رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الذين يكتبون عن المصالحة الفلسطينية هذه الأيام غالبا لا يخرجون عن ثلاثة محاور ؛ التشكيك في قدرتها على تجاوز الانقسام، أو استقراء وتحديد ما أدى إليها من دوافع لدى أحد الطرفين أو كليهما، أو تلمس محددات موقف كل منهما وثوابته التي – في نظرهم - الكاتبين - لا يجوز التنازل عنها.. أما الخلاصة المتوصل إليها من كل ذلك فهي لا تخرج في الأغلب عن إلقاء ظلال اليأس على كل شيء ومحاولة تقرير أن الطرفين أو أحدهما (حسب موقع وقناعات وانتماءات كل كاتب) إنما يناور على الآخر ويتملص من المسؤولية الوطنية والأخلاقية عما ينتظره من (فشل حتمي) والخلاصة أيضا أن الكثير من الكاتبين بوأوا أنفسهم مكانة المعلم الأكاديمي أو المرشد الروحي للمتصالحين فراحوا يقررون ما هو من حقهم وما ليس من حقهم أن يفعلوه أو يقولوه أو يقرروه.. أما لم هذا المنحى في الكتابة؟ فالأسباب كثيرة ولعل أقربها أن الكتابة بلغة الانطباعات والوعظيات والأخلاقيات هي الأسهل ومفرداتها هي الأكثر والأوفر..
العدو – قادته وكتابه – تحدثوا أيضا عن المصالحة الفلسطينية ولكنهم عكسوا الاهتمام وبدلا من الحديث التحليلي والتحكمي فيما سبقها راحوا يتناولونها من جهة مخاطرها على الشأن الصهيوني كله، واستتباع كيفية مواجهة مترتباتها، وكأنهم يصوغون خطط عمل.. وهذا هو الذي أجده أجدى وأنفع للكاتبين عن المصالحة من طرفنا.. فهي مفترق إستراتيجي على الصعيد الوطني الفلسطيني والقومي العربي والديني الإسلامي، وإن فوات الفرصة التي صنعتها هذه المصالحة لهو القاصمة التي (ما لها من فواق) نسأل الله العافية..
المطلوب الآن هو إنجاح المصالحة وإنجاؤها مما يحضر العدو لها وما يملكه فعليا من أدوات قريبة وبعيدة للعبث بها وتخريبها.. وبتعبير آخر (ومع كل الاحترام والتقدير والتواضع أمام من يكتب وما يكتب) إن الطرفين المتصالحين يواجهان اليوم تحديات نوعية وتاريخية تتطلب ثقافة واستعلاء استثنائيا على الخصوصية الذاتية والحزبية وبالتالي فهم بحاجة إلى من يقدم لهما نصحا عمليا ومهنيا وتشجيعا جديا وأفكارا إبداعية وخبرات وتجارب عالمية تفكك رموز ومصطلحات ووقائع هذا الانقسام الذي ألقى بظلاله وبعقابيله الثقيلة على كل شيء، وهما بحاجة لترسم إستراتيجية ما بعد التوقيع على المصالحة أكثر من حاجتهما لمن يزيد همومهما أو يصنع أو يضع جبهة معنوية ضاغطة فوقهما..
في هذا السياق أقول: إن السياسة ليست فن الممكن فقط ولكنها فن صناعة الممكن، وفن التحايل على غير الممكن وتطويعه أو بعضه ليكون ممكنا ؛ والسياسة أيضا ليست الجمود على قوالب جاهزة من التفكير الأحادي الاتجاه الذي يأخذ تتابعا نمطيا ولكنها تحرك وتحريك للهوامش واستثمار للفرص واستشراف للمدى.. وعليه فإن ترقية الحوار والسيطرة على الخلافات مسألة ليست سهلة ولا تحكمها المواقف المسبقة فقط أو النيات الطيبة أو اللغة العاطفية أو سلوك المخاجلات والترجيات ؛ ولكنها عمليات فنية وقدرات ذهنية تصل أحيانا لأن تكون مسائل رياضية تصوغها وتنضجها خبرات ومؤهلات مهنية.. هذه هي السياسة وهذا هو العمل السياسي ؛ أما الحنكة السياسية لقائد ما فليست في علو صوته، ولا في قدرته على التملص من المواقف، ولا في رفع سقوفه إلى غير الممكن، ولا في الضغط على الطرف الآخر إلى حد اللامنطق واللاتصالح، ولا في مجاراة الأتباع والسير مع التيار واختيار الأسهل.. ولكنها صنع انعطافات التاريخ التي تحمل كل ذلك وشيئا من نقائضه على أساس التضحية بالقليل لأجل الكثير وعلى قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، والمقايضة بين الخيارات.. وقديما قال الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه في مسألة بعينها " إننا نشتري بعض ديننا ببعض ".
فإذا كنا نتكلم عن حوار ليس أمامنا إلا أن ننجحه.. فإن على المتحاورين أن يمتلكوا من الشجاعة الأدبية والنظرة الكلية للأمور وميزان الترجيح الوطني والثوري ومهنية العمل ما يتجاوزون به اعتبارات الفصيل والحزب والشخص والمصالح واللحظة السيئة بإبداع فارق للأسف لم نعتد نحن العرب عليه وبالأخص في هذه الفترة المتردية من ثقافتنا المختلطة ومن إشكالاتنا الفكرية والسلوكية –
وأقول تحديدا لا تعميما: إن سر النجاح الذي يجب أن ترقى إليه حوارات ما بعد توقيع المصالحة هو أن يتخلى كل طرف عن اشتراط أن يتطابق معه الآخر على كل شيء أو أن يتنازل له عن كل مكتسباته (أو ما يتوهم أنها مكتسباته)، وسره أيضا أن يتخلى كل طرف عن فكرة أن ملفا واحدا يساوي كل الملفات وأن عدم تحقيق اختراق فيه يعني الفشل الكامل وأن تذهب المصالحة كلها إلى الجحيم..
وأقول تحديدا أيضا: العثرة في أي ملف يجب أن تكون متوقعة ويجب بالتالي التحضر لتفهمها ثم لتجاوزها.. أما كيف؟ فهنا مربط الفرس – كما يقولون – وهنا تطلب الحكمة وتمتحن الحنكة.. وليس بالصخب والحرد والتهديد ولا بالشكوى للرأي العام ولا باستعراض القوة ولا بالجمود على المواقف وتحميل كل طرف للآخر مسؤولية البحث عن مخرج ولا بتحكيم نظرية الفشل ومنطق " إما هذا أو لا شيء سواه "؟
وأقول أيضا: كم من فشل تحول في فترة أخرى أو ضمن سياق آخر لنجاح؟ وكم من أزمة أمكن حلها وتفكيك رموزها بترحيلها لمحاولة أو محاولات أخرى أو بتجزئتها والتعامل معها كأجزاء ومقايضات أو بتحريك المساعي والمقاربات لها أو بتحجيمها؟ المصالحة ذاتها ألم تكن قبل توقيعها بأسابيع بل بأيام.. بعيدة المنال؟ ثم ها هي قد تحققت!
فإن جئنا للواقع أو ذهبنا إلى التاريخ فلنا من كل ذلك عبرة! وإن شئنا فمن السيرة المطهرة القدوة والنبراس - هذا يقال لحماس وأيضا لفتح –: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترط على كل من يتفاوض معهم أو يتعاون معهم أن يطابقوه في كل شيء وعلى كل شيء؟ ألم يتحالف مع بني ضمرة في أول العهد المدني وهم كفار؟ فإن كان ذلك أول العهد المدني حيث الاحتياج ؛ فقد فعل مثله مع خزاعة آخر العهد؟ وإن قيل: ذلك تحالف على غير برنامج سياسي وعلى غير الأرض الواحدة والمشروع الواحد ولا يقتضي تفاعلات يومية وتفصيلات إثارية! أقول: لقد أقام صلى الله عليه وسلم في المدينة مشروعا سياسيا متكاملا مع اليهود بفئاتهم وقبائلهم احتوى عشرات البنود التي شملت كل نواحي الحياة اليومية السلمية منها والحربية والداخلية منها والخارجية والسياسية منها والاقتصادية ومسائل التسليح والعلاقات (ولولا أن اليهود نقضوا ما نقض لهم عهدا ولا مس لهم شرطا)!!
وإذا جئنا للغة الواقعية السياسية التي يفهمها ويتعامل بها الطرفان فإلى حماس أقول وبها أبدأ: هل كل ملفاتكم مع تنظيم الأحرار وكتائب أبو الريش وحزب الله وغيرهم.. هل كلها متفق ومتطابق عليها؟ وعندما اخترتم أو عرضتم على فتح والجهاد والشعبية.. المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية بعد الانتخابات هل كانت كل العقد معهم محلولة؟
وإلى فتح أقول وبذات اللسان: من أولى بصبركم وطول نفسكم ؛ العدو أم إخوانكم في حماس؟ وإذا كنتم على خلاف مع حماس في البرنامج أو المصالح الذاتية ؛ أليس الخلاف مع العدو خلاف دين ودنيا؟ وكم مرة تعطلت بين أيديكم – معه - ملفات واشتغلتم بغيرها؟ وكم ملف أنجزتم نصفه أو ثلثه وبقي الباقي؟ أليس كل ملفات الوضع النهائي قد اتفقتم على تأخيرها خمس سنوات يوم اتفاق غزة وأريحا؟ ثم صبرتم على تأخيرها عمليا وفعليا منذ ال93 لثماني عشرة سنة حتى الآن؟ وإذا صحت مقولة " خذ وطالب " التي طالما وكثيرا ما كررتموها لتسويق اتفاق " غزة وأريحا أولا " واعتبرتموها حنكة وحكمة فلماذا لا تصلح ولا تصح مع الأهل والأخ والجار والقريب وشريك الدم والعرض والوطن؟
آخر القول: الحوار الفلسطيني بحاجة لأن يرقى من العاطفية إلى العقلانية، ومن قصر النفس إلى طوله، ومن ثنائية النجاح والفشل، وثنائية إما معي أو ضدي إلى إمكانية ما بين النجاح والفشل، وإلى وحدانية (الدم اللي ما بصير ميه)، أما المصالحة فيجب أن ترقى لتكون أكثر من تكتيك وتحريك إلى أن تكون هدفا حقيقيا.. وأما الكاتبون فهذا ميدانهم للإبداع وهو محكهم.. لينتقلوا بنا من الحديث عن النيات المطلوبة لإنجاح المصالحة إلى الفنيات والمهارات التي لا يستغني عنها عامل في السياسة فضلا عن أن يكون قائدا وتلقى عليه مسؤوليات تاريخية بهذا الحجم..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4902
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4299
| 23 سبتمبر 2026