رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"الوقائع كائنات مقدسة، تُمارس انتقاماً بشعاً من الباحث الذي يتظاهر أنها غير موجودة". لا تنطبق هذه المقولة التي تُنسب لأحد مؤرخي اليونان القديمة على الباحثين فقط، وإنما يصدقُ مضمونها، بدرجةٍ أكبر، على صانع القرار السياسي.
بعيداً عن التحليلات التقليدية، قد تكون "واقعية" الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ومعها صراحتهُ، خيراً على حاضر العرب ومستقبلهم، إذا عرف هؤلاء كيف يتعاملون مع تلك الحقيقة.
نحن اليوم بإزاء رئيسٍ أمريكي يواجهنا كعرب، ربما لأول مرة، بحقيقة أفكاره تجاه المنطقة وأهلها. ليس هذا فقط، بل إنه ماضٍ في طريقه فعلياً، كالبلدوزر، لتنزيل أفكاره، بحيث تصنع السياسات العملية على الأرض.
لا ينفع التعامل مع هذا الواقع "الجديد" بمنطق المناكفة الإعلامية، ولا يجدي فيه بالتأكيد مدخل الشتيمة والهجاء والاستنكار. فالرجل يعمل لتحقيق المصالح القومية الأمريكية كما يراها هو وفريقه من المستشارين والخبراء والساسة. وبغض النظر عن تقويمنا لدرجة النجاح والفشل في ذلك من وجهة نظرنا كعرب، فإن من الواضح أن المقياس الأول والأخير الذي تستخدمه الإدارة الأمريكية الحالية في تعاملها مع المنطقة يتمثل فيما تُظهرهُ كل دولة فيها من قوتها الإقليمية، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وفي كل مجالٍ آخر.
في هذا الإطار، تنبغي قراءة "الاتفاق" النووي الأخير مع إيران بطريقةٍ مختلفة. فرغم التهليل الدعائي والإعلامي الذي شجعته الحكومة الإيرانية داخل إيران وفي المنطقة عن "انتصارها" في المفاوضات، يَطرح تحليل الموضوع بدقة استنتاجاً آخر.
تُمكن العودة، كمثال، لما كتبه حسين شريعتمداري، مستشار المرشد خامنئي، في صحيفة (كيهان) الإيرانية منذ أيام، فالرجل تحدث عن تخفيض أجهزة الطرد من 20 ألفاً إلى 5 آلاف، وعن إجبار إيران على العودة لأقدم نموذجٍ منها، وعن تخفيض حجم المخزون من اليورانيوم المخصب من قرابة 10 آلاف كيلو جرام إلى 300 كيلو جرام فقط! وعن تعهدات إيران في الاتفاق التي وصفها بأنها "تعهدات واضحة وشفافة لا يمكن التنصّل منها"، بينما بالمقابل "لم يلتزم الجانب الغربي بأي شيء"، مع الإشارة أخيراً إلى أن "اتفاق لوزان لم يتحدث عن إلغاء العقوبات، بل عن تعليقها، ناهيك عن أن التعليق يقتصر على بعض العقوبات فحسب، وهذا الإجراء يُنفذ خلال 10-15 عاماً على وقع تقويم (سلوك) إيران".
ليتساءل بعد ذلك: "هل يمكن اعتبار ما حصل في لوزان إنجازاً نفتخر به؟". أكثر من هذا، اعتبر شريعتمداري خلال مقابلة مع وكالة أنباء "فارس" أن "هذا الاتفاق يعني أننا سلمنا الحصان واستلمنا عنانه فقط".
واضحٌ إذاً أن أمريكا حصلت على ما تريده تحديداً، وأنها اصطادت ثلاثة عصافير بحجرٍ واحد: تحييد إيران "نووياً" إلى عقدٍ من الزمن على الأقل، و"تقنين" موضوع الرقابة عليها ليُصبح تدريجياً أمراً طبيعياً كما حدث مع عِراق صدام، وفتحُ "حنفية" الاقتصاد لها قليلاً ليستمر دورُها في استنزاف وإنهاك المنطقة، وهي تجري خلف أوهامها الإمبراطورية المجنونة. لا يجب أن ننسى هنا أمرين: إمكانية إلغاء المعاهدة على الدوام من قبل أي إدارةٍ أمريكية ترى ذلك، وفي أي وقت. والإمكانية الدائمة لعمليةٍ عسكرية تقوم بها إسرائيل حين ترى خطراً حقيقياً في أي تطور.
رغم كل هذا، ستضطر إيران لقبول الاتفاق مُرغمةً لتحقيق هدف رفع العقوبات، وهو الأمر الوحيد الذي سينقذ السلطة الإيرانية، بِمَلاليها وسَاسَتها، من الفشل الكامل. فهذا الرفع سيُنعش الاقتصاد الإيراني لدرجةٍ معينة، ويغطي شيئاً من تكاليف التدخل في سوريا والعراق ولبنان واليمن وغيرها. وهذا ما لا تُمانع به أمريكا، بمنهجها السياسي البراجماتي.
تلك هي المعادلة التي سيضطر العرب للتعامل معها. والمطلوب في التحضيرات للحوار الصعب الذي تحدث أوباما عنه مع الحلفاء الخليجيين رفع السقف إلى أقصاه.
كانت "عاصفة الحزم" الخطوة الأولى في الموضوع، لكن الخطوة الثانية يمكن أن تحصل في سوريا، حيث يمكن قطع شرايين التدخل الإيراني في المنطقة بشكلٍ حاسم. وهو، للمفارقة، ما أشار إليه أوباما نفسه حين ذكر، في مقابلته الشهيرة الأسبوع الفائت في صحيفة نيويورك تايمز، أن دول الخليج يتعين عليها أن تكون أكثر فعاليةً في معالجة الأزمات الإقليمية، وبعد حديثه عن إمكانية قيام أمريكا بـ"القيام بشيء" فيما يخص الموضوع السوري، أكمل قائلاً: "ولكن السؤال هو: "لماذا لا نرى عرباً يحاربون الانتهاكات الفظيعة التي ترتكب ضد حقوق الإنسان أو يقاتلون ضد ما يفعله الأسد؟".
إلى هذا، واصل الرئيس الأمريكي صراحته مع العرب مؤكداً: "إن أكبر خطر يتهددهم ليس التعرض لهجوم محتمل من إيران، وإنما السخط داخل بلادهم بما في ذلك سخط الشبان الغاضبين والعاطلين والإحساس بعدم وجود مخرج سياسي لمظالمهم".
فهل يمكن، كما ذكرنا سابقاً، توظيف الفرصة التاريخية التي ظهرت مع انطلاق "عاصفة الحزم"، والتي مثلت درجة غير مسبوقة من "الالتحام" الرسمي / الشعبي، وحملت معها إمكانية تجاوز مأزق الصراع بين الحاكم والمحكوم؟ وذلك من خلال رؤيةٍ سياسية داخليةٍ عربية جديدة ، وتُطلق عمليات تنمية حقيقية.
ثمة تحدٍ آخر يواجهه العرب، ويتمثل في التنسيق الخفي والمُعلن الروسي الإيراني. فخلال الأسبوع الماضي، أطلقت كل من روسيا وإيران والعراق ثلاث "مبادرات" تتعلق بالوضع في اليمن، من الواضح أنها تهدف لشراء الوقت ووقف زخم وإنجازات "عاصفة الحزم" أكثر من أي شيءٍ آخر. لهذا، كان طبيعياً أن يعلن السفير السعودي لدى الأمم المتحدة، عبد الله المعلمي، أن بلاده لا ترى ضرورة لمشروع قرار روسي بشأن اليمن، وأن هذا القرار جاء "للتشويش" على القرار العربي في المجلس.
أخيراً، تبقى، بالمقابل، إشكالية افتقاد التماسك الحقيقي القوي في صف التحالف العربي مع كل من تركيا وباكستان. فالصف المذكور نفسهُ يُعاني من خلخلةٍ، يعرف أصحاب القرار وجودها، ولا يكفي في التعامل معها تجاهُلها إعلامياً، بل تحتاج إلى معالجةٍ سياسية تقوم على مصارحات جذرية. وعلى نفس الخلفية يأتي موقف البرلمان الباكستاني من "عاصفة الحزم"، ومحاولات جر تركيا إلى التركيز على ما يُسمى بـ "حلٍ سياسي" في اليمن، يرمي في الحقيقة إلى إعادة الزمن إلى الوراء، وإزالة آثار "الاختراق" العربي الذي بدأ بـ"عاصفة الحزم" في الإقليم بأسره.
لقد أكد الصحفي توماس فريدمان، الذي أجرى المقابلة مع أوباما، أنها حصلت بناءً على دعوة الرئيس. وهذا يعني أن الرجل أراد إرسال رسائل صريحة وعلنية وقوية للعرب جميعاً، وللخليجيين تحديداً، مع تصاعد احتمال تصديهم لتوجيه دفة الأحداث في المنطقة، بقيادةٍ سعودية. فكيف يكون الرد على تلك الرسائل؟.
هل يحصل "الحوار الصعب" مع أوباما وقد سجل العرب جملةً من النقاط الجديدة والقوية لمصلحتهم تتعلق بالتحديات السابقة؟ هذا هو السؤال الكبير الذي ستُحدد الإجابة عنه مصير العرب إلى أمدٍ قادم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
3906
| 22 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل الإعلام يحتاج لوقفة، فليس كل ما يكتب عنهم هو من صميم القناعة والرضا، فقد تكون المجاملة وكسب الرضا والتقرب، وسائل تستخدم عبر القلم والسطور. ولكن أُشهد الله أنك يا سيدي، بمواقفك الصلبة ونفسك الأبية وشموخك العالي الهمة، منذ سخرك الله ومنحك شرف قيادة هذا البلد وإدارة أموره وأمور رعيته، تثبت في كل مرة أنك رجل المرحلة وقائد فذ شجاع وطني مخلص لبلادك وأهلك، بل تجاوزت ذلك لتشيد في كل مناسبة بأولئك الذين يعيشون بين أحضان هذا الوطن، فكأنك تبعث الطمأنينة في نفوسهم لأنهم جزء من نسيج هذا البلد. في الشدائد تعرف معادن الرجال، وفي الأزمات والصراعات تطل شخصية القائد والزعيم ويُعرف رجل الحكمة والصبر والذي يدرك كيف يدير الأمور بحكمة وبصيرة، دون العنتريات والخطب الرنانة. يشهد التاريخ لهذا البلد ومنذ سنوات عدة بأنه بلد الخير والعطاء والذي لم يبخل في تقديم يد العون والمساعدة وتقديم النصح والإرشاد وقت الشدائد، لذلك حافظت قطر ولسنوات عدة على علاقات مميزة مع كل دول العالم، وكانت عبر قادتها ووزرائها ومسؤولين فيها تطل على المشهد السياسي في كل المحافل العربية والعالمية من أجل أن تقول كلمتها وأمام الجميع وتبدي الرأي والنصح عند يتطلب ذلك. لقد أتاح لي سيدي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، أن أرافقه في العديد من الرحلات لمختلف دول العالم، ومنها جمهورية إيران الإسلامية، وجلست ضمن الوفد القطري المرافق لسموه، واستمعت بأذني ماذا كان يقول المرشد السيد علي خامنئي، رحمه الله، من إشادة وثناء وتقدير لقطر ومواقفها من إيران وحرص سموه على فتح باب الحوار واحترام الجيرة بين البلدين، كما سمعت نفس الكلام من الرؤساء الذين كانوا في سدة الحكم في إيران بدءا من الرئيس رفسنجاني، رحمه الله، ثم الرئيس خاتمي وبعده الرئيس نجاد، بل كان الرئيس نجاد هو ضيف الشرف في قمة مجلس التعاون في الدوحة عام ٢٠٠٧م، ويذكر كل من تابع المؤتمر الصحفي والذي عقد خلال زيارة سمو الأمير الوالد لإيران في أبريل عام ٢٠٠٦، والمزاح الذي دار بين القائدين حول مشاركة منتخب إيران في نهائيات مونديال ٢٠٠٦ في ألمانيا، مما يعطي انطباعا عن أريحية العلاقة القطرية الإيرانية والاحترام المتبادل بينهما. كنت أظن أن هذه العلاقة المميزة ستكون كفيلة بتجنب تعرض قطر لأي اعتداء من قبل إيران، ولكن ما شاهدته وعشته طوال الأسابيع الماضية جعلني أتحسر على ما ظننت أنه لا يمكن أن يحدث، بل لا أبالغ عندما أقول بأن دول مجلس التعاون حرصت على أن تكون في معزل عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وأبلغت الجانب الإيراني بذلك، ولكن ما حدث هو عكس ذلك وهو معروف لدى الجميع ولا داعي أن أسرد تفاصيله. إنني أعجب لمثل هذه المواقف والتي اتخذتها جمهورية إيران الإسلامية ضد جيرانها العرب، وهذه الصواريخ والمسيرات والتي تتجه لأهداف مدنية وبنية تحتية، دون سبب واضح، كل ما يتردد بأنه ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا مبرر غير واقعي وغير منطقي، فالقواعد كانت هنا منذ سنوات عدة، وأُبلغت إيران بأن دول المنطقة لن تسمح بأن هذه القواعد تستخدم في الاعتداء على أي دولة. وفي خضم هذه الأحداث والتي تعصف في المنطقة والعالم وتتمحور في هذا الصراع العسكري العنيف في منطقتنا، تطل قطر بقيادتها الحكيمة القوية والتي تعرف كيف تدير الأمور بما يتناسب مع مصلحة الوطن والمواطنين. تحية حب وتقدير وامتنان لمقام سموك الكريم، وأنت تقف بكل ثقة وعزة نفس وشجاعة مقرونة بحكمة وعزيمة لا تلين في مواجهة مثل هذه الظروف، وتحية لشعبك الأبيّ الكريم والذي يبادلك حباً وولاء.
1686
| 24 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1638
| 24 مارس 2026