على مباشرة دعنها بكيفيات أخرى ممكنة ومتفق عليها.. فهل فعلوا الممكن حتى يفكروا بمنطق الاضطرار؟
آخر القول: ما قاله الشيخ عكرمة صبري ابن القدس ومفتيها السابق وأحد أبرز علماء فلسطين ذوي الجهود المتواصلة والنوعية في نصرة القدس والدفاع عنها في معرض رفضه ونقده لزيارة الجفري: من يريد أن يدافع عن القدس، فإن عليه دعم سكانها ومؤسساتها، وليس من خلال زيارتها بتأشيرة إسرائيلية وبحماية من الأمن الإسرائيلي".
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
664
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
964
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
603
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3555
| 23 سبتمبر 2026